علوم وتكنولوجيا

منتدى شباب العالم: دور الشباب في مواجهة التحديات البيئية والمناخية

احتلت قضية التغيرات المناخية أولوية متقدمة على الأجندة العالمية؛ نظرًا لتفاقم التحديات المرتبطة بها على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والصحية، التي أبرزتها جائحة كورونا. وقد شهد عام 2021 تحركات دولية جماعية لبحث استجابات موحدة وفعّالة لتلك المسألة الحيوية. ومع ذلك، لا يزال العالم بعيدًا عن المسار الصحيح في تحقيق هدف اتفاقية باريس للحد من الاحترار العالمي إلى 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة والوصول إلى صافي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون (CO2) عالميًا بحلول عام 2050.

دور متزايد للشباب

تزايد اتجاه إشراك الشباب في عمليات صنع السياسات المتعلقة بالمناخ والأمن والسلام على المستوى العالمي، وهو اتجاه تصحيحي يعكس إدراكًا لدور الشباب في معالجة القضايا الدولية، ويمثل تحولًا عن مرحلة كان تهميش دور الشباب في العمل المناخي عنوانها الأساسي بما يشكل أزمة بسبب حقيقة أن 90% من 1.9 مليار شاب في العالم (23.6% من سكان العالم يتراوح أعمارهم بين 10 و24 عامًا) يعيشون في بلدان نامية أو متأثرة بالصراعات، حيث يمثل تغير المناخ مُضاعفًا للمخاطر على السلام والتنمية المستدامة. 

وتعكس بعض استطلاعات الرأي العالمية تنامي الاهتمام الشبابي بقضية المناخ، إذ أظهر استطلاع أجرته وكالة أبحاث الرأي العام الشهيرة IPSOS نيابة عن مكتب البيئة الأوروبي وشركائه في مشروع “Climate of Change” وضم أكثر من 22 ألف شخص تتراوح أعمارهم بين 15 و35 عامًا في 23 دولة أوروبية، أن 46% من المبحوثين رأوا أن تغير المناخ أخطر المشاكل التي تواجه البشرية، فيما رأى 44 % أن قضية التدهور البيئي هي الأخطر. كذلك فإن العديد من أولئك الذين لم يصنفوا المناخ على رأس التحديات الأخطر كانوا قلقين بشأنه، حيث قال 84% من المبحوثين إنهم قلقون بشأن تغير المناخ، واعتقد 65% أنه سيؤثر عليهم بشكل مباشر.

فيما أظهر مسح ضم 10 آلاف شاب تتراوح أعمارهم بين 16 و25 سنة في 10 دول هي المملكة المتحدة والولايات المتحدة وأستراليا والبرازيل وفنلندا وفرنسا والهند ونيجيريا والفلبين والبرتغال؛ أن 75% من الشباب يعبرون أن المستقبل مخيف، وفي بعض البلدان كان هذا الرقم أعلى من ذلك، حيث بلغت النسبة في البرتغال 81% وفي الفلبين 92%. وقال أكثر من 50% من المشاركين في الاستطلاع إنهم شعروا بالقلق بشأن تغير المناخ، بينما قال 45% إن القلق بشأن تغير المناخ يؤثر على حياتهم اليومية وعملهم.

وكاستجابة لتنامي المبادرات والتحركات الشبابية المطالبة بمعالجة قضية المناخ ووضعها على أولويات الأجندات الحكومية التفتت الهياكل الأممية إلى ضرورة إشراك الشباب في النقاشات والمنتديات الرسمية المعنية بقضايا البيئة والمناخ، فجاء تأسيس دائرة الشباب التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ “YOUNGO” عام 2009 لتوفر أقوى صلة مؤسسية بين منظمات الشباب والمفاوضات المناخية متعددة الأطراف، حيث تتكون من 200 منظمة شبابية غير حكومية وأكثر من 5500 فرد. وبصفتها دائرة رسمية تابعة لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، فإن لها الحق في أن تكون ممثلة في المفاوضات التي تنظمها الاتفاقية الإطارية، وهي مدعوة لتمثيل الشباب في أحداث الأمم المتحدة الأخرى المتعلقة بتغير المناخ.

علاوة على ذلك، يشير قرار مجلس الأمن رقم 2535 بشأن أجندة الشباب والسلام والأمن (YPS) إلى “قضية الطقس” عند الإشارة إلى “مشاركة الشباب الهادفة في التخطيط والاستجابة الإنسانية”، ويسلط الضوء على أن “الشباب يلعبون دورًا فريدًا في تعزيز القدرات الوطنية والمحلية والمجتمعية في حالات النزاع وما بعد النزاع للاستعداد والاستجابة لظواهر الطقس المتكررة والشديدة والكوارث الطبيعية”. كذلك اعتمدت لجنة بناء السلام التابعة للأمم المتحدة (PBC) خطة عمل استراتيجية بشأن الشباب وبناء السلام في فبراير 2021، على الرغم من أنها لا تذكر تغير المناخ.

ويُنظم الشباب فعاليات مناخية دورية ضمن الإطار الأممي؛ ففي فبراير 2021 انعقدت جمعية الشباب للبيئة التي تعد أكبر حدث بيئي يقوده الشباب على كوكب الأرض، كجزء من جمعية الأمم المتحدة للبيئة. وقد شهدت الجمعية لذلك العام إصدار GEO-6 للشباب، وهو تقرير يستهدف الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا، وقد تمت كتابته بهدف ترجمة الرسائل العلمية رفيعة المستوى إلى لغة يمكن استيعابها بالنسبة لتلك الفئة العمرية التي تشكل سدس سكان العالم وهي أساسية في مكافحة تغير المناخ، وقد قدمت جمعية الشباب البيئية لعام 2021 مقياسًا لما يفكر فيه الشباب بشأن تغير المناخ، وأرسلت رسالة واضحة مفادها “نحن بحاجة إلى إعادة البناء بشكل أفضل، نحتاج إلى أن نكون أكثر إبداعًا ونحتاج إلى التحرك بسرعة”.

علاوة على ذلك، اجتمع المئات من الشباب من جميع أنحاء العالم عشية يوم البيئة العالمي عام 2021 لحضور قمة عبر الإنترنت لاستكشاف بعض أكثر القضايا البيئية إلحاحًا التي تواجه كوكب الأرض، بما في ذلك تغير المناخ والتلوث، وقد شارك في المنتدى، الذي نظمه برنامج الأمم المتحدة للبيئة وإدارة الاتصالات العالمية بالأمم المتحدة، العديد من الشباب الذين يتطلعون إلى جعل العالم مكانًا أنظف وأكثر اخضرارًا.

التحديات التي تواجه دور الشباب

لا تزال حركة المناخ الشبابية على هامش مؤتمر الأطراف (COP)؛ فخلال نسخة المؤتمر لعام 2019 تظاهر العديد من الشباب خارج مقر الانعقاد، بما يعكس الفجوة بين النشاط المناخي للشباب ودورهم المحدود في صنع السياسات. ويعد تشكيل الفريق الاستشاري للشباب التابع للأمين العام والمعني بتغير المناخ في يوليو 2020 جهدًا أوليًا لسد هذه الفجوة من خلال ربط القادة الشباب بأعلى منصب في الأمم المتحدة.

وتتمثل المهمة الأساسية للفريق في سد الثغرات بين الشباب حول العالم والأمين العام ومؤسسات الأمم المتحدة المختلفة التي لها علاقة بملف تغيّر المناخ، وقد أكدت الناشطة السودانية نسرين الصائم، رئيسة فريق الأمم المتحدة الاستشاري المعني بتغير المناخ، أن “قضية المناخ تهم الشباب على وجه التحديد لأنها تؤثر بشكل مباشر على حاضرهم ومستقبلهم، لكنهم يُواجهون عراقيل وتحديات تعيق مشاركتهم الفعالة في حل هذه القضية، بما قد يقوض آمالهم في بناء مستقبل أفضل لهم ولأبنائهم”.

الأمر نفسه تكرر على هامش مؤتمر الأطراف (COP26) الذي انعقد بجلاسكو خلال الفترة بين 31 أكتوبر و12 نوفمبر 2021، حيث نظمت حركة “أيام جمعة من أجل المستقبل”، وهي حركة يقودها الشباب مستوحاة من الناشطة السويدية غريتا ثونبرج، مظاهرات في ساحة “جورج” خارج مقر الاجتماع للمطالبة بالعمل المناخي؛ إذ إن تجاهل تلك القضية سيؤثر على مستقبلهم بشكل متزايد في ظل التوقعات المناخية المحذرة من تزايد موجات الحر والعواصف والفيضانات المناخية منذ صدور تقرير مبكر للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ في عام 1990.

كذلك، تعد الروابط ضعيفة بين أجندة الشباب والسلام والأمن (YPS) والعمل المناخي للشباب بسبب عدم وجود توافق في الآراء حول كيفية ربط السلام والأمن وأجندات العمل المناخي على نطاق أوسع. علاوة على عدم ذكر اتفاق باريس للمناخ للشباب وإنما الإشارة فقط إلى المساواة بين الأجيال، بعكس خطة التنمية المستدامة لعام 2030 التي ذكرت الشباب في عشرة مجالات دون وجود هدف قائم بذاته بشأن الشباب، حيث يلفت الهدف 13 إلى أهمية الشباب في بناء القدرة على التخطيط لتغير المناخ وإدارته، وعليه، اتخذ نظام الأمم المتحدة الإنمائي نهجًا مخصصًا للشباب لا سيما عندما يتعلق الأمر بتغير المناخ.

كذلك فرضت جائحة كورونا تحديات على الأدوار الشبابية في قضية البيئة والمناخ، فعلى سبيل المثال، يعتمد شباب الفريق الاستشاري للشباب التابع للأمين العام والمعني بتغير المناخ في أنشطتهم على الزيارات والمقابلات المجتمعية، وقد أدت الإجراءات الاحترازية لمواجهة الجائحة إلى اقتصار مهمتهم على المنصات الإلكترونية، وبالتالي ظهرت عقبات تقنية تتعلق بعدم توافر الإنترنت أو الكهرباء خاصة في الدول النامية، فضلًا عن إطالة أمد المناقشات نتيجة للتواصل غير المباشر وسوء خدمات الاتصال.

ختامًا، يلعب الشباب دورًا محفزًا على المستويين المحلي والعالمي في دفع العمل المناخي، إلا أن مساهمتهم في صنع السياسات البيئية ما زالت منخفضة ولا تتناسب مع حجم الطموحات والتحديات المرتبطة بتلك القضية، لا سيمَّا أنها ستمس مستقبلهم بشكل كبير حيث سيلقى على عاتقهم تحقيق هدف اتفاقية باريس المتمثل في خفض درجة الحرارة العالمية إلى أقل من 2 درجة مئوية عبر تقليل انبعاثات الكربون بمقدار ثمانية أضعاف مثيله عن أجدادهم، وكذا تؤدي أزمة المناخ إلى تفاقم عدم المساواة، بما في ذلك تلك المرتبطة  بالجنس والعرق والدخل، وكلها تتقاطع مع فئة الشباب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى