مصركورونا

ممرات التعافي لـ “التعليم” ما بعد الجائحة

بدأنا عامًا جديدًا، وما زلنا نعاني من تبعات جائحة كورونا وآثارها، والتي تسببت في إرباكات اجتماعية واقتصادية هائلة، وتوقفت الحياة جزئيًا بوجودها، إلى أن صمد العالم واستجمع قواه لمواجهتها، واستمرت الحياة تعايشًا معها، وصولًا إلى تخيل العالم ما بعدها.

ما بعد جائحة كورونا سيكون محور اهتمام “منتدى شباب العالم” في نسخته الرابعة في شرم الشيخ، حيث ستتم مناقشة تأثير الجائحة على العديد من المجالات، وكيفية التعافي والتعامل مع ما سببته من آثار، ومن أبرز هذه المجالات ” التعليم”، الذي عانى كثيرًا منذ بداية الجائحة، وفُرِضَ عليه واقع جديد سيبقى معنا لسنوات قادمة. 

التعليم قبل جائحة Covid-19

قبل الجائحة، كان العالم بالفعل يعاني من تحديات هائلة فيما يخص التعليم، وخاصة فيما يتعلق بالوفاء بوعد إتاحة التعليم وتوفيره كحق أساسي من حقوق الإنسان. وبالرغم من اتفاق أغلب البلدان على تعميم الالتحاق بالتعليم في الصفوف المبكرة، إلا أن هناك عددًا ضخمًا من الأطفال يقدر بأكثر من 250 مليون طفل كانوا خارج المدارس حول العالم، بجانب وجود نحو ما يقدر بـ 800 مليون بالغ أميّ.

وحتى لهؤلاء الملتحقين بالمدارس، لم يكن التعليم مضمونًا لهم على الإطلاق؛ فقد أشارت الإحصائيات إلى أن قرابة 387 مليون طفل، أو 56% ممن هم في سن المدرسة الابتدائية على مستوى العالم يفتقرون إلى مهارات القراءة الأساسية. ولهذا، فقد كان هناك تحدٍ مخيفٍ قبل جائحة كوفيد-19 يتمثل في فجوة التمويل اللازم لتحقيق أهم هدف من أهداف التنمية المستدامة للدول، وهو التعليم الجيد في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، وقُدرت هذه الفجوة بمبلغ 148 مليار دولار سنويًا، لتتسع الفجوة بعد كورونا بما يصل إلى الثلث.

وأبرزت الأزمة بعض مواطن الضعف في نظم التعليم والتدريب في المجال التقني والمهني، بما في ذلك انخفاض مستويات الرقمنة، ونقص البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات اللازمة لكل من الطلاب والمعلمين.

التداعيات السلبية للجائحة على التعليم

تأثر التعليم بجائحة كورونا بشكل كبير جدًا. وبهذا الاضطراب غير المسبوق أغلقت المدارس والجامعات أبوابها، في أكبر انقطاع عن التعليم في التاريخ أمام أكثر من 1.6 مليار طالب، في أكثر من 190 بلد، مؤثرة على 94% من طلاب العالم، وهي نسبة ترتفع لتصل إلى 99% في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، وذلك بحسب أرقام صادرة عن معهد اليونسكو للإحصاء.

ففي 16 مارس عام 2020، أعلنت الحكومات في 73 دولة إغلاق المدارس، بما في ذلك 56 دولة أغلقت المدارس في جميع أنحاء البلاد، و17 دولة أغلقت المدارس داخل نطاق محدد. وأثر إغلاق المدارس على مستوى الدولة على أكثر من 421 مليون متعلم على مستوى العالم، بينما عرض الإغلاق محدود النطاق للمدارس 577 مليون متعلم للخطر.

ووفقًا للبيانات، فإن إغلاق المدارس والجامعات بسبب انتشار فيروس كوفيد-19 ترك واحدًا من كل خمسة طلاب خارج المدرسة على مستوى العالم، وتسببت الجائحة أيضًا في حرمان 40 مليون طفل في جميع أنحاء العالم من فرصة التعليم في السنة الحرجة السابقة للتعليم الابتدائي، في إشارة إلى خسائر التعلم الكبيرة وزيادة عدم المساواة وتكافؤ الفرص، فليس ليس لدى جميع الأطفال الفرص أو الأدوات أو الإمكانيات اللازمة لمواصلة التعلم أثناء الوباء، وجاء ذلك في وقت نعاني فيه بالفعل من أزمة تعليمية عالمية، فهناك الكثير من الطلاب في المدارس، لكنهم لا يتلقون فيها المهارات الأساسية التي يحتاجونها في الحياة العملية.

ومن أكثر الفئات تأثرًا بالإغلاق الأسر منخفضة الدخل التي تكون فرصتهم أقل في الوصول إلى التكنولوجيا والإنترنت والأغذية وخدمات رعاية الأطفال، بالإضافة إلى الطلاب ذوي الإعاقة، والأطفال في المناطق الريفية أو المناطق المتأثرة بالنزاعات المسلحة، والأطفال النازحين واللاجئين والمهاجرين وملتمسي اللجوء، بعكس أبناء الأسر الأفضل حالًا.

وقد أجمع خبراء التعليم على أن التعليم ما بعد الجائحة لن يكون كما قبله، خاصة مع ظهور الثورة الصناعية الرابعة، التي نجمت عن بنية تحتية عالية، وظهور أنظمة الذكاء الاصطناعي. ومن المتوقع أن تكون هناك تحولات كبيرة وهيكلية في أنماط التعليم وأساليبه وتوجهاته وسياساته.

ومع ذلك، بالنسبة لملايين الأطفال، فإن فكرة الدراسة الافتراضية عبر الإنترنت هي حلم بعيد المنال، فقد كشفت اليونسكو عن فجوات في التعلّم عن بُعد القائم على التكنولوجيا الرقمية، حيث أظهرت البيانات أن حوالي 830 مليون طالب لا يمكنهم الوصول إلى جهاز كمبيوتر، وأن هذه الصورة قاتمة بشكل خاص في البلدان منخفضة الدخل: ما يقرب من 90% من الطلاب في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى ليس لديهم أجهزة كمبيوتر منزلية، بينما لا يستطيع 82% منهم الاتصال بالإنترنت؛ مما يسبب قلقًا متزايدًا من أنه في حالة عدم تقديم الدعم الملائم لهؤلاء الطلاب، فإنهم قد لا يعودون إلى المدارس أبدًا.

أفريقيا مهددة بالموجة الثانية من كورونا.. فكيف تتصرف؟ | سياسة واقتصاد |  تحليلات معمقة بمنظور أوسع من DW | DW | 22.12.2020

تفادي ضياع جيل كورونا

بعـد مـرور نحو عامين على بدء جائحة كوفيد-19، والتي أودت بحياة أكثر من 5.5 مليون شـخص حول العالم، وألقت بظلال الشـك على المستقبل، أصبح تأثير الفيروس على أطفال وشـباب العالم أكثر وضوحًا. ومن التجارب السابقة تبيّن أن إغلاق المدارس يعرض الأطفال لمخاطر متعددة، وكلما طال أمد إغلاق المدارس كلما عانى الأطفال من خسائر كبيرة في التعلم مع آثار سلبية طويلة الأمد؛ فقد تضرر 370 مليون طفل في 195 بلد من فقدان الوجبة المدرسية، مما أدى إلى زيادة معدلات الجوع ونقص معدلات التغذية، بالإضافة إلى تأثر الخدمات الصحية والنفسية والاجتماعية التي تقدمها المؤسسات التعليمية. 

وتبعًا لسنهم وجنسهم وإعاقتهم إن وجدت أو وضعهم الاجتماعي والاقتصادي، فقد لا يعود كثير من الأطفال (وخاصة المراهقين) إلى المدارس بعد الإغلاق الطويل، ويدفع الأطفال الفقراء الثمن الأكبر، فأظهرت الإحصاءات أنه لم يتمكن نحو 463 مليون طالب من الحصول على التعليم عن بعد أثناء الإغلاقات السابقة.

وحذرت الأمم المتحدة من التأثير طويل المدى لتعطّل التعليم والذي يمكن أن يؤدي إلى “جيل ضائع” من الأطفال في أفريقيا؛ ففي نهاية عام 2020، كان 320 مليون طفل محرومين من المدارس في جميع أنحاء العالم. ودفع ذلك اليونيسف إلى دعوة الحكومات لإعطاء الأولوية لإعادة فتح المدارس وجعل الفصول الدراسية آمنة قدر الإمكان، مؤكدة أن فوائد الإبقاء على المدارس مفتوحة، تفوق بكثير تكاليف إغلاقها، ويجب تجنّب إغلاق المدارس على مستوى البلاد بأي ثمن.

وقد وجد الطلاب والمعلمون أنفسهم يتصارعون مع تقنيات غير مألوفة، وهي تجربة واجه الكثيرون صعوبة في التعامل معها، ولكنها كانت، بالنسبة لمن يعيشون في عزلة، الطريقة الوحيدة لضمان استمرار أي نوع من التعليم، فقد كان المعلمون حول العالم أيضًا غير جاهزين إلى حد بعيد لدعم استمرارية التعلم والتكيف مع منهجيات التدريس الجديدة.

ففي جنوب أفريقيا مثلًا، لم يتلق سوى 64% من معلمي المرحلة الابتدائية و50% من معلمي المرحلة الثانوية الحد الأدنى من التدريب الذي غالبًا لا يشمل كافة المهارات الرقمية الأساسية. وحتى في السياقات حيث تتوفر بنية تحتية كافية، يفتقر العديد من المربين إلى أبسط مهارات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، مما يعني أنهم سيواجهون صعوبات في تطورهم المهني المستمر، ناهيك عن تيسير التعلم الجيد عن بعد. وقد أبرزت أزمة كورونا أن تثقيف المعلمين، وتدريبهم بشكل أفضل على الأساليب الجديدة، هو على رأس الأولويات.

لذا يتعين على الحكومات والمدارس إجراء دراسات حول من ترك المدرسة ومن عاد إليها، والتأكد من أن تسعى برامج العودة إلى المدرسة إلى البحث عن كل أولئك الذين تسربوا من المدارس، من خلال توفير المزايا المالية والاجتماعية. وكذا، ينبغي على جميع الحكومات والجهات المانحة والجهات الفاعلة الدولية الداعمة لها أن تكون حازمة في التزاماتها بتعزيز أنظمة التعليم العام الشاملة، واعتماد خطط لإصلاح الحق في التعليم لملايين الطلاب، وتوفير شبكة إنترنت ميسورة التكلفة وموثوقة ويمكن لجميع الطلاب الوصول إليها.

البنية الرقمية في التعليم

مع تطور الأزمة، استجابت نظم التعليم حول العالم وتكيفت بسرعة من أجل ضمان استمرارية التعليم، وكفالة سلامة الطلاب والمعلمين، وكان أبرز تحولات التعليم في زمن ما بعد كورونا، هو الاتجاه المتصاعد نحو استخدام أحدث التقنيات التي تغير المنظور العالمي لتقنيات التعليم، خاصة بعد أن أثبتت فاعليتها في وقت شدة الجائحة. ومن أهم الأنماط الجديدة في التعليم هي:

  • التعليم عن بعد: استخدم هذا النمط في كثير من دول العالم كبديل للتعليم التقليدي، وقد نصحت منظمة اليونسكو الدول المتضررة بضرورة التعليم عن بعد للحد من الاضطراب الذي سوف يتعرض له الطلاب والعملية التعليمية ككل.

وكان له إيجابيات عديدة ومبهرة، فكانت العملية التعليمية من خلاله متواصلة لا تنقطع، مع ارتفاع معدلات استجابة الطلاب، وتكيّف أعضاء هيئة التدريس، حتى أن حضور بعض الطلاب وتفاعلهم كان أفضل من واقع الحضور إلى فصول الدراسة، ليكون التعليم متاحًا لكل التلاميذ الذين لم يكن يتم الوصول إليهم عندما كانت المدارس مفتوحة، كالفئات الأقل انتفاعًا بالتعليم كذوي القدرات الخاصة، واللاجئين. 

وبدأت دول عدة لا سيما في مصر التوجه نحو التعليم عن بعد بوصفه طوق نجاة، من أجل حماية الطلبة والمعلمين، والمحافظة في الوقت ذاته على استمرار العملية التعليمية في زمن كورونا، وذلك عن طريق استخدام التقنيات المتقدمة، وإنشاء المزيد من البوابات والمنصات والتطبيقات التي توفر جميع المواد التعليمية. 

التقييم في التعلم عن بعد - تعليم جديد
  • التعليم الإلكتروني: وهو نمط من التعليم يجمع بين التعليم عن بعد، والتعليم داخل الفصل الدراسي، وذلك من خلال وسائل وآليات حديثة، تجمع بين الصور والرسومات، وآليات البحث ومكتبات رقمية؛ بهدف الوصول إلى الطالب بأقصر وقت وأقل جهد وأكبر فائدة. ومن المتوقع أن يسيطر هذا النمط التعليمي ويسود في معظم المؤسسات التعليمية حول العالم؛ كونه فعالًا، ويفضله أغلب الطلاب كطريقة تعليم محفزة.

ومن أهم أشكاله التعليم المُدمج، الذي يجمع بين التعليم المُعزَّز بالتقنيات، والتعليم المباشر، وكانت اليونيسكو قد أكَّدت على أهمية التعليم المدمج بوصفه نهجًا يعزِّز التعلُّم، ويدفع نحو تحقيق الهدف الرابع من أهداف التنمية المُستدامة الوارد في التقرير الأُممي، المعروف باسم “Education 2030″، وهو ضمان التعليم الجيد والمنصف مدى الحياة في جميع أشكال التعليم الرسمي وغير الرسمي. 

  • الذكاء الاصطناعي: يتصاعد الاتجاه نحو هذا النمط، واعتماد تقنيات الذكاء الاصطناعي من أجل تعزيز التعليم عبر الإنترنت، وبرمجيات التعلُّم التكيفية، وأدوات البحث التي تُتيح للطلاب سُرعة التفاعل، والاستفادة من المعلومات، واكتساب المهارات.

وقد أفضت نتائج كثير من الدراسات الأكاديمية إلى أن استخدام التعليم التكيفي (Adaptive Learning)، يفيد تقدُّم الطالب في مساره التعليمي، ويعزِّز التعليم النشط، ويساعد الطلاب المتعثرين، ويقيِّم العوامل المؤثرة في نجاح الطالب. إلَّا أن الدمج الفعَّال لهذه التقنيات الجديدة، في المناهج الدراسية، يتطلّب التخطيط الجيّد، وتوفير الموارد اللازمة.

ويرتبط بنمط الذكاء الاصطناعي أيضًا استخدام الروبوتات في مجال التعليم، حيث إن اعتماد المؤسسات التعليمية للروبوتات في التدريس، يتزايد يومًا بعد آخر، خاصة بعد نجاح تجربة الروبوتات التي تقوم بتدريس اللغات، وكذا تدريس بعض المواد الأساسية، كما هو الحال في الصين، وبعض البلدان الإسكندنافية

بعد العودة.. تحديات وتحولات

بدأت الكثير من الدول في فتح أبواب مدارسها وجامعاتها أمام الطلاب، وشهدت العملية التعليمية تحولات مهمة، تباينت وفقًا للإمكانات المادية والخطط التي اعتمدتها كل دولة، ورغم المزايا المتعددة للتعليم عن بعد، إلا أنه ولا زال يواجه بعض التحديات، من أهمها:

  • ضعف البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات: وخاصة في الدول النامية التي تتمتع ببنية تحتية تكنولوجية ضعيفة، وارتفاع خدمة الإنترنت بالنسبة لمستويات الدخول.
  • ضعف مستوى التفاعلية: حيث يراها البعض أحد أهم العيوب في التعليم عن بعد الذي يحتاج إلى لمسات إنسانية بين المعلم والطلاب، ومن الصعب أن تتم ترجمة ذلك عبر الرسائل النصية.
  • العزلة الاجتماعية: فقد مثلت المدرسة متنفسًا مهمًا للتعرف على الطلاب الآخرين، وتكوين صداقات، وتجنب أن يكون الطفل انطوائيًا، مقارنة بالبقاء بالمنزل لفترات طويلة. لذلك وجد أن تقبل بعض الأطفال لهذا النوع من التعلم كان عنيفًا. 
  • جمود نظم التعليم: يعد الهيكل التنظيمي للمؤسسات التعليمية في الدول النامية من أكبر التحديات التي تواجه تغير التعليم والارتقاء به، حيث تعول هذه الدول على الشهادات أكثر من المهارات، بجانب مشكلة التلقين والحفظ دون فهم، فضلًا عن غياب التشريعات الداعمة للتعليم الإلكتروني، وخاصة بعد أن جاء هذا التحول مفاجئًا للكثير من الدول، مع ضعف إعداد وتدريب أعضاء الهيئة التعليمية للتعليم عن بعد.
  • صعوبة التقييم والامتحانات: قامت بعض الدول بإلغاء الامتحانات النهائية، واتجهت نحو المشروعات البحثية كوسيلة لتقييم الطلاب، بسبب عدم القدرة على إقامة الامتحانات الفعلية وقتها؛ إذ كان التعليم عن بعد يختلف عن التعليم الواقعي، إذ لا بد أن تختلف طريقة التقييم أيضًا، من حيث وصع ضوابط صارمة تضمن وتؤكد أن من أدى تلك الامتحانات هو الطالب نفسه وليس أي شخص آخر.  
  • عدم المساواة وغياب تكافؤ الفرص: وذلك بسبب زيادة عدم المساواة بين الطلاب في ظل تباين واقع انتشار وسرعة شبكة الإنترنت في كل دولة، إضافة إلى امتلاك حواسب شخصية من عدمه، لتتوسع بذلك الفجوة الرقمية بين الطلاب.
  • ضعف التزام الطلاب وأولياء الأمور بمتابعة برامج التعليم عن بعد.
هل التعليم عن بعد هو الحل؟ | مركز مناظرات قطر

وعلى الصعيد الآخر، شهد قطاع التعليم العديد من التحولات في عدة دول، أهمها: 

  • تطوير البنية التحتية والتكنولوجية: وذلك من أجل رفع كفاءة العملية التعليمية، وضمان وصول الخدمات التعليمية الجديدة إلى جميع الفئات، عن طريق توفر بنية معلوماتية تتضمن خوادم إنترنت قوية تمكن عددًا كبيرًا من الطلبة الدخول إليها في وقت واحد.
  • التباعد الاجتماعي: وهو مبدأ تم اتباعه في جميع النواحي، من أجل كبح انتقال الفيروس وتفشيه، فلا مصافحات ولا تقارب جسديًا، مع الالتزام بارتداء الكمامات داخل الفصول، والتدابير الصحية اللازمة، مع تعليق بعض الأنشطة التي تتطلب تقاربات جسدية.  
  • تقسيم فترات الدراسة داخل المبنى الدراسي الواحد: تفرض الحاجة إلى التباعد الاجتماعي عددًا أقل بين الطلاب داخل الفصل، وسيصبح من الضروري أن تعمل المؤسسات التعليمية لعدة فترات كل يوم، خاصة في المدارس المكتظة بالطلاب، وهذا سيضع المزيد من الضغوط على أعضاء هيئة التدريس
  • اكتساب مهارات جديدة: فبعد أشهر تم قضاؤها في التعليم المنزلي، أصبح الطلاب على معرفة أكبر بأدوات ووسائل تكنولوجيا التعليم، وأصبح لديهم القدرة الكافية للتحكم غي دروسهم الخاصة، فلن يكونوا طلابًا يتعلَّمون الدروس الموجَّهة وفقًا للمناهج الدراسية فقط، بل سيكتسبون أيضًا الخِبرات في عديد من التطبيقات الجديدة المتاحة، التي يمكنهم استخدامها للدراسة والتعلُّم.
  • إعادة تعريف دور المعلم: من المؤكد أنه سيتم تغيير مفهوم دور المعلم بوصفه صاحب المعرفة؛ وذلك بسبب توسع دوائر ولوج الطلاب إلى الموارد التعريفية المتاحة لهم عبر أنظمة التعلم الرقمية، فلا وجود للتعليم الإلكتروني بدون المعلم الواعي، ولذلك فإنه من الضروري أن يكون معلمو المستقبل مسلحين بأساليب التدريس الحديثة.
  • مراعاة ذوي الاحتياجات الخاصة: يواجه الطلاب ذوو الإعاقة عقبات بسبب الافتقار إلى المعدات اللازمة، والوصول إلى الإنترنت، ولذلك قامت بعض الدول بتطوير الأدوات والموارد لهؤلاء الطلاب؛ وذلك عن طريق تحسين خاصيات الاستخدام الميسر لذوي الإعاقة كالسرد الصوتي، والفيديو بلغة الإشارة، وخلال الأزمة كان هناك ابتكار هائل يتمثل في استخدام أقنعة شفافة، كي يتمكن الأطفال الصم من قراءة الشفاه. 
  • شكل جديد للحقيبة المدرسية: بسبب التوسع الذي طرأ في استخدام التكنولوجيا، سيتم التخلص من الكتب الثقيلة التي يحملها الطلاب يوميًا إلى مدارسهم، وستستبدل بكتب رقمية وواجبات منزلية عبر الإنترنت.
  • تحولات في المناهج الدراسية: ستفرض تحولات مهمة نفسها لتواكب واقع ما بعد الجائحة، لتظهر برامج تعليمية جديدة، تتبنى الاستراتيجيات الذكية في بناء المحتويات التعليمية، ففي منظومات التعليم التقليدية، يتعلم الأطفال في نفس الفئة العمرية المناهج نفسها تقريبًا دون النظر إلى اهتمامات كل طفل أو مهاراته الفردية، ولكن بفضل ما تم استحداثه من بنية تحتية رقمية عالمية، سوف يتاح للطلاب إمكانية الاختيار، والتعلم بالطريقة والوتيرة التي تناسبهم، فالتعليم عبر الإنترنت سيصبح جزءًا لا يتجزأ من التعليم المدرسي.

التجربة المصرية والتعليم في مواجهة كورونا

تمتلك مصر منظومة تعليمية تتسم بقدر من الضخامة والتعقيد، فقد اعتاد هذا النظام على العمل بشكل تقليدي يقوم على الاستيعاب المكثف للطلاب، والتعليم القائم على التلقين عبر التواصل المباشر بين المعلم والطالب، ولكن في السنوات الماضية استثمرت الدولة في تطوير العملية التعليمية قبل انتشار جائحة كورونا، وهو ما ساعد في مواصلة العملية التعليمية خلال فترة انتشار الجائحة.

في بداية الوباء، استجابت مصر لنداءات الإغلاقات وتخوفات الأهالي على أبنائهم من تداعيات هذا الشيء الغامض الذي يهدد صحتهم، وجاء ذلك على مرحلتين:

  • المرحلة الأولى: الاستجابات العاجلة للأزمة

جاءت الاستجابات العاجلة تخفيفًا لحدة الموقف غير محدد الأبعاد، ما أدى إلى إجراءات نصف شهرية يتم تجديدها مرة تلو الأخرى، ومن هنا فكر القائمون على العملية التعليمية في مصر في طرق بديلة لاستكمال العام الدراسي من خلال مشروعات بحثية، واجتياز العام الدراسي بهذه الطريقة، بالإضافة إلى التوسع في برامج التعليم عن بعد، وتحويل البرامج والمقررات الدراسية إلى إلكترونية، وإنشاء منصات تعليمية محلية.

  • المرحلة الثانية: التعامل الممتد مع الوباء وتداعياته

بعد أن ساد اعتقاد مبدئي أن الأزمة ستكون عابرة، اختلف الوضع وأصبحت الجائحة ممتدة ويجب على الدولة المصرية أن تتكيّف معها؛ تخفيفًا للأضرار الواقعة على جميع المجالات الاقتصادية والتعليمية، لما تكبدته من أعباء شديدة، ولهذا شرعت الدولة في وضع إجراءات لتسيير العملية التعليمية:

  • تعزيز مستوى التأهب مع بقاء المدارس مفتوحة.
  • توجيه مزيد من الاهتمام بتطوير البنية التكنولوجية بالمؤسسات التعليمية.
  •  تقسيم الطلاب إلى مجموعات صغيرة لمنع التزاحم وتحقيق التباعد الاجتماعي. 
  • تطبيق النظام الهجين الذي يجمع بين التعليم المباشر والتعليم عن بعد
  • استخدام العديد من التطبيقات الإلكترونية مثل: ZOOM، Google Classroom، Edmodo. 
  • إتاحة مصادر متنوعة للتعلم الذاتي، كبنك المعرفة المصري، ومنصة ذاكر، ومنصة إدارة التعلم للمرحلة الثانوية، ومنصة البث المباشر، ومنصة حصص مصر.
  • اكتساب كل أعضاء الهيئة التعليمية من معلمين وطلاب للكفايات اللازمة للتوسع في توظيف التكنولوجيا في التعليم.
  • الاعتراف بنظام التعليم عن بعد واعتماد شهاداته وتغيير نظرة المجتمع له، وعدّه نمطًا مكملًا وموازيًا للتعليم المباشر.
  • التأكيد على دور الأسرة الفاعل في متابعة تعليم أبنائهم من برامج التعليم عن بعد. 

ومن خلال هذه الإجراءات، وضعت مصر معالم نظام شامل للتعامل طويل الأجل مع الجائحة، وأرست دعائم نظام تعليمي جديد من خلال الاستفادة من التطورات التكنولوجية وثورة المعلومات. وهذه في الأساس خطة مصر المستقبلية ضمن استراتيجية مصر 2030؛ فهي تسعى إلى أن يحظى التعليم بجودة عالية، وأن يكون متاحًا للجميع دون تمييز في إطار نظام مؤسسي كفء وعادل، يسهم في بناء شخصية متكاملة للفرد حتى يقدر على العمل التنافسي مع كافة الكيانات إقليميًا وعالميًا.

مي صلاح

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى