مصر

المرأة الصعيدية بين التهميش والتمكين

عانت المرأة الصعيدية لسنوات طويلة من بعض العادات والتقاليد الموروثة، والتي تسببت في تهميشها وإبعادها عن المشاركة في معترك الحياة السياسية والاجتماعية. وفي سنوات قليلة، وتحديدًا مع انطلاق عام المرأة 2017، شهدت مصر ثمة تغييرات جوهرية في أوضاع المرأة عامة والمرأة الصعيدية خاصة؛ فجرى تمكينها على الأصعدة المختلفة، وتقلدت المناصب القيادية ودعمتها الدولة بمظلة تشريعية قوية حاربت تلك الموروثات، وذللت العقبات. ويستعرض التقرير أهم محاور تمكين المرأة الصعيدية.

التمكين السياسي

سعت الدولة المصرية خلال السنوات القليلة الماضية في تحسين آليات تمكين المرأة في المناصب القيادية وتعزيز أدائها، خاصة في محافظات الوجه القبلي التي انخفض فيها تمثيل المرأة في مثل تلك المناصب. 

ويوضح تقرير المجلس القومي للمرأة الخاص بمتابعة دور الوزارات والجامعات والجهات المختلفة في تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة المصرية 2030، نسب تمثيل المرأة للمناصب القيادية في محافظات الوجه القبلي في عام 2020، فقد بلغ أعلى تمثيل للمرأة في محافظة أسيوط بنسبة 40%، تلتها محافظة المنيا بنسبة 31%. ومازالت بعض المحافظات في الوجه القبلي تحتاج بعض التدخلات لرفع نسبة تمثيل النساء في المناصب القيادية بها حسب طبيعة كل محافظة.

دعم كامل واهتمام غير مسبوق وجّهته الدولة المصرية لمساندة المرأة الصعيدية وتمكينها اقتصاديًا، بعد تذليل جميع العقبات، وتقديم كل الدعم اللازم لها، والذي ظهر جليًا فيما يلي: 

  • استحوذت الإناث على نسبة 52% من إجمالي التمويل للمشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر الموجهة لمناطق الصعيد، مقابل 48% من إجمالي التمويلات للذكور.
  • أعلنت وزيرة التعاون الدولي أنه تم تدريب نحو 16.8 ألف سيدة في صعيد مصر في مجالات الزراعة وتنمية المهارات الخاصة التي ترتبط بالحرف المصرية، وذلك في أكثر من 70 قرية من قرى الصعيد.
  •  إطلاق مشروع “تمكين الفتيات” في الصعيد، بالتعاون بين المؤسسة المصرية للتنمية المتكاملة “النداء”، والهيئة القبطية الإنجيلية للخدمات الاجتماعية، بتمويل من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية قيمته 3 ملايين دولار والذي يستهدف تحقيق التنمية في المناطق الأكثر احتياجًا للخدمات في صعيد مصر، حيث ستستفيد منه محافظتا المنيا وقنا.
  • إطلاق مبادرة “كمامة” التي كانت نموذجًا للتعاون مع المؤسسات الدولية مُمثلة في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمات المجتمع المدني من خلال مؤسسة “النداء”، ومختبر التمويل البديل ومؤسسة “نية”، بهدف إشراك السيدات في صعيد مصر في إنتاج الكمامات ضمن الجهود المجتمعية لمكافحة جائحة كورونا.

التمكين الاجتماعي 

أولًا: التعليم 

تزايدت أعداد الحاصلات على تعليم عالٍ في محافظات الصعيد في عام 2020 مقارنة بعام 2012. واستحوذت المرأة في الصعيد على قدر لا بأس به من نسبة المقيدين بمراحل الدراسات العليا “ماجيستير- دكتوراه“، وهذا يعكس التطور الحاصل في مفاهيم الأسرة الصعيدية عن تعليم الفتيات بعدما كنّ يعانين من التسرب من العملية التعليمية، وعدم إكمالهن المراحل التعليمية المختلفة.

ثانيًا: الصحة الإنجابية 

وفقًا للمسح الصحي لعام 2014، فإن نسبة النساء اللاتي يستخدمن وسائل تنظيم الأسرة في الوجه القبلي بلغت 50% فقط، مما يُزيد عدد مرات الإنجاب للمرأة، وبالتالي يؤثر على قدرة مشاركتها في سوق العمل. لذا اهتمت الدولة المصرية بالسياسات الموجهة لتعزيز صحة المرأة في الصعيد؛ إذ أدركت الدولة أن الثقافة السائدة في محافظات الوجه القبلي تحتاج إلى تدعيم الفهم المتعلق بالصحة الإنجابية من خلال الآتي: 

  • بلغ عدد وحدات تنظيم الأسرة في محافظات الصعيد عام 2018 حوالي 1961 وحدة (ثابتة ومتنقلة).
  • بدأ إنشاء أول مستشفى متخصص لصحة المرأة والطفل بالصعيد عام 2016، بسعة 386 سريرًا، على مسطح مساحته 6000 متر مربع، ومزمع افتتاحه في فبراير القادم، وهو بمثابة خطوة جديدة تخطوها الدولة تجاه إتاحة سبل الحياة الكريمة للمرأة الصعيدية.
  • أعلنت وزارة الصحة والسكان، عن إنجازات مبادرة رئيس الجمهورية لدعم صحة المرأة المصرية، بمحافظات الصعيد خلال عام 2021.  حيث استجابت 4.4 مليون سيدة للمبادرة، وخضعن للكشف المبكر عن أورام الثدي وتوفير العلاج مجانًا لـ 18288سيدة منهن بتكلفة 129,7 مليون جنية.
  •  عدد سيدات الصعيد اللاتي استجبن لمبادرة رئيس الجمهورية للعناية بصحة الأم والجنين المنطلقة في عام 2020، بلغ 450 ألف سيدة، وبلغ عدد الحالات الإيجابية التي تتلقى العلاج مجانًا حوالي 1206 سيدة.

محور الحماية

تمتعت المرأة بشكل عام بمظلة تشريعية قوية ساعدت على تمكينها، ووجهت بعض التشريعات خصيصا لحماية المرأة في صعيد مصر ومنها الآتي: 

  • قانون المواريث 219/2017

تصدى القانون الصادر برقم 219 لسنة 2017 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 77 لسنة 1943 بشأن المواريث بعقوبات مشددة تصل إلى الحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة لا تجاوز 100 ألف جنية لمن يمتنع عمدًا عن تسليم أحد الورثة نصيبه الشرعي من الميراث.

وحسب المادة (49) بالقانون رقم 219 لسنة 2017 “فإنه مع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد ينص عليها في أي قانون آخر، يٌعاقب بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وبغرامة لا تقل عن 20 ألف جنية ولا تجاوز 100 ألف جنية أو بإحدى هاتين العقوبتين، كل من امتنع عمدًا عن تسليم أحد الورثة نصيبه الشرعي من الميراث، أو حجب سندًا يؤكد نصيبًا لوارث، أو أمتنع عن تسليم ذلك السند حال طلبه من أي من الورثة الشرعيين. وتكون العقوبة في حالة العودة الحبس الذي لا تقل مدته عن سنه”. وقد ساعد هذا القانون في إعادة الحق المنهوب بعدم توريث المرأة الصعيدية في بعض المناطق وعدم تمكينها من مواردها المالية.

  • تغليظ عقوبة ختان الإناث 

تحارب الدولة المصرية ظاهرة ختان الإناث، تلك الثقافة السلبية المتجذرة في المجتمع المصري، وتنتشر الظاهرة بشكل خاص في المناطق الريفية وفي صعيد مصر. فحسب المسح السكاني الصحي عام 2014 بلغت نسبة النساء اللاتي تم ختانهن في عمر (15-49 عام) في محافظات الوجه القبلي حوالي 95.5% من العينة المتبعة في المسح. لذلك كانت هناك حاجة ملحة لتغليظ العقوبة الخاصة بتلك الظاهرة لمحاربتها في بيئتها المتأصلة.

في عام 2021، اعتبر المشرع المصري مصطلح “مبرر طبي” الوارد في القانون رقم 78 لعام 2016 فيما يخص ختان الإناث، بمثابة ثغرة استغلها بعض الأطباء لممارسة تلك الجريمة، لذلك تم تعديل القانون ليصبح “يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن خمس سنوات كل من أجرى ختانا لأنثى بإزالة جزء من أعضائها التناسلية أو سوى، أو عدل، أو شوه، أو ألحق إصابات بتلك الأعضاء، فإذا نشأ عن ذلك الفعل عاهة مستديمة، تكون العقوبة السجن المشدد، لمدة لا تقل عن 7 سنوات، أما إذا أفضى الفعل إلى الموت، تكون العقوبة السجن المشدد، لمدة لا تقل عن 10 سنوات. على أن تكون العقوبة السجن المشدد إذا كان من أجرى الختان طبيبًا أو مزاولًا لمهنة التمريض، فإذا نشأ عن جريمته عاهة مستديمة تكون العقوبة السجن المشدد لمدة لا تقل عن 10 سنوات، أما إذا أفضى الفعل إلى الموت تكون العقوبة السجن المشدد لمدة لا تقل عن 15 سنة، ولا تزيد على 20 سنة“.

ووفقًا للتعديل، تقضي المحكمة، فضلًا عن العقوبات المتقدم ذكرها، بحرمان مرتكب الختان من وظيفته مدة لا تزيد على 5 سنوات إذا ارتكبت الجريمة بسبب أو بمناسبة تأدية وظيفته، وحرمان مرتكبها من ممارسة المهنة لمدة مماثلة، وغلق المنشأة الخاصة التي أُجري فيها الختان، وإذا كانت مرخصة تكون مدة الغلق مساوية لمدة المنع من ممارسة المهنة.

وعلى الرغم من الإيجابيات التي تحملها التعديلات الأخيرة إلا أن هناك تخوفًا من أن يكون تغليظ العقوبة “خاصة لأهل الضحية” حائلًا دون الإبلاغ عن ارتكاب هذه الجريمة، خاصة في حالات الوفاة التي تنجم عن الختان؛ خوفًا من توقيع العقوبة المغلظة التي قد يراها البعض غير ملائمة لقدر الجرم المرتكب، مما يترتب عليه تواطؤ جميع الأطراف في التستر على الجريمة وإفلات الجاني، فيما لا يتم رصد الحجم الحقيقي لتلك الممارسة، ودراستها بطريقة سليمة

في المجمل، اتخذت الدولة المصرية خطوات جادة في تمكين المرأة الصعيدية بدأت تؤتي ثمارها وتغير حياة الآلاف من السيدات والتي تنعكس على ملايين من الأسر الذين يقطنون هذا الإقليم، وتستمر الحاجة إلى تغيير بعض العادات والتقاليد المتأصلة لتحقيق مزيد من التمكيين والحماية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى