علوم وتكنولوجيا

منتدى شباب العالم يناقش كيف حضرت التكنولوجيا عندما غيّبت كورونا الجميع

من أكثر الآثار وضوحًا والتي ترتبت على جائحة كورونا هو اضطراب الممارسات المعتادة للملايين حول العالم، وهي الاضطرابات التي امتدت لتشمل بيئة العمل وبيئة التعليم وبيئة التسوق وغيرها، بشكل لفت النظر إلى الضرورة الملحة لسرعة اعتماد التكنولوجيا في الكثير من نواحي الحياة؛ اعتبارًا من الوضع الحالي، وتحسبًا لأي طارئ مستقبلي.

ومن هنا برزت أهمية القطاع الحكومي لدعم سبل التحول التكنولوجي بالشراكة مع القطاع الخاص. واستطاعت القارة الأفريقية أن تحقق قفزة في هذا المجال ضمن 198 دولة شملها مؤشر نضوج التكنولوجيا الحكومية. واللافت للنظر هنا هو أنه من بين 198 دولة كانت هناك 80 دولة فقط نشط فيها القطاع الحكومي، من ضمنها 33 دولة في قارة أفريقيا.

ومن التأثيرات المهمة لعملية التحول الرقمي ارتفاع نسب التسوق عبر الإنترنت؛ فقد زادت بنسبة 30% في عام 2020، ويتوقع أن يكون الارتفاع بنسبة 21% في 2021. وحسب خبراء فإن الرقم سيستقر عند 20% من إجمالي مبيعات التجزئة في عام 2025 مقابل 10% في عام 2015.  

على جانب آخر، فإنه من المتوقع تعزيز الخدمات الرقمية في القطاع المصرفي وهو ما يتطلب السير بوتيرة سريعة في تطوير العمل المؤسسي لقطاع البنوك وإصدار التطبيقات الذكية فيما يتعلق بعمليات الدفع والتحويل والتوسع في استخدام العملات الرقمية. 

ومن القطاعات الأخرى المرشحة لأن تشهد طفرة في التحول الرقمي القطاع الصحي وقطاعي التعليم والترفيه. ولكن من منظور آخر، فإن هذه القفزات المتتالية ربما تشهد نوعًا من العرقلة؛ على خلفية أن البنية التحتية في بعض الدول لا ترقى لاستيعاب هذا التطور وهو ما يتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات، في وقت تعاني فيه اقتصادات العالم بسبب كوفيد-19.

آفاق التغيير

ما يثير الانتباه بشأن تفشي فيروس كورونا أن الانخراط في التكنولوجيا والمجتمعات الافتراضية إن كان خيارًا فرديًا أو حكوميًا قبل أو أثناء الجائحة، فإنه لم يعد كذلك الآن؛ لأنه تحول إلى إلزام مجتمعي وسياسي واقتصادي.

ومن أكثر المجالات التي طالها التحول الرقمي وقت الذروة كان قطاع التعليم. وحسب اليونسكو فإن حوالي نصف مليار طالب تحولوا إلى التعليم الرقمي وسط إغلاق كامل للمدارس في 102 دولة وإغلاق جزئي في حوالي 11 دولة.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\133-005053-egypt-education-corona-virus_700x400.jpg

وهو الوقت الذي تنبه فيه الجميع إلى أن التطبيقات المختلفة ووسائل التواصل الاجتماعي أصبحت البديل ووسيلة التواصل الوحيدة في ظل التباعد الاجتماعي، فانخرط السياسيون في هذه المنابر للتعبير عن دولهم وحكوماتهم، وانضم إليهم الأطباء والصيادلة والممرضون “القطاع الصحي” للتوعية بالفيروس وأعراضه وكيفية الوقاية منه، مما أكسب التحول الرقمي والتكنولوجي طابعًا توعويًا لم يكن موجودًا قبل ذلك. بمعنى آخر، فقد خلق فيروس كورونا وظيفة جديدة للتكنولوجيا.

على جانب آخر، ظهرت وظيفة فنية للتكنولوجيا والتحول الرقمي تمثلت في أن المتاحف ودور العرض وحتى الحفلات الموسيقية أصبحت تبث عبر الإنترنت والتطبيقات والمنصات المختلفة، خصوصًا في فترات الإغلاق الكامل. وكذلك فإن من أهم القطاعات التي أثرت عليها عملية التحول الرقمي في ظل كورونا هو القطاع المصرفي بالتحديد؛ لأنه وثيق الصلة بحياة المواطنين اليومية، وبالتالي فقد كان من الأهمية القصوى السير بسرعة في هذا الاتجاه مراعاة للاتجاهات الصحية.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\f67a1f5f-69f2-4b08-8d74-1ff30f472d33.jpg

ولذلك فقد بلغ حجم الاستثمار العالمي في التحول التكنولوجي في القطاع المصرفي في عام 2020 حوالي 30 مليار دولار أمريكي، بينما تعد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من المناطق التي لم تحتل المقدمة في هذه النوعية من الاستثمارات، حيث لم تتجاوز الاستثمارات فيها نسبة 1%.

توصيات مستقبلية

ينبغي النظر إلى القدرات الرقمية لأي بلد على الخريطة اليوم بوصفها طوق النجاة- وفي هذا الإطار يمكننا تعريف القدرات الرقمية بأنها القدرة على الجمع بين الركائز الخمس الأساسية للاقتصاد الرقمي وهي: البنية التحتية الرقمية، والمنصات الرقمية، وريادة الأعمال الرقمية، والخدمات المالية الرقمية، والمهارات الرقمية؛ إذ يعد توافر هذه الإمكانات الأساس الذي يمكن البناء عليه فيما بعد عن طريق تطبيق مجموعة من الخطوات التي تجعل البلد آمنًا ضد أي طارئ – والتي تتضمن: 

  • توظيف البنية التحتية لتعزيز إنشاء منصات رقمية متنوعة واستخدامها في القطاع العام.
  • تطوير محتوى رقمي وخدمات رقمية على المستوى القومي –من أهمها خدمات الصحة الإلكترونية والتعليم الإلكتروني؛ وذلك في محاولة لخلق ثقافة المعاملات الرقمية.
  • الارتقاء بمهارات القوى العاملة وإكسابها مهارات جديدة، خاصة موظفي الخدمة المدنية والمعلمين وموظفي القطاع الخاص والقوى العاملة في مجال تكنولوجيا المعلومات؛ وذلك من أجل التكيف مع “الوضع الطبيعي الجديد”، هو أمر ضروري.  
  • ولدعم الخطوة السابقة ينبغي تصميم مناهج تعليمية محدثة من أجل تنمية المهارات التنافسية في قطاعات التكنولوجيا من خلال المدارس والجامعات والقطاع الخاص وأكاديميات الخدمة العامة. بحيث يكون إشراك النساء والفئات الضعيفة من الشباب في برامج المهارات الرقمية أمرًا أساسيًا.  
  • إعادة تنظيم استراتيجيات الاقتصاد الرقمي لتناسب السياقات المحلية، من أجل تسخير القوة الكاملة للتكنولوجيا في الثورة الصناعية الرابعة.

جهود مصرية

على طريق التحول الرقمي قبل وأثناء وبعد الجائحة، كانت مصر من أهم النماذج في القارة الأفريقية لأنها تنبهت إلى أهمية الأمر في عام 2017 عندما صدر قرار رئيس الجمهورية بإنشاء المجلس الأعلى للمجتمع الرقمي، وكذا استمرت الجهود المصرية منذ ذلك الوقت وانعكس ذلك في:

  • تزايد عدد المنصات لتقديم الخدمات الحكومية المختلفة، على رأسها بوابة الحكومة المصرية ومنصة مصر الرقمية.
  •  إطلاق بوابة المشتريات الحكومية والتي يتم تنفيذ المناقصات من خلالها.
  •  تنفيذ مشروع المحول الرقمي الحكومي “G2G”، والذي تم إطلاقه في شهر يونيو 2018.
  •  مشروع تسجيل المواليد والوفيات بشكل لحظي وربطه بساعة السكان.
  •  إطلاق القمر الصناعي المصري طيبة1 والمخصص لأغراض الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.
  •  إنشاء مدينة المعرفة في العاصمة الإدارية الجديدة والتي تحتوي على أول جامعة متخصصة في تكنولوجيا المعلومات.
C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\1-1418553.jpg

يمكننا القول إذًا إن الوباء الذي ضرب العالم كشف أن الدول التي كانت أكثر تطورًا في بنيتها التحتية وبالتالي أكثر توظيفًا لتكنولوجيا المعلومات كانت بالتبعية الأكثر قدرة على استمرارية الأعمال فيها. وكذا، كانت تلك الدول التي كانت قادرة على خلق شراكات بين القطاعين العام والخاص الأكثر قدرة على تجاوز الأزمة، لأن الجهود الجماعية هي دومًا الأنجح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى