أوروبا

طموح مُتنامٍ.. ما هي أولويات فرنسا لرئاسة مجلس الاتحاد الأوروبي؟

كشف الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” في خطاب ألقاه في التاسع من ديسمبر عام 2021، عن ملامح رئاسته لمجلس الاتحاد الأوروبي التي ستمتد من الأول من يناير 2022 وحتى 30 يونيو 2022، لتكون الرئاسة الأولى للبلاد منذ عام 2008 التي كانت في عهد الرئيس “نيكولا ساركوزي”، وأيضًا الثالثة عشرة منذ عام 1958. وقد أوضح في خطابه عن عدد من الأولويات التي تتضمن جعل أوروبا أكثر قوة وذات سيادة كاملة، وبجانب إصلاح منطقة شنجن -التي كانت طموح “ماكرون” منذ توليه في مايو 2017-، وتعزيز الدفاع الأوروبي.

 وستكون أبرز مهام “ماكرون”: رئاسة اجتماعات المجلس الأوروبي، وتقديم الاستنتاجات التي تم التوصل إليها، وضمان التعاون بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، والتنسيق بين المجلس والمفوضية والبرلمان الأوروبي، وفي حال خسارته الانتخابات المُقبلة سيتولى خليفته المسؤولية حتى نهاية الفترة. كما ستعمل فرنسا مع الدولتين اللتين ستتوليان بعدها بالتناوب وهما جمهورية التشيك والسويد، لوضع إطار واضح يتم العمل عليه خلال الفترة رئاسة الدول الثلاث التي تصل مدتها 18 شهرًا، وذلك بعد انتهاء الدورة الثلاثية برئاسة كل من ألمانيا والبرتغال وسلوفينيا. 

وهنا لابد من توضيح الفرق بين مجلس الاتحاد الأوروبي (The Council of the European Union)، والمجلس الأوروبي (The European Council)، ومجلس أوروبا (The Council of Europe) ، فمجلس الاتحاد الأوروبي الذي يعرف باسم “مجلس الوزراء” يضم وزراء الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الذي يجتمعون في تشكيلات وفقًا لقطاع النشاط، كما إنه بجانب البرلمان الأوروبي بمثابة السلطة التشريعية، وتكمن صلاحيات المجلس في تعديل واعتماد الميزانية الأوروبية بالتعاون مع البرلمان، واتخاذ عدد من القرارات وطرح توصيات غير مُلزمة، وعقد الاتفاقيات الدولية نيابة عن الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن تعيين أعضاء بعض المؤسسات مثل محكمة المُدققين الأوروبية، واللجنة الاقتصادية والاجتماعية الأوروبية. 

أما المجلس الأوروبي (The European Council) فيتضمن جميع رؤساء الدول والحكومات الأعضاء، وتشمل صلاحياته وضع التصور السياسي العام للاتحاد الأوروبي، وتحديد الملفات ذات الأهمية للاتحاد الأوروبي، ويُعد “شارل ميشيل” الرئيس الحالي له. وأخيرًا مجلس أوروبا (The Council of Europe) وهو منظمة حكومية دولية تتضمن 47 دولة عضو، تستهدف تعزيز حقوق الإنسان والديمقراطية وسيادة القانون، ويعد “ماريجا بيجينوفيتش بوريتش” أمينها العام.

أولويات مُلحة

يشهد الاتحاد الأوروبي عدد من التحديات الجيوستراتيجية على الصعيد الداخلي والخارجي، والتي فرضت نفسها على أجندة فرنسا لرئاسة مجلس الاتحاد الأوروبي، تتجلى أهمها وفقًا لخطاب “ماكرون” ما يلي: 

  • صياغة نموذج جديد: ستسعى فرنسا خلال رئاستها للمجلس إلى معالجة الاختلالات الداخلية في بعض الملفات مثل الحد الأدنى للأجور، وضمان تحقيق الشفافية في الأجور لسد الفجوة بين الجنسين كهدف أساسي، وخلق الوظائف المناسبة، ومكافحة البطالة الجماعية. كما دعا “ماكرون” لنموذج أوروبي جديد كطموح سيتم مناقشته في القمة التي ستعقدها فرنسا يومي 10 و11 مارس. أوضح أيضًا ضرورة إحياء الصناعة في عدد من المجالات المختلفة مثل أشباه المواصلات، والبطاريات، والهيدروجين، والدفاع والصحة، والثقافة، حتى تكون لأوروبا مكانة في تحديد معايير الغد. وعليه فسوف يُعلن عن العديد من الخطط الاستثمارية الأوروبية والتحالفات الصناعية بحلول شهر مارس. كما سيعمل “ماكرون” على تبني آلية تعديل حدود الكربون بهدف خفض الانبعاثات من خلال هيكلة الصناعات الأوروبية مع الحفاظ على قدراتها التنافسية.
  • تعزيز السيادة الأوروبية: ستركز فرنسا خلال رئاستها على تقوية مكانة أوروبا في النظام العالمي، وذلك بهدف الانتقال من أوروبا التي تعتمد على التعاون الداخلي، إلى أوروبا القوية عالميًا، وذات السيادة الكاملة، والحرة في اتخاذ خياراتها وتحديد مستقبلها. بجانب زيادة السيطرة على الحدود كأساس لمواجهة التهديدات المُتنامية مثل الهجرة التي يرغب في التصدي لها من خلال استمرار التعاون مع دول المنشأ والعبور. علاوة على الدعوة لإصلاح منطقة شنجن، وتأسيس لجنة توجيه سياسة، وعقد اجتماعات دورية بين وزراء الدول الأعضاء.  بالإضافة إلى إنشاء “آلية دعم حدودي طارئة” بالتعاون مع وكالة الحدود الأوروبية، يتم بموجبها النشر السريع لأجهزة إنفاذ القانون والمعدات على الحدود عند الضرورة. 
  • السياسة الدفاعية: دائمًا ما كانت فرنسا في مقدمة الدول الأوروبية المحفزة على الاستقلال الاستراتيجي، والداعمة لتطوير القدرات العسكرية لتحسين استجابتهم الخارجية في حل الأزمات والصراعات، بالرغم من الجهود الفرنسية في هذا المجال إلا إنه مازال يعاني من عدد من التحديات تتمثل في تراجع الإرادة السياسة القادرة والراغبة في تنفيذ هذه المبادرات، وهو ما أشار إليه “ماكرون” في خطابه، قائلًا: “إن هناك تقدم كبير وخاصة فيما يتعلق بإطلاق صندوق الدفاع الأوروبي في عام 2017، إلى إنه لابد من الدخول في مرحلة تشغيلية أكثر على أن تكون فترة رئاسة المجلس لحظة لتحديد البوصلة الاستراتيجية”.

توقيت حرج

تأتي رئاسة فرنسا لمجلس الاتحاد الأوروبي مع عدد من التحولات الدولية والإقليمية والداخلية التي تشهدها فرنسا، وباقي الدول الأعضاء التي من المتوقع أن يكون لها تأثير على مسار تحركاتها الخارجية تتجسد أبرزها على النحو التالي: 

أولًا: الانتخابات الرئاسية: من المقرر عقد الانتخابات الرئاسية في فرنسا في العاشر من أبريل 2022، التي تتزامن مع رئاستها للمجلس التي قد تكون سلاح ذو حدين تتمثل في:

  •  بالرغم من إن “ماكرون” لم يعلن عن ترشحه بشكل رسمي حتى الآن إلا إنه من المتوقع أن يخوض السباق الرئاسي، الأمر الذي يجعله يواجه عددًا من التحديات يأتي في مقدمتها ضرورة احتواء أزمة “كوفيد-19” وتوسيع نطاق عمليات التلقيح.
  •  بجانب ضرورة طرح برنامج انتخابي يستطيع دعم شعبيته الداخلية التي كانت قد تأثرت على خلفية إصلاحاته الاجتماعية والاقتصادية.
  •  ومواجهة المنافسين المحتملين له مثل “فاليري بيكريس” -الرئيسة السابقة لمنطقة إيل دو فرانس- مرشحة الحزب الجمهوريون المحافظ، لتكون أول سيدة تخوض السباق الانتخابي الرئاسي ممثلة للحزب، فمنذ أن تم الإعلان عن ترشحها احتلت “بيكريس” مكانة مُتقدمة في استطلاعات الرأي التي رجح بعضها أنها قد تصل إلى الجولة الثانية من الانتخابات، وقد صرحت في أول خطاب لها بأنها ستجعل فرنسا القوة الأهم في أوروبا، وستعمل على وقف الهجرة غير النظامية، وانتقدت اليمين المتطرف. 
  • ضرورة امتلاك “ماكرون” أدوات للتأثير على الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، للدفع بمقترحاته ومبادراته التي سيطلقها، وترجمتها بشكل ملموس، وهو أمر غير مُحتمل في هذا التوقيت خاصة أن الأوضاع الحالية في فرنسا وباقي العواصم الأوروبية في مرحلة التعافي من الجائحة، كما أن هناك توجه نحو الانشغال بالتحديات الداخلية أكثر من الخارج على كافة الأصعدة. لذا قد تؤثر فترة رئاسة مجلس الاتحاد الأوروبي على شعبية “ماكرون” بشكل عكسي إذا لم تتوفر الظروف الملائمة التي تدعم موقفه.

ثانيًا: التعاطي مع الولايات المتحدة والصين: ستكون دور الألعاب الأولمبية الشتوية التي من المقرر عقدها في بكين في الرابع من فبراير 2022، مرحلة جديدة لاختبار التحالف بين القوى الديمقراطية، مقابل الشراكة مع الصين؛ حيث أعلنت الولايات المتحدة عن مقاطعتها الدبلوماسية لهذه الدورة بجانب عدد من الحلفاء، وهو ما اعتبرته الصين موقف سياسي سيكون له تكلفة، وفي هذا السياق أعلن “جان ميشال” وزير التعليم والرياضة الفرنسي “إن بلاده لن تقاطع دبلوماسيًا دورة الألعاب الأولمبية الشتوية، وذلك بعد أن سبق وأوضحت باريس إنها ستنسق مع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بشأن هذا الأمر. 

يأتي الموقف الفرنسي بعد اتخاذ المملكة المتحدة وكندا نفس النهج الأمريكي والأسترالي، وذلك وسط حالة التنافس مع الصين التي من المتوقع أن تتزايد خلال السنوات المقبلة، كما ستفرض بعض التوجهات على الدول الحلفاء والشركاء. 

وبالتالي سيكون هناك تكلفة على فرنسا لابد أن تتحملها إما من قبل الولايات المتحدة التي تركز الآن على إعادة انتشار نفوذها بما يتوافق مع مصالحها التي تتجسد في تقويض الصعود الصيني في النظام العالمي، بالاعتماد على حلفاء المتوافقين معها سياسيًا ولديهم نفس التوجه الحازم نحو بكين، أو من الصين التي تعمل على تنامي نفوذها الاقتصادي والتجاري مع الدول الأوروبية خاصة بعد الجائحة، كما إنها ترغب في مواجهة النفوذ الأمريكي بشكل غير مباشر من خلال التفوق في مجال الابتكار وتكنولوجيا المعلومات وهو ما سيجعل فرنسا في تحدي يتطلب سياسة خارجية أكثر توازنًا ولديها القدرة على تحمل أي تكلفة لتحركاتها المستقبلية، خاصة بعد اتفاق “أوكوس”. 

ثالثًا: الموقف من الشركاء الأوروبيين: تشهد فرنسا عدد من التحولات في علاقاتها مع شركائها الأوروبيين، وبالتحديد المملكة المتحدة وألمانيا وإيطاليا:

  •  فبعد مرور عام على خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي مازالت العلاقات غير مستقرة بين الجانبين نتيجة عدم التوافق حول إدارة بعض الملفات مثل تراخيص الصيد البحري، وتدفقات المهاجرين غير الشرعيين التي مازالت تقف عثرة أمام مسيرة العلاقات الفرنسية البريطانية، فضلاً عن تقارب المملكة الأخير مع الولايات المتحدة وأستراليا عبر اتفاقية “أوكوس” التي أضرت بالمصالح الفرنسية. 
  • أما بالنسبة لألمانيا فإنها بصدد حكومة جديدة ترغب في تعزيز مكانتها الدولية، وأن تكون أوروبا أكثر سيادة وقوة من خلال انتهاج توجهات خارجية جديدة قد تكون مغايرة عن مرحلة المستشارة السابقة “إنجيلا ميركل”، أو تمثل استمرارية لنفس النهج ولكن بآليات مختلفة، وبالرغم من ذلك فقد حاولت هذه الحكومة إرسال رسائل طمأنة لفرنسا بالتزامن مع رئاستها عبر تصريحات وزير الخارجية “أنالينا بيربوك” لوكالة فرانس برس، التي وضحت فيها دعمها لفرنسا قائلةً: “يمكن لأصدقائنا الفرنسيين الاعتماد على دعمنا”، وذلك بالتوازي مع رئاسة ألمانيا مجموعة السبع؛ حيث ستستضيف ألمانيا قمة قادة الدول السبع خلال الفترة من 26 إلى 28 يونيو. ولكن على مستوى التحركات الفعلية لترجمة نهج “ماكرون” المقبل مازالت لم تتضح بعد وخاصة في مجال الدفاع والأمن الأوروبي.
  • وفي هذا السياق استبق “ماكرون” فترة رئاسة مجلس الاتحاد الأوربي بالتقارب مع الدول ذات التوجهات المتقاربة معها بشأن الدفاع، والتكامل الأوروبي، والمناخ، من خلال توثيق علاقاته مع إيطاليا من خلال إبرام اتفاقية مع رئيس الوزراء الإيطالي “ماريو دراجي” في السادس والعشرين من شهر نوفمبر 2021، تعرف باسم “اتفاقية كويرينال” نسبة للقصر الرئاسي الذي تم توقيع الاتفاقية فيه، لتكون ركيزة تعزز العلاقات بين الجانبين، تشمل عدد من المجالات بما فيها التكامل الدفاعي والهجرة، وقد جاءت بعد التقارب الأخير على خلفية خطة التعافي الأوروبي من تداعيات الجائحة. وقد تكون هذه الاتفاقية آلية لمواجهة للتحديات التي تشهدها في فرنسا من قبل شركائها الأوروبيين في الآونة الأخيرة. 

ختامًا، ستكون فترة رئاسة فرنسا لمجلس الاتحاد الأوروبي حاسمة في سياق التحولات الدولية والإقليمية، التي ستنعكس على توجهاتها الخارجية والداخلية خاصة بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية المُقبلة. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى