مقالات رأي

سنوات الهجرة إلى الدولة المأمولة

في العام الذي ودعناه، تسلطت الأضواء بكثافة على خريطة البلاد، تنير المشهد المصري وتكشف عن حجم عمل هائل، نكاد لا نصدقه من فرط البهجة، يرسم ملامح عهد عظيم. شعور مفعم بتفاؤل عريض واستبشار غريب، يغمرني ونحن ندلف إلى عام جديد. أسأل نفسي عن سر هذا الإحساس الفياض، برغم أننا نعيش في دنيا لا تكاد تنفك من حصار وباء، حتى يلتف مجددًا برداء آخر، وبرغم أننا نحيا في عالم يبدو أنه يحن إلى حرب باردة ثانية تزيد من عذابات الشعوب، وبرغم أننا نسكن في قلب أشد مناطق العالم اضطرابًا، محاطين من كل اتجاه بنذر حرائق، قد يؤثر علينا شررها أو لهيبها.

برغم كل ذلك.. متفائل بمستقبل بلادنا، وشعوري ليس غيبيًا، وإنما هو نابع من واقع أراه في حاضرنا، لا يغفله كل ذي عينين. حتى الذين في قلوبهم مرض لا يستطيعون إنكاره مهما استبد بهم الغي، وتوغل في صدورهم الحقد.

منذ عشر سنوات بالضبط.. سألت الرجل الذي توسمت فيه الإخلاص والوطنية والمعرفة بتاريخ مصر وأزمات حاضرها: ما الذي ينقصنا؟

ـ أجاب بسرعة وكأنه كان متأهبًا للسؤال: «لا تنقص شعبنا الإرادة ولا الهمة، وإنما تنقصنا قيادة فكرية رشيدة وملهمة».

جرت الأحداث بعدها، ولم نجد تلك القيادة المنشودة، التي افتقدناها على مدار 40 سنة سبقت. بل أتت إلينا قيادة لم تكن عصمتها بأمرها، ولم تكن دفة البلاد بين يديها.

وحينما خرجت الجماهير في ثورتها الكبرى ضد الطغيان والفاشية والإقصاء أطل الرجل الذي انتقل من موقع مدير المخابرات الحربية إلى منصب القائد العام للقوات المسلحة من نافذة مكتبه ليل الثلاثين من يونيو، يشاهد جموع الشعب تملأ الشوارع والميادين المحيطة تهدر مطالبة بسقوط حكم المرشد، ثم أخذ يتابع على شاشات التليفزيون مشاهد مماثلة من كل مدن وقرى مصر. كان المشهد هائلًا غير مسبوق في التاريخ العالمي المعاصر.

نظر الرجل إلى معاونيه في مقر القيادة المشتركة بمصر الجديدة، الذي انتقلت إليه القيادة العامة للقوات المسلحة في تلك الآونة، وأشار إلى جموع المتظاهرين، وهو يقول:

ـ أشعر كأن هذه هجرة كبرى للمصريين، من مكان خطر إلى منطقة آمنة. هجرة من حالة إلى حالة أخرى. هجرة من واقع موجود مرفوض إلى واقع جديد منشود، هو الدولة المصرية المأمولة.

لم يكن الرجل منذ عشر سنوات يشير إلى نفسه وهو يتحدث عن القيادة الفكرية الرشيدة الملهمة التي تفتقدها البلاد. ولم يكن الرجل حينما انفجرت ثورة الثلاثين من يونيو يطمح إلى قيادة البلاد، ولم يكن يفكر في الترشح لرئاسة الجمهورية. فقد كان كل أمله أن يحمي الشعب في هجرانه لنظام حكم المرشد، وأن يصون إرادته حيثما اتجهت لاختيار رئيس الجمهورية الجديد، الذي تُعلق عليه الآمال لبناء الدولة المنشودة.

لكن الأقدار.. قالت كلمتها:

قالت كلمتها وهي تغير مسار حياة الرجل مبكرًا إلى حيث كانت تهيئه لأمر جلل. قالت كلمتها وهي تصونه من مكائد صغار في أردية كبار. قالت كلمتها وهي تضعه في الموقع المناسب، في الوقت المناسب، عند أخطر مرحلة مفصلية من عمر البلاد، ليحقق لها «هجرتها» المنشودة نحو الدولة المصرية الحديثة، التي طال شوق الشعب إليها.

تداعت تلك الذكريات إلى مخيلتي، وأنا أتابع مثلكم «أسبوع الصعيد»، الذي عاشه الرئيس السيسي في مدن وقرى بجنوب البلاد، أشاهد جولات وافتتاحات لمشروعات كبرى في شتى المجالات، واستمع إلى أحاديث الرئيس لأبناء الصعيد، وإلى كل أبناء مصر عبر شاشات التليفزيون.

استعدت في ذهني ما كنا عليه حينما تحدث السيسي عن القيادة الفكرية الرشيدة الملهمة، وحينما أشار إلى الدولة المصرية المأمولة التي خرجت جموع الشعب تنادى بها. وأخذت صور مشاهد البلاد تترى، عبر السنوات الثماني الماضية، لتراودني سعادة غامرة بما تحقق، وأيضًا دهشة لما تحقق…!

فما كنت أتصور برغم ما أعرفه عن الرجل ورؤاه المبكرة، ووطنيته الجارفة، وهمته العالية، أننا سنبلغ تلك المسافة التي قطعناها في ذلك الزمن المحدود، وفى خضم التحديات والعقبات والجنادل التي تعترض الدرب المرسوم. هيأت لنا الأقدار إذًا القيادة الفكرية الرشيدة الملهمة التي استطاعت أن تبحر بالشعب وتهاجر به بأمان نحو مرفأ الدولة المصرية المأمولة.

كنا في حاجة إلى قيادة ذات فكر، تمتلك رشد الرؤية وصدق العزم وصلابة الإرادة، تستلهم نبض الشعب، وتلهم الجماهير الحلم والأمل، وتشحذ طاقاتها لبناء دولة حديثة مدنية ديمقراطية هي جوهر الجمهورية الجديدة. فلقد ضاعت علينا عقود منذ إجهاض المشروع الوطني الثاني في العصر الحديث لبناء دولة حديثة في عهد عبد الناصر في أعقاب عدوان يونيو ١٩٦٧، وتبددت سنوات بعدها حينما كان للشعب والقيادة هدف وحيد هو تحرير الأرض وكان صوت المعركة يعلو على ما سواه.

وبعدما تحررت الأرض بالقتال والتفاوض، واكتمل تحرير آخر حبة رمل مصرية في طابا بالتحكيم الدولي في مارس ١٩٨٩، غاب المشروع الوطني، في ظل ركود ران على البلاد باسم الاستقرار، وتحولت دعوى الاستقرار إلى حالة جمود، أغلقت على الشباب منافذ الأمل، وعلى البلاد أبواب التقدم، وأضاعت عليها فرصًا كانت سانحة، وتحت غطاء الركود والجمود، انفجر بركان الغضب.

منذ منتصف العام الذي ودعناه، وحتى الأيام الأخيرة من العام.. تبدت أمام الناظرين، الدولة المصرية المأمولة، حين أعلن الرئيس يوم ١٥ يوليو عن إطلاق مشروع القرن لبناء «حياة كريمة» لكل أبناء مصر في جميع قراها، وحين أعلن يومها عن تدشين جمهورية جديدة هي جمهورية ثورة ٣٠ يونيو، وحتى أزاح ستائر النسيان عن صعيد مصر في الأسبوع الماضي، لتظهر مشروعات كانت تنجز بهمة ونشاط ودأب، دون أن يراها أحد…!

لسنا في حاجة إلى «تنظير» لجمهوريتنا الجديدة، وإلى استنباط مبادئ وأسس ترتكز عليها، فالواقع على الأرض يسبق محاولات «المأسسة»، ويتجاوز وضع نظريات لأشياء تحققت وإنجازات صارت رأى العين…!

على كل حال.. انظر معي، حولنا وأمامنا، إلى الدولة المصرية الحديثة التي تبنيها جماهير شعبنا العاملة العارقة في كل الميادين، لنبصر ملامح الجمهورية الجديدة. عادة تسبق النظريات التطبيق، وأحيانًا تتبنى النظم مبدأ التجربة والخطأ. في حالتنا هذه.. كانت الرؤية، ثم الإنجاز، ومنهما تستخلص النظرية. وفى حالتنا هذه.. لا نمتلك ترف إضاعة وقت في تجارب يثبت خطؤها لنصحح المسار. كان المسار منذ البداية واضحًا، على درب سليم، يصل بنا إلى هدفنا المنشود.

في العام الذي ودعناه، تسلطت الأضواء بكثافة على خريطة البلاد من أقصاها إلى أقصاها، لتنير المشهد المصري، وتكشف حجم عمل هائل نكاد لا نصدقه من فرط البهجة، يرسم ملامح عهد عظيم، إذا لم ينصفه الحاضر، فسوف يسجله التاريخ. من ذلك المشهد، نتبين ملامح جمهوريتنا الجديدة.

نراها معًا جمهورية امتلاك قوة شاملة، سياسيًا وعسكريًا ودبلوماسيًا واقتصاديًا، تصون أمن البلاد ومقدرات الشعب، وترفع مكانة الدولة وتأثيرها ونفوذها في إقليمها وعالمها، تتضافر فيها كل طاقات البلاد العسكرية والمدنية في تناغم وتنسيق لبناء دولة حداثية عصرية تليق باسم مصر، وتجتمع فيها موارد الدولة من حكومة وقطاع أعمال عام وقطاع خاص، من أجل النهوض بالبلاد بمشروعات تفتح أبواب الرزق، وتزيد الإنتاج لتحقيق الاكتفاء والتصدير، بما ينهض بالاقتصاد الوطني ليرقى إلى مصاف الدول الكبرى بحلول عام ٢٠٣٠.

نراها جمهورية العمران، تنشئ المدن الجديدة في صحراء غرب النيل، توفر السكن والعمل، لأبناء الصعيد على امتداد الوادي، وتخفف الكثافة عن المدن القديمة، وتقيم «ريڤييرا» جديدة على امتداد ساحلنا الشمالي من العريش إلى شرق بورسعيد إلى المنصورة الجديدة إلى رشيد إلى امتدادات الإسكندرية إلى العلمين وحتى رأس الحكمة، وتنشئ عاصمة جديدة ومدنًا ذكية هي قاطرة البلاد نحو توليد ملايين فرص العمل ورسم صورة عصرية لمصرنا الجديدة.

عمران يضاعف مساحة المأهول في البلاد منذ تأسست، يستثمر كل قطرة مياه من مواردنا في النهر والآبار وإعادة تدوير مياه الصرف الزراعي، لاستزراع ٤ ملايين فدان وأكثر من سيناء إلى الدلتا الجديدة إلى توشكى إلى شرق العوينات، لتوفير الحاصلات والخضر والفاكهة وتصنيع المنتجات الزراعية، مع مضاعفة الثروة الحيوانية في مشروع المليون رأس، والثروة السمكية في مشروعات الاستزراع السمكي وإحياء البحيرات الشمالية بعدما خنقها التلوث.

جمهورية تنطلق بالزراعة، لأن من لا يجد قوته لا يملك قراره، وتنهض بالصناعة الثقيلة من سيناء إلى أسوان وبالصناعات المتوسطة في مدن الأثاث والجلود والنسيج، وبالصناعات الصغيرة بمراكز وقرى الدلتا والوادي وحتى النوبة، لأن الدول لا تكون كبرى إلا إذا كانت صناعية.

فى العام الذي ودعناه، ارتسمت أهم ملامح جمهوريتنا الجديدة من خلال مشروعات أنجزت وأخرى كبرى دشنت، وهو في تقديري ملمح العدالة.

– عدالة اجتماعية بين الطبقات، عبر إقامة مشروعات في مختلف المجالات، تزيد فرص العمل للطبقات البسيطة ودون المتوسطة والمتوسطة، تحد من معدل الإعالة داخل الأسرة، وترفع بالتالي مستوى المعيشة، مع مد مظلة الحماية الاجتماعية للأسر معدومة الدخل، عن طريق توفير معاش تكافل وكرامة لكل المستحقين، وترشيد حصول الدعم لمن لا يستحقه، لتوجه قيمته إلى المستحقين، فيزيد نصيبهم. أي توفير صنارة لمن يستطيع الصيد، وسمكة لمن لا يقدر على العمل.

– وعدالة جغرافية بين أقاليم الدولة، وبين الريف والحضر. تلك العدالة كانت غائبة. فالاهتمام- جل الاهتمام- كان منصبًا على القاهرة ومن بعدها الإسكندرية، وكانت الأقاليم والمحافظات منسية من الخدمات الراقية والمرافق اللائقة، وفرص العمل الكريمة، لاسيما محافظات الصعيد. ولأول مرة منذ عقود تمتد الطرق والجسور تربط أقاليم الدولة بشبكة متطورة، وتتوسع شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء والغاز ومحطاتها، وتنشأ جامعات ومدارس ومستشفيات جديدة متطورة تقدم خدماتها لكل أبناء الأقاليم دون تكبد عناء السفر إلى العاصمة التي تنوء بأثقالها، وتحدث نقلة هائلة في السكك الحديدية من خطوط ومزلقانات وعربات وقطارات في سنوات معدودة، لنودع منذ أيام آخر عربة قطار قديمة، بعدما توافرت القطارات الحديثة والعربات المتطورة التي تليق بكرامة المواطن المصري.

لعل مشروع «حياة كريمة» هو الأكثر دلالة على مبدأ العدالة الجغرافية الذي تتأسس عليه جمهوريتنا الجديدة، وهو دونما شك يستحق أن يكون مشروع القرن. فمثلما كان الصعيد على مدار عقود خارج بؤرة الاهتمام في أنظمة سابقة، كان الريف المصري، مَعْلَمًا على الفقر والتخلف، في ظل تهميش وتجاهل دام عقودًا طويلة. في غضون ٣٠ شهرًا من الآن، سوف يتغير وجه وقلب وجسد الريف المصري بكل قراه تمامًا، بعدما جرى تدشين مشروع السنوات الثلاث لتطوير كل قرى مصر منذ ٦ أشهر مضت. على مدار ثلاث مراحل، سيتم تطوير أكثر من ٤٨٥٠ قرية و٣٠ ألف تابع من جميع النواحي، وفق دراسات مستفيضة، وضعت أولوية المراحل على أساس البدء بالقرى الأكثر فقرًا، ثم الأقل، فالأقل.

ذلك التطوير، لا يكتفى بتوفير كوب ماء نظيف، وإدخال خدمة الصرف الصحي والغاز والاتصالات، وإعادة تأهيل المنازل ورصف الطرق الداخلية، بكل القرى. إنما يمتد إلى إنشاء المدارس والمستشفيات والوحدات الصحية، والمجمعات الصناعية الزراعية والصغيرة في القرى الكبرى لتوفير العمل بجانب السكن، وإقامة مجمعات للخدمات الحكومية، لتتحول القرى من مناطق طاردة، إلى أماكن رحبة لسكانها، لا تدفعهم إلى الهجرة نحو المراكز والمدن والعواصم بحثًا عن فرصة عمل أو خدمة. ولا يقل عن ذلك أهمية، إنشاء بيوت الثقافة ومكتبات القرى التي توفر خدمات الثقافة لأبناء القرى وتتيح اكتشاف الموهوبين من أبنائها- وما أكثرهم- في مجالات الآداب والفنون.

هذه الجمهورية مثلما نراها في دولتنا الحديثة، جمهورية تمكين الإنسان المصري من حقه في حياة آمنة من شرور الإرهاب، ومن حقه في وطن كريم مستقل القرار قادر على صون التراب المقدس ومكتسبات الشعب، ومن حقوقه في التعليم والصحة والسكن الكريم، وأيضًا من حقوقه السياسية التي تتوافر له وتتوسع يومًا بعد يوم وتترسخ بإصدار وثيقة الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان وإلغاء مد حالة الطوارئ وفتح المجال العام، وتعميق التنمية السياسية وصولًا إلى حياة ديمقراطية سليمة لم نعشها في أي عهد سبق.

نراها جمهورية تحترم دور المرأة كجوهر الأسرة المصرية، وتفسح طريق المستقبل للشباب بالعمل في بناء وطنهم في شتى الميادين، وبتوفير التعليم المتطور لهم، والتأهيل السياسي اللازم لهم، وتقدم لهم مفاتيح المسئولية في الغد القريب لقيادة بلادهم. نراها جمهورية الرحمة والإنصاف لكل أبناء الشعب، وبالأخص أصحاب الهمم الذين يقدمون المثل والقدوة في التحدي، وتنشر ابتساماتهم الرائقة الأمل في كل القلوب.

ندلف إلى عام جديد يشرق بإنجازات هائلة، تعلى بناء دولتنا الحديثة، بافتتاح المرحلة الأولى لعاصمتنا الإدارية وانتقال مؤسسات الحكم إليها في احتفال مشهود يحضره قادة دول العالم وكبار الشخصيات الدولية، وبافتتاح مدن جديدة ومشروعات عملاقة من أقصى البلاد إلى أقصاها، وبافتتاح مشروع فريد من نوعه هو مشروع التجلي الأعظم في منطقة الوادي المقدس بقلب سيناء، وأيضًا بافتتاح أكبر متحف عالمي هو المتحف المصري الكبير الذي يحوي أغلى كنوز البشرية من نتاج الحضارة المصرية القديمة.

في هذا العام.. نعلن عن جمهوريتنا الجديدة وقد ترسخت دعائمها بالرؤية والإنجاز وإكمال مشروعنا الوطني. أستعيد آخر المشاهد المبهرة التي طالعناها في ختام العام المنقض خلال أسبوع صعيد مصر، وأتذكر إجابة اللواء عبد الفتاح السيسي على سؤالي منذ عشر سنوات مضت.. وأجدنني أقول ومعي ملايين المصريين: لقد وجدنا القيادة الفكرية الرشيدة الملهمة القادرة على بناء الدولة الحديثة المأمولة. وجدنا هذه القيادة في رجل مصري مفعم بالوطنية.. اسمه: عبد الفتاح سعيد السيسي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى