سوريا

الجولة الـ 17 لمسار أستانا… الأزمة السورية مازالت تراوح مكانها

استضافت العاصمة الكازاخية نور سُلطان أعمال الجولة السابعة عشرة لمحادثات مسار استانا، على مدار يومي 21 و22 ديسمبر الجاري، برعاية الدول الثلاث الضامنة روسيا وتركيا وإيران، ومشاركة طرفي الصراع السوري الداخليين الحكومة وفصائل المعارضة المسلحة، وحضور وفد دولي خاص ومراقبين من العراق ولبنان والأردن. ويُمكن اعتبار تلك الجولة التي ركزت على ثلاثة ملفات رئيسيةو هي اكساب الزخم لأعمال اللجنة الدستورية السورية في جنيف، ومناقشة مستجدات الأوضاع على الساحة السورية والحفاظ على الهدوء في مناطق خفض التصعيد، وسبل مكافحة الإرهاب، حلقة جديدة ضمن سلسلة مفاوضات فشلت في إحداث أي اختراق حقيقي لدفع المسار السياسي قدمًا نحو حلحلة الجمود السياسي والميداني المسيطر على المشهد السوري، بحيث ذهبت التقديرات السياسية إلى اعتبارها ليس إلا ضمانًا لاستمرارية مسار أستانا كأحد المسارات السياسية الدولية المعنية بتسوية الأزمة السورية.

سياق انعقاد الجولة 17

تأتي جولة أستانا السابعة عشرة في خضم عملية تحول إقليمي ملحوظ، ترفع شعار المصالحات السياسية وتغليب المصالح الاقتصادية وتبريد ساحات الصراعات المشتعلة تمهيدًا لتصفيتها أو تسويتها، ولعل أحد مظاهرها المرتبطة بسوريا الانفتاح العربي والدولي الملموس على النظام السوري الذي تجلى في محاولات إعادة دمجها ضمن عمقها العربي عبر عودتها لجامعة الدول العربية، ويعكس هذا التوجه إدراك قادة الشرق الأوسط لضرورة ترميم منظومة الأمن القومي العربي لمجابهة التحديات الناجمة عن إعادة توجيه القدرات الأمريكية باتجاه منطقة الإندوباسيفيك وصعود النفوذ الإيراني المتوقع مع رفع العقوبات الأمريكية عاجلًا أم آجلًا كأحد النتائج الطبيعية لمحادثات فيينا.  

ويُمكن اعتبار الجولة 17 من محادثات أستانا خطوة تمهيدية نحو تهيئة الأجواء والاتفاق بشأن الخطوات العريضة المزمع طرحها خلال أعمال الجولة السابعة للجنة الدستورية المتوقع عقدها خلال يناير المقبل، والتي تأمل الأطراف الدولية الفاعلة نجاحها في دفع المسار الدستوري قدمًا كمرحلة أولية تسهم في تحريك مسار التسوية السياسية، لا سيمَّا أنه يُنظر للجنة الدستورية باعتبارها الإنجاز الحقيقي الوحيد لمسار أستانا، ومع ذلك، فإنها لم تنجح سوى في جمع الأطراف الداخلية المتناحرة وجهًا لوجه إلى طاولة المفاوضات بينما هيمن على جولاتها الست السابقة مناخات تشاحن وتشرذم. 

وفي هذا السياق، تأتي الجولة الـ 17 لمسار أستانا عقب محادثات وصفت بالبناءة أجراها المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا، غير بيدرسون، تُبشر بإمكانية اعتماد مقاربة “خطوة بخطوة” كآلية لبناء الثقة بين الأطراف المتناحرة بما يتيح إحراز تقدم في العملية السياسية.

وتعكس المحادثات غموض وتخبط استراتيجية إدارة بايدن تجاه مستقبل التسوية السورية وترددها بشأن حشد الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة لصياغة تسوية شاملة للأزمة، فلم تُمثل الولايات المتحدة الداعم الرئيسي لقوات سوريا الديمقراطية بالاجتماعات، فيما يُمكن اعتباره أيضًا استمرارًا لنهج التخلي عن الشريك الكردي الذي ميز سياسة واشنطن تجاه سوريا خلال عهد الرئيس الأسبق دونالد ترامب، عندما منح أنقرة ضوءًا أخضر لغزو الشمال السوري في أكتوبر 2019 “عملية نبع السلام”، لا سيمَّا أن الأكراد غير ممثلين بمسار جنيف أو اللجنة الدستورية.

وقد سبق أعمال الجولة عملية تبادل أسرى محدودة عند معبر “أبو الزندين” في منطقة الباب شرقي حلب، شملت الإفراج عن خمسة أسرى من النظام السوري ومثلهم من جماعات المعارضة، وهو أمر اعتادت موسكو إجرائه قبيل انطلاق أي اجتماعات دولية بشأن سوريا ضمن مسار أستانا أو داخل مجلس الأمن. 

علاوة على ذلك، تتزامن الجولة مع عدة متغيرات إقليمية ودولية وتطورات سياسية وعسكرية شهدتها الساحة السورية تصب جميعها في صالح النظام السوري وهي تلك المتعلقة بتخفيف العقوبات الاقتصادية الأمريكية عن دمشق والسماح بمرور الغاز المصري للبنان عبر سوريا بما يمنحها ميزات اقتصادية، والترحيب العربي بعودة سوريا للجامعة العربية، وغياب المعارضة المسلحة داخليًا والاقتصار على تنظيمات مصنفة إرهابية كتنظيم فتح الشام وبالتالي فإنها لن تكون جزءًا من العملية السياسية سواء داخل الحكومة أو المؤسسات العسكرية.

نتائج محدودة

لم تتجاوز مخرجات الجولة الـ 17 نطاق سابقيها الستة عشرة الذين غالبًا ما ينتهون بالتأكيد على مبادئ عريضة دون الخوض في محادثات تفصيلية لإيجاد آليات تفضي إلى حلول جدية للمسائل الخلافية المتعددة المرتبطة بالملفات السياسية والميدانية، إلى حد اعتبار بعض التحليلات السياسية مسار أستانا لا يتجاوز كونه منصة إعلامية لتبادل وجهات النظر ليس أكثر، تسعى من خلاله روسيا وتركيا إلى تنسيق وجهات النظر لتلاشي حدوث صدامات عسكرية بين قواتهما العسكرية داخل الأراضي السورية وتثبيت التفاهمات وفق صيغ تراعي مستجدات الوضع الميداني، بينما تطلع إيران لاقتناص الفرص لتعزيز حضورها على الأرض لا سيمَّا تلك المتعلقة بتغيرات موازين القوى أو التوصل لشروط عسكرية وسياسية بين القوى الخارجية المتدخلة في الأزمة.

وفي هذا الصدد، تضمن البيان الختامي للجولة الحالية عبارات فضفاضة بشأن التأكيد على ضرورة الحفاظ على سيادة سوريا واستقلالية ووحدة أراضيها، ورفض الإرهاب ومختلف أشكال الانفصالية، والتشديد على أهمية دور اللجنة الدستورية لدفع مسار “الإصلاح الدستوري”، وهي العبارة ذاتها التي تضمنها بياني الجولتين السابقتين بدلًا عن صياغة “كتابة دستور جديد”، بما يتفق مع الرؤية الروسية لمفهوم الإصلاح الدستوري. فضلًا عن إدانة الضربات الإسرائيلية على مواقع في سورياـ والإعراب عن القلق حيال الوضع الإنساني لا سيمَّا مع تفشي فيروس كورونا وتأثيراته السلبية على النظام الصحي والوضع الاقتصادي.

بالإضافة إلى ضرورة إطلاق سراح المعتقلين والإفراج عن الرهائن والكشف عن مصير المفقودين، وضمان عودة آمنة وكريمة وطوعية للاجئين السوريين إلى ديارهم. علاوة على حث المجتمع الدولي والأمم المتحدة وهيئاتها الإنسانية على زيادة حجم المساعدات وتنفيذ مشاريع الإعمار والبنية التحتية الأساسية، خاصة خدمات المياه والكهرباء والمدارس والمستشفيات، وإزالة الألغام وفقاً لأحكام القانون الدولي الإنساني. دونما الخوض في آليات تفصيلية وجادة لوقف الأعمال القتالية في إدلب والمنطقة المحيطة بها.

وتتعلق الإشكالية الرئيسية بافتقار الأطراف الضامنة لمسار أستانا لإرادة حقيقية لتحقيق اختراق سياسي، وذلك في ظل ما يُمكن اعتباره اتفاقًا ضمنيًا على تثبيت حالة الاستقرار الراهنة المرتبطة باستقرار خطوط التماس بين القوى الإقليمية والدولية المتمركزة داخل الجغرافيا السورية، كأحد ثمار اتفاق وقف إطلاق النار الموقع بين تركيا وروسيا في 5 مارس 2020، بالتزامن مع اتجاه روسيا لتبني آليات سياسية تراها أكثر جدوى وأقل تكلفة لقضم الأراضي الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة دون الخوض في مواجهات عسكرية مباشرة على غرار اتفاقيات خفض التصعيد الموقعة مع تركيا، لعل أبرزها سياسة التسويات التي امتدت من الجنوب السوري إلى مدينة دير الزور شرقي البلاد.

علاوة على فتح قنوات اتصال مباشرة بين قوات سوريا الديموقراطية “قسد” والنظام السوري تطلع موسكو من خلالها إلى التوصل لصيغة تقبل بموجبها “قسد” سحب مقاتليها من مناطق تل تمر وعين عيسى ومنبج وعين العرب – الواقعين ضمن بنك أهداف أنقرة داخل شمال سوريا – وإخضاعها للشرطة العسكرية الروسية لحين نضوج حل مستدام، بشكل يضمن قطع الطريق على الذرائع التركية المتعلقة بالتهديد الكردي لتنفيذ عملية عسكرية بتلك المناطق تمكنها من ضمها لربط مناطق سيطرتها ضمن عمليتي نبع السلام وغصن الزيتون، لا سيمَّا في ظل انحصار النفوذ الأمريكي بشرق الفرات إلى منطقتي الحسكة ودير الزور. وبرز هذا التوجه في تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف بالتزامن مع أعمال الجولة الـ 17 بالتأكيد على ضرورة تقرير الأكراد لموقفهم من حكومة دمشق كون الوجود العسكري الأمريكي هناك سينهي عاجلًا أم آجلًا.

ولعل الشروط الأربعة التركية التي كُشف عنها عقب انتهاء الجولة السابعة عشرة للانسحاب من سوريا والمتعلقة بصياغة دستور جديد وإقامة نظام انتخابي يُمكن جميع الفئات المشاركة فيه بحرية (يُقصد فصائل المعارضة)، وتشكيل حكومة جديدة بعد الانتخابات تتولى القضاء على ما تعتبره أنقرة “تنظيمات إرهابية تستهدف وحدة أراضي تركيا” والمقصود بها عناصر حزب العمال الكردستاني، كاشفة لحجم التعقيدات والتحديات التي تعترض مسار التسوية السياسية وإنهاء كافة مظاهر الوجود العسكري الأجنبي، كونها تبدو غير واقعة على المدى المنظور لتمسك موسكو والنظام السوري بتعديل الدستور وعدم حسم الولايات المتحدة وروسيا لملف الامتدادات السورية لحزب العمال الكردستاني الذي ربما يكون أحد أوراق الضغط بمواجهة أنقرة، 

بالإضافة إلى أن الوجود التركي ليس عسكريًا فحسب إنما يأخذ طابعًا ثقافيًا واقتصاديًا وعبر مؤسسات مدنية موالية لها بما يضمن استمرار التأثير والهيمنة التركية. وما لبث أن انتهى اجتماع أستانا حتى استأنفت أنقرة والفصائل الموالية لها هجماتها البرية على شمال شرق سوريا بما في ذلك الحسكة وكوباني وتل تمر وتحديدًا قرى عين الهوى وربيعات وأسدية وحمرة وعزيزية وأم الكيف وأم عشبة وداودية وتل شنان وطويلة وتل طويل وتل الورد وبوبة وخدراوي وبسيس الفوقاني.

ختامًا، لاتزال التباينات في وجهات النظر بين المكونات السورية والأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة في الأزمة السورية هي المهيمنة على المشهد السياسي والميداني حتى الآن، مُخلفة حالة من الجمود يعززها التوافقات الضمنية المحسوبة والتوازنات الدقيقة التي تحرص الدول الضامنة لمسار أستانا على تثبيتها لحين التوصل إلى حل نهائي للأزمة مازال يبدو بعيدًا في ظل تعقيدات المشهد الميداني وغياب أي قواسم مشتركة للتفاهم السياسي بين الأطراف المتصارعة على الأرض وعدم مشاركة الولايات المتحدة في مفاوضات الحل السياسي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى