مصر

التنمية الثقافية..طريق النهوض بالريف المصري

إن نهضة أية دولة تقوم على مواطنون يتمتعون بقدر كبير من الوعي والثقافة، وإذا كان الحد من معدلات الفقر وتطوير البنية التحتية خطوة هامة على طريق التنمية إلا أنها في ذات الوقت أول خطوة لتحقيق التنمية الثقافية، فعلى مدار العقود السابقة عانى الريف المصرى من الإهمال الشديد الذي ترتب عليه زيادة نسب الهجرة بين الريف والحضر وسيطرة الأفكار المتطرفة، لذا فقد انصب اهتمام الدولة نحو المواطن الريفي من خلال مشروعات قومية هدفها تنمية الريف المصري، كما كان لعديد من الدول تجارب ذات صدى في النهوض بالمناطق الريفية ومنها التجربة الصينية، ولذلك فإن تحقيق الثقافة في الريف المصري له العديد من الدلالات والأبعاد.

الصين نموذج في النهوض بالأرياف

قامت الحكومة الصينية في فبراير 2018 بوضع استراتيجية للنهوض بالريف، تهدف إلى الارتقاء بالزراعة وتطوير المزارعين وذلك من خلال توحيد كافة الجهود، ولم تقتصر الاستراتيجية نحو تحقيق تنمية في الاقتصاد الريفي فقط وإنما أيضًا الاهتمام بالمجالات الثقافية والمجتمعية، وطبقت الصين خلال الثلاث الأعوام السابقة العديد من الخطط لتحقيق هذا الهدف، كما طبقت نموذج لإنشاء أراضي زراعية بجودة عالية، كما رصدت ميزانية من أجل خفض معدلات الفقر بهذه المناطق بهدف تقليل الفجوة بين المناطق الريفية والمناطق الحضرية سواء على مستوى البنية التحتية أو الثقافة.

وخلال السنوات الأخيرة عملت الحكومة المركزية للصين والحكومة المحلية على تطوير وتحديث قرى الريف، من خلال بناء المنازل وتطوير البنية التحتية (شبكة الكهرباء- الصرف الصحى- شبكات المياه- شبكات التليفون والإنترنت)، كذلك كان من ضمن خطة التنمية تحسين وضع القطاع الزراعي كأولوية وربطه بالقطاع الصناعي، وذلك من خلال تطوير أنظمة الزراعة واستخدام التكنولوجيا الحديثة، والتي أدت بالتبعية إلى التحول من نمط البيع من الطرق التقليدية إلى نمط البيع عبر الإنترنت، مما يشير إلى العمل على رفع كفاءة المزارعين.

كما أنه طبقًا للخطة الاستراتيجية للتنمية الريفية من عام (2021-2025)، سوف يتم التركيز على تعزيز النهوض بالأرياف بدلًا من التركيز على الدعم للتخفيف من حده الفقر فقط، ومن أبرز أمثلة القرى التي وصلت لها التنمية ولاية ليانغشان. 

إذ تقع ولاية ليانغشان بمقاطعة “سيتشوان” في جنوب غرب الصين، وتشتهر بزراعة الزيتون وبعض أنواع الفواكه. وقد ساهمت التنمية في هذه الولاية بابتكار أفكار جديدة عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي في بيع منتجاتهم الزراعية وذلك بالتعاون بين الأسر الفقيرة والمؤسسات الرائدة ومنصات البيع، حيث يقوم أهالي “ليانغشان” بزراعة الزيتون وتقوم المؤسسات الزراعية بتوفير الشتلات العالية الجودة والمساعدة الفنية، ويتم تسويق الفاكهة وبيع المنتجات النهائية على منصات البيع. وقد استفاد من هذه التجربة أكثر من 250 عائلة ريفية فقيرة وساهمت هذه الفكرة بشكل كبير في الحد من معدلات الفقر.

الثقافة ودورها في النهوض بالأرياف

للثقافة أوجه كثيرة، فالتنمية الريفية جعلت المزارعين قادرين على ابتكار العديد من الطرق لتحسين مجال عملهم في الزراعة وإدخال التكنولوجيا التي ساهمت في تخفيف عبء الأعمال على المزارع وكذلك توسيع أنشطتهم بدعم الدولة لقطاع الصناعة، مما أدى إلى تقليل نسبة الهجرة بين الريف والحضر خاصة وأن كان هناك بعض القرى خالية من السكان، فبعض القرى سميت “بقرية الشخص الواحد”، كذلك خلق مشروعات أخرى ومنتجات ثقافية سواء عن طريق الكتب المدرسية أو من خلال استغلال شهرة قرية معينة سواء في مجال الفن أو الرسم والعمل على تعزيز الثقافة بها.

ويمكن القول إن هناك تشابهًا بين التجربة المصرية والصينية في النهوض بالريف، لذا نستعرض تجربة الدولة المصرية في النهوض بالتنمية الثقافية في الريف المصري.

النهوض بالثقافة في الريف المصري

بدأت الدولة المصرية في وضع خطط تنموية للنهوض بالريف المصرى، من خلال إطلاق مبادرة حياة كريمة والتي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي في عام 2019، تهدف إلى تحسين أحوال المواطنين من خلال رفع مستوى البنية التحتية، وتشارك منظمات المجتمع المدني في تنفيذ المبادرة، من أجل رفع المعاناة عن الأسر الفقيرة، إلى جانب اهتمام المبادرة بكافة الفئات (النساء المعيلات –الأطفال-الشباب -الأشخاص ذوو الإعاقة)

  • التطرف الديني: نتيجة زيادة نسبة الفقر في الريف المصري عمومًا و خاصة في الوجه القبلي، زادت نسبة المتطرفين ، كما أن زيادة معدلات الأمية و عدم الاهتمام بالجانب الثقافي في تلك القرى سواء من خلال توفير مراكز شباب أو مسارح و التي تعتبر أحد أدوات القوة الناعمة و التي يمكن من خلالها بث رسائل لتصحيح مفاهيم مغلوطة.
  • الهجرة بين الريف والحضر: زادت نسبة هجرة الشباب من الريف إلى الحضر نتيجة افتقار الخدمات المقدمة لهم، بهدف تحسين مستوى المعيشة، وذلك يعود إلى عدم الاهتمام بالبنية التحتية أو توفير مشروعات لتحفيز الشباب على الاستمرار في القرى والنهوض بهم.
  • رفع الوعي العام للمواطن: حيث أن الاهتمام بالقرى الفقيرة على كافة المستويات وخاصة على الجانب الثقافي، سيتيح للمواطن أن يدرك ويفهم الأمور والقضايا المتعلقة بدولته، وكذلك الاعتماد على آرائهم في تطوير القرى، وهو ما حدث في مبادرة حياة كريمة من جمع اقتراحات المواطنين في كيفية التطوير وأولويات الاحتياجات، وهذا يعطى شعور للمواطن بأهمية رأيه وأنه مشارك في عملية التنمية.

تنمية الثقافة في الريف المصري

ساهمت وزارة الثقافة في إطار مبادرة “حياة كريمة”،  بالقيام بالعديد من الأنشطة داخل القرى، ومن أبرز هذه الأنشطة القوافل الثقافية والتي تهدف إلى تقديم الدعم الثقافي والمجتمعي للأسر المصرية في المناطق النائية ونشر الثقافة الأدبية والفنية والتراثية بين فئات المجتمع خلال القوافل الثقافية ومسرح التجوال،  ومن أبرز المبادرات “كشك كتابك” هو وجود كشك في كل قرية وفي كل مركز خدمي في كل قرية بالتنسيق مع مبادرة “حياة كريمة”، ويتواجد فيه إصدارات وزارة الثقافة بسعر رخيص للغاية يتراوح من جنيه إلى عشرين جنيه وهناك كتب بأقل من جنيه.

ذلك إلى جانب ورش عمل تدريبية وأدبية وعروض للفنون الشعبية والمعارض التشكيلية المتجولة، بالتعاون مع وزارات (الداخلية، والدفاع، والشباب والرياضة، والتضامن الاجتماعي، والنقل والتنمية المحلية) وعدد من مؤسسات المجتمع المدني، تضمنت هذه الورش الحرف التراثية بأسيوط ومنها “السجاد والخيامية والتلي”، وكذلك الحرف اليدوية ومنها “النحاس والحلي والشنط الستان وعجائن السيراميك”، بجانب ورشة حكي للأطفال وألعاب شعبية من التراث.

كذلك المسارح المتنقلة، وتم من خلالها تنفيذ 66 نشاطًا ثقافيا ما بين ورش أدبية وفنية وعروض مسرحية ومعارض تشكيلية وندوات تثقيفية في 3 محافظات هي (البحيرة، وأسيوط، وأسوان)، حيث وصلت الفعاليات إلى 6 قرى، بواقع 4 بمحافظة البحيرة وقرية بأسيوط وأخرى بأسوان، وبلغ عدد المستفيدين بهذه القرى نحو 6 آلاف مستفيد.

هذا بالإضافة إلى تنمية الموهوبين واكتشافهم، من خلال تدشين مركز تنمية المواهب بأسيوط والذي يهدف إلى اكتشاف ورعاية الموهوبين من أبناء مركز ساحل سليم والقرى التابعة له من خلال دورات تدريبية في مجالات مختلفة.

منى لطفي

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى