القضية الفلسطينيةمصر

التمسك بالقضية الفلسطينية في الواجهة السياسية للإقليم

استضافت القاهرة يوم الإثنين 27 ديسمبر 2021 اجتماعًا حضره وزراء خارجية ورؤساء أجهزة مخابرات مصر والأردن ووزير الشؤون المدنية ورئيس جهاز المخابرات الفلسطيني، لتنسيق المواقف والرؤى بشأن كيفية متابعة نتائج القمة الثلاثية التي عُقدت في القاهرة يوم 2 سبتمبر 2021، وبحث المستجدات التي شهدتها القضية الفلسطينية في الفترة الأخيرة.

يأتي الاجتماع ضمن سلسلة تحركات عربية على رأسها مصر والأردن لتقديم الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني إلى الواجهة بعد حدوث مجموعة من السياقات الإقليمية المضطربة.

تناقش الورقة هذه السياقات، ودوافع القاهرة، وعلاقة الاجتماع بالهدف المصري الذي يرمي إلى بلورة تصور “سياسي” لحل القضية الفلسطينية.

الصورة العامة

انتهجت مصر استراتيجية شاملة لإحداث اختراق جديد في سُبل حل القضية الفلسطينية، كان من بينها الأدوات الدبلوماسية التي تمثلت في الاجتماعات العربية (على سبيل المثال قمم مصر والأردن)، ونقل الرواية العربية للقضية الفلسطينية إلى الدول الخارجية ذات الصلة تمثلت في الاجتماعات الدولية (على سبيل المثال الرباعي مصر والأردن وفرنسا وألمانيا ومندوب الاتحاد الأوروبي)، ومناقشة القضية الفلسطينية في التنسيقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة (الحوار الاستراتيجي الشامل).

يأتي الاجتماع الوزاري الأخير ضمن هذه الاستراتيجية؛ لبحث تطورات القضية الفلسطينية وما يقيد فرص حلها من مستجدات سياسية تأخذ طابعًا عنيفًا تتسبب فيه إسرائيل حكومةً ومجتمعًا _ممثلًا في الحركات الاجتماعية المتطرفة التي تخرج من القوميين المتطرفين بشكل أساسي. 

ويمكن توضيح هذه الاستراتيجية بشأن القضية الفلسطينية في مجموعة من المحددات، وهي: 

  1.  التمسك بتقديم تسوية “سياسية” لحل القضية الفلسطينية تحفظ من خلالها حقوق الشعب الفلسطيني.
  2.  تبني حل الدولتين على أن تكون القدس الشرقية عاصمة فلسطين على حدود 1967. 
  3.  بلورة رؤية إقليمية لحل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني توافق مستجدات الوضع الإقليمي، تستند على مرجعية القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ومبادرة السلام العربية التي أطلقها الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز.
  4.  المفاوضات هي السبيل السياسي الوحيد لإيجاد توافق إسرائيلي فلسطيني لحل الصراع. 
  5. اعتبار الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني هو المهدد الأول لأمن المنطقة.

سياقات غير مستقرة

يلاحق هذا الاجتماع مجموعة من السياقات التي يغيب عنها الاستقرار بشكل نسبي، يمكن توضيحها فيما يلي:

أولًا: تزايد صدى الصراع الإيراني الإسرائيلي في المنطقة

تزايدت في الآونة الأخيرة الإشارات اللفظية بين الطرفين الإسرائيلي والإيراني بإمكانية شن حرب واسعة النطاق ضد بعضهما البعض؛ نتيجة حرص الحكومة الإسرائيلية على تصدير التهديد الإيراني إلى الواجهة الإقليمية، والذي نتج عنه عقد قمم عربية مثل قمة مجلس التعاون الخليجي لبحث تداعيات الخطر الأمني في المنطقة.

يمكن أن تصل تداعيات تصدير الصراع الإيراني-الإسرائيلي إلى إقصاء الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني من حسابات المزاج الشعبي العام في المنطقة، واعتبار الصراع الأول هو الصراع الوحيد في المنطقة، واعتباره المهدد الوحيد لأمن واستقرار المنطقة.

ثانيًا: تضخم المبادرات الدولية والإقليمية

نتج عن الزيارة المكوكية للرئيس الفلسطيني “محمود عباس” مجموعة من التعهدات العربية والدولية بحل القضية الفلسطينية، على غرار التعهد الروسي، والجزائري. رغم إيجابية الزخم الذي قد يحدثه أبو مازن بعد زياراته الخارجية واسعة النطاق نسبيًا، إلا أن تركيز الزخم في تحرك عربي مكثف قد يتيح فرص إيجابية أكبر لإحداث الاختراق المنشود لحل القضية الفلسطينية.

ثالثًا: مسار المصالحة الفلسطينية-الفلسطينية

يلاحق هذا الموضوع عدة تحديات يأتي أولها، تقديم رؤى فلسطينية لشكل المصالحة الفلسطينية وترتيب البيت الفلسطيني (مثل رؤية حماس، ورؤية الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين). وثانيًا، ربط المصالحة بترتيب البيت الفلسطيني. وثالثًا، تقديم رؤى مشروطة لشكل المصالحة مثل التي قدمتها حركة حماس مؤخرًا.

يعد ملف المصالحة ملفًا معقدًا ومفصليًا في آن واحد كونه يرتبط بترتيب البيت الفلسطيني ووحدة الصف بهدف توحيد الموقف بشأن القضية الفلسطينية وتسريع المفاوضات مع إسرائيل. ولكن يدخل ضمن أحد مسببات تعقيده هو التوظيف السياسي للمصالحة من أجل رفع أسهم شعبية أو إلقاء مسؤولية على طرف آخر.

دوافع القاهرة

يدخل ضمن التحرك الأخير مجموعة من الدوافع المصرية لترتيب الاجتماع والخطوات القادمة في القضية الفلسطينية، يمكن عرضها في التالي:

أولًا: الرأي العام الفلسطيني

يعد المزاج العام للفلسطينيين محركًا مهمًا في الحسابات المصرية. إذ خلصت نتائج المسح العام لآراء الفلسطينيين كالتالي:

  1. يسود تشاؤم عام بشأن إجراء انتخابات عامة أو رئاسية فلسطينية في حين يزيد التفاؤل بنسبة أكبر لاستكمال الانتخابات المحلية، التي يتفوق فيها حركة فتح على حساب حماس في مجمل مدن الضفة الغربية، في حين يتفوق حماس على فتح في مدن غزة.
  2. التقييم الفلسطيني لأوضاع الضفة يتقلص إلى 30%، كما يتقلص الإحساس بالأمن في الضفة إلى 51%. 
  3. يتفاءل 30% فقط من الفلسطينيين بنجاح المصالحة.
  4. يعارض 59% من الفلسطينيين حل الدولتين كونه حل أصبح مقيد للغاية وغير قابل للتحقيق.
  5. 50% يؤيدون العمل المسلح بهدف إقامة دولة فلسطينية، وهو مؤشر يعزز فرص احتمالات اندلاع انتفاضة مسلحة في الضفة.
  6. 61% يقولون إن الظروف الدولية والإقليمية لا تناسب احتمال نجاح تأسيس مفاوضات مع الإسرائيليين.

وفي المجمل يسود رأي عام سلبي بين الفلسطينيين حيال مبدأ حل الدولتين، أو كفاءة المؤسسات الفلسطينية على إنجاح المصالحة والمفاوضات مع إسرائيل. وتظل النسبة الأكبر على سبب هذا المآل هي إسرائيل (بنسبة 65% من الفلسطينيين).

ثانيًا: السلوك الإسرائيلي

ينقسم السلوك الإسرائيلي إلى سلوك حكومي يتمثل في ائتلاف بينيت المتطرف الذي يشجع على سياسات الاستيطان في الضفة الغربية، وفي الجولان، وفي غور الأردن. كما يتمثل في انتهاج سياسة أمنية تمارس العنف والتهجير بحق الفلسطينيين في الضفة الغربية.

أما السلوك الثاني هو سلوك الحركات الاجتماعية الاستيطانية، أي المستوطنين المحسوبين على القومية الدينية المتطرفة التي تنتهج وتيرة متزايدة لاقتحام المقدسات الإسلامية في القدس الشرقية. 

وتسعى مصر للتأكيد على أن السياسات الاستيطانية والسلوك العنيف للمستوطنين هو معرقل أساسي لعملية السلام، بل والتداعي لاحتمالية اندلاع عنف غير محسوب النتائج في الضفة الغربية بين الفلسطينيين والمستوطنين.

ثالثًا: صياغة مشروع وطني فلسطيني

تظل النسبة الأكبر بين الفلسطينيين وغايتهم القومية هو إقامة دولة فلسطينية مستقلة وإنهاء الاحتلال، وهو ما استدعى أبو مازن للتأكيد على أن إنهاء الاحتلال هو المهمة الرئيسية بل الوحيدة تقريبًا لبقاء السلطة الفلسطينية. 

لذا تتحرك مصر بهدف رسم أفق سياسي ومشروعًا وطنيًا يستنفر الأمل بين الفلسطينيين للتحرك من أجل إقامة دولتهم المستقبلية من خلال الممثل الشرعي وهو السلطة الفلسطينية بهدف تعزيز الثقة الشعبية فيها.

القضية الفلسطينية في المربع “السياسي” وليس “الاقتصادي”

يظل الدافع الأهم بالنسبة لمصر والتحركات العربية هو عدم حيد القضية الفلسطينية عن إطارها السياسي، إذ تسعى الحكومات الإسرائيلية لرسم إطار قديم يتطور باستمرار بحصر الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي في مربع السلام الاقتصادي.

تناقش الدوائر السياسية الإسرائيلية ملف الانسحاب الأمريكي العسكري التدريجي من الشرق الأوسط، وتدرك أن الولايات المتحدة ترغب في رؤية تقدم إيجابي في ملف الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. 

لذلك تتحرك إسرائيل لتقديم رؤى مختلفة تتعلق بالسلام الاقتصادي مع الفلسطينيين لمعالجة ملفين هما الفساد، وتعظيم الرفاهية الاقتصادية. وهو ما تبين في مقترح ميكنة الضرائب لتعزيز الحصيلة الضريبية التي تقدم للسلطة، والموافقة على زيادة تصاريح العمل المقدمة للفلسطينيين في السوق الإسرائيلي.

وتتحرك مصر للتأكيد على أن الحل السلمي الدائم للفلسطينيين هو تقديم تسوية سياسية نهائية تقوم على مبدأ حل الدولتين وعاصمتها القدس الشرقية، وليس رؤى سلمية على مبدأ اقتصادي فقط. 

ختامًا، يمكن القول أن الاجتماع الوزاري بين مصر والأردن وفلسطين هو خطوة ضمن استراتيجية شاملة تسعى للتأكيد على أهمية تصدير القضية الفلسطينية للواجهة الإقليمية، والتأكيد على أهمية الحل السلمي و”السياسي” كونه حلًا مستدامًا يضمن أمن واستقرار المنطقة ككل. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى