آسياروسيا

موسكو وطوكيو: أبعاد النزاع حول جزر “الكوريل”

أجرت القوات المسلحة اليابانية، والتي تُعرف باسم “قوات الدفاع الذاتي اليابانية”، الاثنين 6 ديسمبر، تدريبات عسكرية بجزيرة هوكايدو شمال البلاد. وكانت التدريبات تحمل طابعًا استعراضيًا يهدف إلى بث رسائل محددة لجيرانها. فقد شارك في التدريبات مئات الجنود، وعشرات الدبابات، واستخدمت القوات المسلحة أسلحة متوسطة وثقيلة، في نطاق جغرافي لا تفصله مسافة كبيرة عن روسيا والجزر المتنازع على ملكيتها معها.

وكانت القوات المسلحة اليابانية، قد أمرت مقاتلاتها في أوائل أكتوبر الماضي، بتنفيذ أكثر من 700 طلعة جوية لاعتراض أسراب القاذفات والطائرات الحربية الصينية والروسية التي كانت تُحلق بالقرب من مجالها الجوي، وذلك وفقًا لما أعلنته وزارة الدفاع اليابانية. 

وفي سياق متصل، أعلنت الخارجية الروسية أنها استدعت مُمثلًا عن السفارة اليابانية لدى موسكو، 17 ديسمبر، للاحتجاج على المعرض الذي تم تنظيمه في العاصمة اليابانية طوكيو حول جزر الكوريل في أوائل ديسمبر الجاري، في سياق ما وصفته الخارجية الروسية بأنه طموح غير قانوني للأراضي الروسية من قِبَل اليابان. 

وتوجد خلافات بين موسكو وطوكيو حول ملكية عدة جزر تقع جهة الشمال من اليابان، وتُعرف باسم جزر “سخالين” بالروسية، وتُسمى جزر الشمال باليابانية، بالإضافة إلى خلاف آخر حول ملكية جزر الكوريل، وهذه الجزر لا تبعد مسافة كبيرة عن جزيرة “هوكايدو” اليابانية التي شهدت التدريبات العسكرية المشار إليها أعلاه.

وتعود تلك الخلافات إلى فترة زمنية طويلة أوشكت بالفعل على بلوغ المائة عام، وما زالت حتى اللحظة الراهنة عصية على الحل. بينما تحاول الولايات المتحدة، في سياق مواجهاتها المستمرة مع موسكو، باستخدام هذه الخلافات كذريعة للوجود في المناطق الحدودية، وتأسيس محور واشنطن-طوكيو، لمجابهة محور موسكو- بكين.  

أبعاد استراتيجية: أسباب تحول دون تخلي روسيا عن “الكوريل”

تقع الجزر الأربع التي يُطلق عليها جزر “الكوريل”، في أقصى جنوب أرخبيل “الكوريل”، المؤلف من سلسلة من الجزر البركانية الصغيرة الممتدة على شكل قوس ما بين شبه جزيرة “كاماتشكا” الروسية شمالًا، وجزيرة “هوكايدو” اليابانية الكبيرة جنوبًا، وهو ما يجعلها بالتالي أقرب جغرافيًا إلى اليابان.

وتُطلق عليها روسيا اسم “ساخالين”، واليابان اسم “جزر اليابان الشمالية”، وتتكون من أربع جزر تُدعى كالتالي؛ “إيتوروب”، و”كوناشير”، و”شيكوتان”، و”هابوماي”. وعلى الرغم من مرور نحو سبعين عامًا على انتهاء الحرب العالمية الثانية، إلا أن هذه الجزر ظلت في صلب الخلافات الروسية اليابانية. وتتميز هذه الجزر بأنها ذات طبيعة استراتيجية خاصة. مما يجعل من الصعب على اليابان التخلي عن فكرة المطالبة بها من ناحية، ومن المستحيل على روسيا كذلك التخلي عنها من ناحية أخرى. 

وتمتلك موسكو بالفعل نظرة استراتيجية لهذه الجزر الثمينة للغاية، التي توفر لها منافع عدة. نسردها تفصيلًا كالتالي:

  • المضائق غير المتجمدة: حيث يوفر مضيق “كاثرين” الواقع بين “كوناشيير وإيتوروب”، بالإضافة إلى مضيق “فريز” الواقع بين “إيتوروب وأوراب”، أقصر وأوثق مخرج من روسيا إلى المحيط الهادئ انطلاقًا من موانئ “بريموري” و”ساخالين”. ويضمن وجود هذه المضائق غير المتجمدة على مدار العام إتاحة التشغيل المتواصل للأسطول التجاري والعسكري الروسي. وفي حال أن تم نقل ملكية هذه الجزر إلى اليابان، فإن مرور السفن الروسية يجب أن يتم بعد موافقة اليابان. 
  • بحر “أوختسوك” الداخلي: اعترفت الأمم المتحدة، عام 2014، بأن منطقة بحر “أوختسوك” تعد جزءًا مائيًا داخليًا لدولة الاتحاد الروسي. مما يعني أن كل ما تحتوي عليه هذه المنطقة من مياه وموارد داخل هذه المياه تنتمي إلى روسيا. ولو تم نقل ملكية هذه الجزر إلى اليابان ستحرم روسيا كذلك من حقوقها في المنطقة المائية الممتدة على مسافة 200 ميل والتي يمنحها القانون الدولي بشكل تلقائي للدولة صاحبة أي شاطئ.
  • الثروة السمكية: يُعد بحر “أوختسوك”، واحدًا من أغنى مناطق العالم من حيث الثروة السمكية، ولطالما كان صيد الأسماك في هذه المنطقة هو العمود الفقري لاقتصاد جزر الكوريل.
  • الموارد النفطية: يقع ما يسمى بمنطقة “حوش كوريل الأوسط”، بين جزر الكوريل الكبيرة والصغيرة. ووفقًا للتقديرات، فإن هذه المنطقة تحتوي على احتياطيات كبيرة من النفط والغاز يقدر حجمها بنحو 386 مليون طن لكليهما. 
  • معدن “الرينيوم”: يُعد معدن “الرينيوم” واحدًا من المعادن النادرة والباهظة الثمن. ويستخدم في صناعة الصواريخ، ويدخل في صناعة الطائرات الأسرع من الصوت، وغيرها من الصناعات عالية ذات التقنيات العالية. ويتم استخراج نحو 60 طنًا من الرينيوم سنويًا في جميع أنحاء العالم. وفي الوقت نفسه، تحتوي جزيرة “إيتوروب”، على أكبر رواسب من “الرينيوم” النقي في العالم، والذي يقدر بكميات في مقدورها وحدها أن تغطى نصف الطلب العالمي على “الرينيوم”. 
  • الينابيع الحرارية: تحتوي جزر “إيتوروب” و”كوناشير”، على ينابيع حرارية تصل درجة الحرارة الماء بها إلى مائة درجة مئوية، وتستخدم هذه الينابيع كمزارات سياحية شهيرة، ومنبع للطاقة الحرارية الأرضية المتجددة. 
  • القواعد العسكرية: بدأت روسيا منذ عام 2011، في تحديث قواعدها العسكرية في جزيرتي “كوناشير” و”إيتوروب”. حيث تتمركز فرق عسكرية كبيرة ومعدات روسية متطورة مثل أنظمة الصواريخ المضادة للسفن “بال آند باستين”، بالإضافة إلى مطارات عسكرية ومدنية. 
  • المحميات الطبيعية: تحتوي بعض هذه الجزر على محميات طبيعية تحتوي على العشرات من أنواع الطيور والثدييات النادرة.
  • الكتلة السكانية: يبلغ إجمالي التعداد السكاني للمقيمين في هذه الجزر نحو 17 ألف نسمة. قد يكون ذلك عدد سكان ليس بالكبير، لكن روسيا في الوقت الراهن، تُعاني من وضع ديموغرافي حرج يجعلها في غنى عن التخلي عن المزيد من سكانها بأي شكل من الأشكال. 

البُعد التاريخي لانتماءات “الكوريل”

من خلال نظرة وجيزة على أبرز المحطات التاريخية التي مرت بها جزر الكوريل، سنعرف أن روسيا طالبت لأول مرة بأحقيتها في السيادة على كل جزر الكوريل في عهد روسيا القيصرية بالعام 1786، بعد ورود تقارير من كبار المسؤولين الروس للإمبراطورة تفيد بأن البحارة الروس كانوا هُم أصحاب السبق في اكتشاف هذه الجزر، مما يعني أن ملكيتها تعود إلى روسيا. 

غير أن الأوضاع تغيرت في عام 1855، عندما تم تعيين الحدود بين روسيا القيصرية واليابان بخط يتجاوز هذه الجزر الأربع التي تقع في مكان أقرب جغرافيًا لليابان. وبعد مرور عشرين عامًا، بالتحديد في 1875، تم منح طوكيو حقوق السيادة على كل جزر الكوريل. ثم عاود السوفيت بعد ذلك مهاجمة أرخبيل الكوريل لضمه في عام 1945، بما في ذلك الجزر الأربع الجنوبية.

ومنذ ذلك الحين، ترى اليابان أن هذه الجزر محتلة ظلمًا من قِبَل روسيا، وتؤكد على أحقيتها في هذه الجزر استنادًا لبنود معاهدة 1855. بينما تُبرهن روسيا على أحقيتها الشرعية بالجزر استنادًا إلى وعد الرئيس الأمريكي، “فرانكلين روزفلت”، للزعيم السوفيتي، “جوزيف ستالين”، خلال المؤتمر الذي انعقد في يالطا 1945، والذي تستعيد روسيا بموجبه أرخبيل الكوريل مقابل دخول موسكو الحرب ضد اليابان. 

وبحلول العام 1956، وهو العام الذي شهد إعلان إقامة علاقات دبلوماسية بين روسيا واليابان، تعهد الزعيم السوفيتي السابق، “نيكيتا خروشوف”، بإعادة الجزيرتين الصغيرتين “شيكوتان”، و”هابوماي”، إلى اليابان مقابل توقيع معاهدة سلام. ثم انخرط البلدان في محاولة لتوقيع هذه المعاهدة المنشودة منذ لحظة انهيار الاتحاد السوفيتي، في العام 1991، حتى الوقت الراهن، دون الوصول إلى تقدم ملموس. 

نظرة على أبرز ملامح الموقف الراهن

تظل اليابان متمسكة باستعادة سيادتها على الجزر الأربع، وترفض توقيع اتفاقية سلام مع روسيا قبل حصولها على مبتغاها. ومن ناحية أخرى، تنص التعديلات الدستورية التي أقرتها موسكو عام 2020، بمنع تسليم أو التنازل عن أي أراضي روسية إلا في حالة ترسيم الحدود فقط، وهي الخطوة التي ينظر لها بوصفها عقبة جديدة أمام تسليم موسكو اليابان أي جزيرة على الإطلاق. 

غير أن الرئيس الروسي، عبّر عن رغبة بلاده في مواصلة الحوار مع اليابان والتواصل بغرض الوصول إلى حلول لهذه الخلافات. لكن هذا لا ينفي إصرار موسكو على ضرورة اعتراف اليابان أولًا وأخيرًا بوحدة الأراضي الروسية، وسيادة موسكو على جميع أراضيها بما في ذلك جزر الكوريل، ثم يجلس الطرفان بعد ذلك لمناقشة كل الأمور الأخرى. 

ومن ناحية أخرى، تظهر واشنطن بوصفها لاعبًا دوليًا يحاول استغلال الخلافات لتشكيل محور مضاد للمحور “الروسي- الصيني” في المنطقة. ويعد قرار الولايات المتحدة برفض منح أي من سُكان جزر الكوريل تصريحًا بالإقامة على أراضيها إلا بعد اعترافها بأن موطنه الأصلي هو اليابان وليس روسيًا، بالإضافة إلى المناورات العسكرية اليابانية الأمريكية المتكررة في المنطقة القريبة من الجزر، من أوجه هذه المحاولات. وتؤكد روسيا في أكثر من موقف أن التحالف العسكري الياباني الأمريكي يشكل عقبة كبيرة أمام توقيع أي اتفاقية سلام شاملة مع اليابان. 

وختامًا، يُعد النزاع حول جزر “الكوريل”، أحد النزاعات طويلة الأمد والتي لا يُرجح أن يتم التوصل إلى حلول جذرية بشأنها في وقتٍ قريب. خاصة في ظل إصرار الطرفين على ضرورة الاعتراف بسيادة الآخر على الجزيرة قبل الجلوس على طاولة المفاوضات.

داليا يسري

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى