دول المغرب العربي

مسارات خارطة الطريق في تونس بين الرهانات والتحديات

مازالت تونس تقف عند المرحلة المفصلية بعد قرارات الرئيس قيس سعيّد (25 يوليو) التي هدف من خلالها إلى تفكيك بنية النظام السياسي القائم منذ ثورة 2011 والولوج إلى نظام سياسي جديد يعلي من “الشرعية الشعبية” على حساب شرعية الأفراد والكيانات القائمة منذ 2011 وكانت ممارساتها سببًا في أزمات عدة أوصلت تونس إلى هذا المسار. إلا أن الفارق الآن في هذه المرحلة المفصلية هو أنها باتت محددة زمنيًا بعام تقريبًا في ضوء القرارات التي أصدرها سعيّد (13 ديسمبر) وأوضحت خارطة الطريق التي تبدأ باستشارة عامة عبر الإنترنت مطلع العام، ثم تشكيل لجنة لصياغة دستور جديد يجري الاستفتاء عليه (25 يوليو 2022) ثم إجراء انتخابات تشريعية مبكرة (17 ديسمبر 2022).

رهانات وأهداف

تحمل المواعيد التي أعلنها الرئيس التونسي لتنفيذ محطات خارطة الطريق دلالة في حد ذاتها تشير إلى تمسكه بالمسار الذي بدأه في 25 يوليو، وخروجه على كافة ما أفرزته السنوات العشر من بعد الثورة التونسية، وهو ما بدا في تغييره موعد الاحتفال بالثورة ليكون السابع عشر من ديسمبر وهو تاريخ إحراق المواطن محمد بوعزيزي نفسه والذي كان شرارة اندلاع الثورة، بدلًا من تاريخ الرابع عشر من يناير الذي يزامن تاريخ فرار الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي إلى خارج البلاد. وفي هذا المسعى الرئاسي تبرز رهانات يهدف قيس سعيّد إلى تحققها من خلال قراراته الأخيرة، ومنها:

سد الثغرات

كان الإطار الزمني المحدد لخارطة طريق المرحلة الانتقالية بعد 25 يوليو مطلبًا جامعًا لكل القوى والتيارات السياسية والمدنية في تونس، وكذلك للقوى الدولية المعنية بالشأن التونسي. وفي الإطار ذاته، كان التلكؤ في تحديد هذا الإطار الزمني، بل وعدم وجود خارطة محددة للمرحلة الانتقالية التي يُفترض أن تنتهي بانتخابات مبكرة، ثغرة كبيرة ينفذ من خلالها المعارضون للرئيس سعيّد والمسار الذي أعلنه في 25 يوليو، وأول هؤلاء المعارضون هي حركة النهضة التي لا تزال تصف هذا المسار بالمسار الانقلابي الذي يكرس حكم الفرد، استنادًا إلى هذه الضبابية التي كانت تسود المشهد العام في تونس. ولذلك، تمثل خارطة الطريق المحددة زمنيًا التي أعلنها سعيّد سدًا لهذه الثغرة، ومعالجة للنقاط التي كان معارضوه والأطراف الدوليون يعتمدون عليها في النيل من مسار 25 يوليو. 

التأييد الدولي

عوّلت حركة النهضة طوال الفترة الماضية على ورقة القوى الدولية لمحاولة الضغط على الرئيس التونسي للعودة إلى ما قبل 25 يوليو، وإعادة البرلمان إلى العمل. وعلى الرغم من عدم وجود موقف دولي قوي مناهض للرئيس التونسي، فإن بعض البيانات التي صدرت عن بعض القوى -وآخرها بيان مجموعة السبع (11 ديسمبر) الذي دعا تونس إلى عودة سريعة لعمل المؤسسات الديمقراطية في البلاد وتحديد سقف زمني واضح لذلك واحترام الحريات الأساسية لجميع التونسيين- كان يتم الترويج لها في سياق أن المجتمع الدولي غير راضٍ عما يجري في تونس.

وذلك في الوقت الذي تعاني فيه تونس أزمة اقتصادية كبيرة تحتاج فيها إلى تضافر الجهود من أجل تجاوزها من خلال المؤسسات الاقتصادية الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ومن هنا، جاءت القرارات الأخيرة للرئيس التونسي لتزيل هذه الورقة تمامًا من يد المعارضة، بل ولتعلن كسب التأييد الدولي للمسار الانتقالي في البلاد، وهو ما كان جليًا في بيان وزارة الخارجية الأمريكية الداعم لهذه القرارات، ثم البيانات الأوروبية التالية له.

ومن ثم، فمن المرجح أن يستغل الرئيس التونسي هذا الموقف الدولي الداعم في الانطلاق بحرية أكبر في استكمال المسار الذي بدأه لتفكيك النظام، ومكافحة الفساد بصوره المختلفة، وإرساء دعائم النظام الجديد وصولًا إلى الانتخابات التشريعية المبكرة نهاية العام المقبل.

إزاحة الخصوم

الخطاب ذاته الذي أعلن فيه الرئيس التونسي قيس سعيّد الإطار الزمني لخارطة الطريق حمل أيضًا ما بدا أنه إصرار على ملاحقة الفاسدين حتى النهاية، وتحديدًا حركة النهضة. وذلك بعدما ألمح سعيّد إلى القضية التي تتورط فيها الحركة في التعاقد مع شركة أمريكية للدعاية إبان الانتخابات التشريعية الماضية. فقد كشفت محكمة المحاسبات في تقريرها المتعلق بالانتخابات (نوفمبر 2020) أن حركة النهضة تعاقدت مع شركة ضغط أمريكية منذ عام 2014 لتلميع صورتها، والأمر نفسه ينطبق على حزب قلب تونس.

وهو التقرير الذي لم يتم تحريكه قضائيًا حتى الآن رغم أن قانون الانتخابات ينص على “إذا ثبت لمحكمة المحاسبات أن المرشح أو القائمة قد حصلت على تمويل أجنبي لحملتها الانتخابية فإنها تحكم بإلزامها بدفع خطية مالية تتراوح بين عشرة أضعاف وخمسين ضعفا لمقدار قيمة التمويل الأجنبي، ويفقد أعضاء القائمة عضويتهم بمجلس نواب الشعب ويُحرم كل المدانين من الترشح في الانتخابات التشريعية والرئاسية الموالية”. ولذلك ألمح سعيّد أكثر من مرة إلى ضرورة تحريك القضية وإصدار أحكام بشأنها، سواء في خطابه الأخير أو في لقاءات متوالية مع رؤساء هيئات قضائية؛ الأمر الذي -إن حدث- سيمثل ضربة قاصمة لحركة النهضة ومستقبلها السياسي.

تحديات جوهرية

بينما يتلمس الرئيس التونسي خطوات خارطة الطريق التي تمتد عامًا كاملًا، تعترض هذا الطريق تحديات وعقبات ماثلة قد تجعل من غير اليسير تنفيذ هذه الخارطة وإتمامها، أو عبور خطواتها الأولى، ومنها:

الأوضاع الاقتصادية

لا يمكن إغفال أن أحد الدوافع المهمة وراء الاحتجاجات التي شهدتها فترة حكم حركة النهضة، وخاصة مظاهرات 25 يوليو الماضي التي أعلن على إثرها الرئيس قيس سعيّد قراراته؛ هو الأوضاع الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي يعيشها التونسيون في مختلف الولايات والبقاع. وبينما أكسبت القرارات التي أزاحت النهضة من الحكم الرئيس التونسي شعبية كبيرة وتفاؤلًا وثقة في مستقبل البلاد وفق المسار الذي اتخذه، فإن هذه الشعبية ما لبثت أن أخذت في التراجع النسبي على إثر السبب ذاته الذي أوصل حركة النهضة إلى حافة الهاوية.

جاء قرار الرئيس قيس سعيّد باختيار نجلاء بودن لتشكيل الحكومة متأخرًا نحو شهرين منذ قرارات 25 يوليو، وهو ما كان سببًا في تراجع شعبية سعيّد بعض الشيء. والآن وبعد مضي نحو ثلاثة أشهر من تشكيل الحكومة، لم يجد المواطنون تغييرًا ملموسًا في أوضاعهم المعيشية، بل على العكس ازدادت الأزمة تعقيدًا وحدة، دون وجود خطة إنقاذ اقتصادي واضحة، الأمر الذي أعاد الاحتجاجات المدفوعة بالأوضاع المعيشية إلى واجهة الأحداث مرة أخرى، وهو ما حدث في عدد من الولايات في مقدمتها صفاقس والقصرين والتي تحولت المظاهرات فيها إلى أعمال شغب في أكثر من مرة.

ومع خروج قانون المالية العامة لعام 2022 والذي تضمن زيادات في أسعار بعض الخدمات مثل الكهرباء والغاز، وكذا بعض الرسوم والضرائب، زادت النقمة الشعبية. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى استطلاعات الرأي بوصفها معبرة عن مدى التأييد؛ إذ شهدت نسب التفاؤل تراجعًا الشهر الجاري بنسبة 30% عن أغسطس الماضي، وتراجعت نسب الثقة الكبيرة في الرئيس سعيّد من 82% في شهر أغسطس إلى 62% في شهر ديسمبر. وهو ما يشير في المجمل إلى أن شعبية الرئيس والثقة فيه تتراجع تحت وطأة الأزمة الاقتصادية، الأمر الذي يمثل تحديًا أمامه لاستكمال خارطة الطريق والرهان على الشعب لمساندته إياها.

فقدان الحلفاء

اتصالًا بالنقطة السابقة، يبرز تحدٍ آخر أمام الرئيس التونسي وهو ما يمكن تسميته بتساقط الحلفاء أو فقدانهم؛ فبالنظر إلى خريطة القوى المؤيدة لقرارات 25 يوليو ومسارها نجد أنها شملت طيفًا واسعًا من القوى المدنية والسياسية ذات الثقل في الشارع التونسي، أما الآن نجد أن هؤلاء الحلفاء إما تراجعوا تمامًا عن تأييد الرئيس التونسي وقراراته، وإما يتخذون مواقف متباينة من بعض هذه القرارات، أغلبها يقف في خانة الرفض والمناوءة.

أهم هؤلاء الحلفاء على الإطلاق هو الاتحاد العام للشغل الذي يمثل قوة وازنة في المشهد التونسي بشكل عام منذ ثورة 2011 وما تلاها من أحداث. وبالنظر إلى أن مشروع الرئيس التونسي قائم بالأساس على القفز على الأحزاب السياسية وتشابكاتها، يبرز اتحاد الشغل بوصفه مظلة جامعة لكل الهيئات النقابية في البلاد وبوصلة تتحرك باتجاهها جموع واسعة من التونسيين. إلا أن إصرار الرئيس على أن يسلك مسلكًا منفردًا في إدارة المرحلة الانتقالية، وتجاهل التنسيق والتشاور مع الاتحاد، دفع الاتحاد إلى صف التمايز عن توجهات سعيّد، وإعلانه عزمه “توسيع التشاور للقاء وطني يؤسّس لتوجّه وطني ثالث عنوانه الإنقاذ في كنف السيادة الوطنية”.

وتتلاقى في هذه الحال توجهات الاتحاد العام للشغل مع المطالب الشعبية ومظالم بعض القطاعات. وتشير تصريحات أمينه العام الرافضة لخطاب الرئيس سعيّد الذي هاجم فيه “خيار الصف الثالث” وقول الطبوبي “الاتحاد لا يصطف بل يقود نحو البوصلة الحقيقية، ونحن الوطنية الحقيقي، وسيكون للاتحاد صوت مرتفع في الأوقات الحرجة” إلى أن المواجهة بين الطرفين صارت محتملة، وسيكون التونسيون هم أداتها. وفي هذه الحال قد لا ينجح تعويل الرئيس سعيّد على شعبيته إذا ما قرر اتحاد الشغل –الذي توعد الحكومة بشن إضرابات ضدها- إثارة الرأي العام ضده مدفوعًا بالتحديات الاقتصادية والمعيشية والقطاعية.

جبهات الرفض

على الجهة الأخرى من فقدان الرئيس سعيّد عددًا من أهم حلفائه وشركائه في مسار 25 يوليو، منهم اتحاد الشغل، وكذلك بعض التيارات والقوى السياسية مثل التيار الديمقراطي والحزب الدستوري الحر؛ تتنامى الجبهات الرافضة لقرارات سعيّد وخارطة الطريق التي أعلنها بانضمام هذه الكتل التي كانت مؤيدة إلى صفوف الرافضين.  

وعلى الرغم من أن هؤلاء الرافضين ليسوا على توافق فيما بينهم حول آليات المعارضة وطرقها، فإن تنامي أعدادهم يمثل تحديًا للرئيس الذي يسعى إلى تجاوزهم. وحتى وإن استُكملت خارطة الطريق بالوصول إلى انتخابات مبكرة، فإن التحدي يظل قائمًا بالنظر إلى أن بعض هذه الأحزاب والقوى تمنحها استطلاعات الرأي حظوظًا كبيرة في هذه الانتخابات.

طول المدة الزمنية

على الرغم من أن فترة العام ليست طويلة في حد ذاتها كفترة انتقالية للبلاد، إلا أن تأخر الإعلان عنها نحو 5 أشهر من اتخاذ قرارات التغيير، وسياق إصدارها المصحوب بتنامي جبهات الرفض السياسي والاحتجاج الشعبي يجعل من هذا العام مدة طويلة قد لا تكون في صالح الرئيس سعيّد وتنفيذ خارطة الطريق التي أعلنها. 

فهذه الفترة الطويلة قد تشهد تغيرات كبيرة تجعل من تطبيق الخارطة أو من موقف الرئيس نفسه أكثر صعوبة، ويبرز في هذا الإطار احتمال أن تعيد حركة النهضة أو على أقل تقدير بعض أعضائها وقياداتها ترتيب الصفوف للعودة إلى العمل السياسي سواء من خلال التلاقي مع جبهات الرفض السابق الإشارة إليها، أو من خلال الدفع ببعض أعضائها في الانتخابات المبكرة، أو غيرها من المسارات المحتملة.

وتجدر الإشارة هنا إلى بعض السمات التي يتسم بها المشهد التونسي الراهن، أولها أن عدم وجود خطة إصلاح اقتصادي حقيقية حتى الآن من طرف الرئيس قيس سعيّد وحكومة نجلاء بودن يجعل من غير المستبعد أن يقتنع التونسيون بأن أزمات العشرية الماضية المستمرة حتى الآن كبيرة للغاية بالفعل ومتوارثة من عهود سابقة وليست حركة النهضة مسؤولة عنها بشكل كلي، خاصة وأن قطاعات واسعة من التونسيين –حسب مراقبين- لا تعنيهم هوية الحاكم بقدر كيفية الحكم بما يفضي إلى حل الأزمات.

وثاني هذه السمات أن الرفض الشعبي لحركة النهضة كان مدفوعًا بهذه الاعتبارات الاقتصادية والمعيشية في المقام الأول بجانب الاعتبارات السياسية وليس الأبعاد الأيديولوجية أو الفكرية على خلاف حركة الرفض الشعبي في مصر على سبيل المثال، ولذلك فإن تقبل التونسيين لعودة الحركة من جديد إلى المشهد السياسي من هذه الزاوية أمر وارد. وقد حملت استطلاعات الرأي الأخيرة مؤشرًا على ذلك بتقدم حركة النهضة من 10.5% في شهر نوفمبر إلى 15.8% في شهر ديسمبر الجاري.

إجمالًا، تبدو المدة الزمنية التي تحددت بها خارطة الطريق التي أعلنها الرئيس التونسي قيس سعيّد طويلة، وقد تشهد أحداثًا مفصلية كبيرة. وبينما يراهن الرئيس سعيّد من خلال الإعلان عن خارطة الطريق على تحقق بعض الأهداف فإن تحديات كبيرة تعترض هذا الطريق، بما يرجح استمرار حالة اللا يقين وعدم الاستقرار السياسي والأمني وتفاقم الأزمة الاقتصادية في تونس خلال الفترة المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى