آسياروسيا

“موسكو وبكين” أمام صداقات الضرورة وعداوات المستقبل

خلال لقائهما الأخير، 15 ديسمبر، وصف الرئيس الروسي، “فلاديمير بوتين”، العلاقات مع الصين بأنها نموذج حقيقي للتعاون بين الدول في القرن الحادي والعشرين. لافتًا إلى أن نموذج التعاون فيما بينهما يحتوي على مبادئ مثل: عدم التدخل في الشؤون الداخلية، واحترام المصالح. ومن جهته، قال الرئيس الصيني “شي جين بينج” إن العلاقات بين البلدين صمدت أمام تحديات مختلفة، وأثبتت أن لديها مقومات الحياة. وتحدث “بينج” عن تصدي نظيره بوتين، لمحاولات “دق إسفين” بين بكين وموسكو. 

ولطالما وقف محللو السياسة بعلامات الاستفهام أمام نموذج العلاقات المتداخلة ما بين موسكو وبكين. فمن ناحية، يصفها الروس والصينيون أنفسهم بأنها علاقات صداقة، ومن ناحية أخرى، يرى من ينظر بعين استراتيجية إلى نمط تطور العلاقات بعيدة المدى بين البلدين أن ثمة تضاربًا كبيرًا في المصالح من المؤكد أنه يضع البلدين في نهاية المطاف أمام حتمية وجود مواقف متنافسة، بل ومتعاكسة في أحيان كثيرة كذلك. 

آفاق التعاون الحالي وضروراته

يُعد التعاون في مجال الطاقة من أحد المكونات المهمة للعلاقات بين موسكو وبكين، وقد تطور التعاون بينهما في هذا المجال بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة. مثال دامغ على ذلك، هو انعقاد منتدى أعمال الطاقة الروسي الصيني، خلال العام الجاري، للمرة الثالثة على التوالي، والذي شاركت فيه نحو 48 شركة صينية، و42 شركة روسية في قطاعات النفط، والكهرباء، والطاقة النووية، والطاقة المتجددة. بالإضافة إلى أن شخصيات مهمة من ذوي الصلة من الجانبين قد شاركت بالحضور، مثل رؤساء السلطات الفيدرالية، ومصنعي معدات الطاقة، وممثلي القطاع المالي، وتكنولوجيا المعلومات.  ووقع المشاركون على عشرات الصفقات. 

وعلاوة على ذلك، يعمل البلدان بنشاط على تعزيز التعاون في مجالات مصادر الطاقة المتجددة بغرض تحقيق أهدافهما المناخية. فعلى الجانب الروسي، ينشأ الاهتمام التقليدي بالتفاعل في قطاعي الطاقة النووية والغازية. وفي مايو 2021، بدأت اعمال البناء في وحدتي الطاقة الثالثة والرابعة في “سيودابو”، وفي وحدتي الطاقة السابعة والثامنة لمحطة “تايوان” للطاقة النووية، وجميعها تعد أجزاءً من مشروعات يشترك فيها البلدان. 

وبلغت إمدادات الغاز عبر خط أنابيب غاز، “باور أوف سيبيريا”، من روسيا إلى الصين، في نهاية نوفمبر من العام الجاري، نحو 13,4 مليار متر مكعب. وواجهت بعض المناطق الصينية نقصًا في الطاقة، أكتوبر 2021، بسبب انقطاع إمدادات الفحم. ونتيجة لذلك، فقد ارتفع حجم التبادل التجاري بين روسيا والصين في مجال تجارة الكهرباء بشكل كبير، من 700 مليون كيلو وات/ الساعة، إلى 1,64 مليار كيلو وات/ الساعة. ومن المتوقع أن تزداد صادرات الكهرباء الروسية إلى الصين بنحو الثلث على مدار العام بأكمله حتى تصل إلى أربعة مليارات كيلو وات في الساعة. 

وبوجه عام، بلغ حجم تجارة الطاقة بين الصين وروسيا 34,9 مليار في خلال 2021، وهو ما يمثل 34,3% من إجمالي التجارة الثنائية، وذلك وفقًا لبيانات من إدارة الطاقة الوطنية الصينية. وبالنسبة للتعاون في المجال التقني، هناك تعاون كبير بين البلدين، لاسيما في مجال التقنية الصينية للتعرف على الوجوه التي حصلت عليها روسيا من الصين، وتستخدمها في تعزيز قدراتها الأمنية المحلية. وقد حاولت روسيا كذلك محاكاة قيود الصين على حرية الإنترنت. 

وتوفر أوجه التكامل الاقتصادي بين البلدين كذلك قوة دافعة بالنسبة لروسيا، نظرًا لأن الصين دولة كبيرة متعطشة للموارد، مما يجعلها سوقًا ضخمة ومتنامية وقريبة من مُصدري الطاقة والسلع والمنتجات الزراعية الروس. بينما تزود الصين روسيا بمصنوعات واستثمارات بأسعار تنافسية. وقد بلغ إجمالي التجارة الثنائية بين البلدين في 2018، أكثر من 100 مليار دولار أمريكي، وتضاعفت حصة الصين من التجارة الروسية تقريبًا في العام ذاته منذ عام 2013. 

وفي السياسة الخارجية، من الممكن القول إن سياسة توحيد المواقف تغلب على طابع تحركات البلدين الخارجية من الناحية الدبلوماسية. فعلى سبيل المثال، إذا لم تظهر روسيا والصين دعمًا صريحًا لقضية بعينها، فإنهما لن تعارضا بعضهما البعض بشكل صريح. مثال على ذلك يتجلى بوضوح أمام التحفظ الروسي على الأنشطة التوسعية الصينية في بحر الصين الجنوبي، وصمت الصين بالمثل على التدخل الروسي في أوكرانيا. 

ويمتلك كلا البلدين أيضًا مقاربات متشابهة للسياسة الدولية، والتي ترفض العالم أحادي القطب بقيادة الغرب على رأسهم الولايات المتحدة. ويرفضان كذلك محاولات الغرب لفرض شخصية ليبرالية على النظام الدولي، ومحاولات الهيمنة الأمريكية، والتدخلات الغربية في شؤونهما الداخلية. 

علاوة على ذلك، دائمًا يجد رؤساء البلدين في تآزرهما، نوعًا من أنواع أوراق الضغط على الغرب. وأكبر دليل على ذلك، ما حدث خلال اللقاء الأخير بينهما، والذي أعلن فيه بوتين مشاركته بالحضور في حفل افتتاح دورة الألعاب الأولمبية في الصين 2022، والتي أعلنت الولايات المتحدة مقاطعتها الرسمية لها ردًا على انتهاكات بكين في مجال حقوق الإنسان. ومن ناحية أخرى، رد الرئيس الصيني بأن نوه خلال القمة إلى ضرورة تكاتف بلاده مع الجارة الروسية لوقف التدخلات الغربية في دول منظمة شنغهاي للتعاون. 

هذا بجانب أن تعاونًا عسكريًا من نوع متقدم يجمع بين البلدين؛ إذ إن البلدين ينخرطان في تدريبات عسكرية سنوية واسعة النطاق، وتدريبات بحرية كذلك. غير أن هذا التعاون لا يرقى إلى مستوى أن يُطلق عليه تحالف.

كيف تتباين مصالح موسكو وبكين على المدى البعيد؟

نعرف، في ضوء ما سبق، أنه يوجد هناك بالفعل تعاون من مستوى وثيق بين البلدين، غير أن لكل شيء حدود يقف عندها، وحدود العلاقات بين موسكو وبكين ومعوقاتها كثيرة، والمؤشرات التي تؤكد على تضارب كبير في المصالح بين البلدان على المدى البعيد تتوافر في هذه العلاقات بقوة. 

نبدأ في الحديث عن هذه الحدود من عند نطاق جغرافي مهم، وهو آسيا الوسطى، بوصفها المنطقة التي تنظر إليها كل من روسيا والصين على أنها منطقة الفناء الخلفي لها، وتهتم كلتاهما بتعزيز مصالحها ونفوذها هناك. ومن هذا المنطلق، نفهم، أن دولتين تنظر كل منهما إلى نفسها بوصفها قوة عظمى، وتمتلكان طموحًا جيوسياسيًا في النطاق الجغرافي نفسه، وترغبان في الشيء نفسه وهو الاستحواذ على النفوذ في آسيا الوسطى؛ من المرجح أنهما موضوعتان على مسار تصادمي في نهاية المطاف.

فمن ناحية، ترتبط روسيا بآسيا الوسطى من خلال البنية التحتية وماضيهم السوفيتي المشترك، بجانب أن روسيا تعد وجهة مهمة للعمالة المهاجرة من هذه البُلدان التي تستخدم اللغة الروسية على نطاق واسع، بالإضافة الى عوامل مشتركة أخرى كثيرة تجمع بين روسيا وبين معظم هذه البلدان. 

وفي الوقت نفسه، تعد آسيا الوسطى مصدرًا مهمًا للموارد، لاسيما الغاز من تركمانستان، والنفط، واليورانيوم من كازاخستان. وتنظر الصين لهذه الدول بوصفها أنها منفذ للتجارة بالنسبة لمنتجات المناطق النائية من الصين.  ولطالما كانت روسيا تتمتع بهيمنة منقطعة النظير على هذه المناطق خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، غير أن الثقل والنمو الاقتصادي الصيني المتسارع قد تعدى الهيمنة الروسية بمراحل. ومنذ عام 2015، أصبحت الصين الشريك التجاري الرئيس للمنطقة بشكل عام، متقدمة بذلك على الاتحاد الأوروبي وروسيا. علاوة على ذلك، نجد أن دولًا مثل كازاخستان وطاجيكستان تدينان بالجزء بالأكبر من ديونها الخارجية لبنوك صينية. 

تنبغي الإشارة كذلك إلى أن القوة الاقتصادية الصينية في المنطقة لا يمكن مقارنتها مع مثيلتها من الدول التي تتزعمها روسيا. مثال على ذلك، حجم الأموال المخصصة للبنية التحتية في إطار مبادرة الحزام والطريق الصينية، لا تقارن مع المشروعات الأوروآسيوية. بجانب أن العديد من مشروعات البنية التحتية التي تنفذها الصين في المنطقة، والتي تعبر من آسيا، تلتف حول روسيا. حيث تمر خطوط الأنابيب والسكك الحديدية من جنوب سيبيريا. وتُعد كازخستان –أقرب حلفاء روسيا- ركيزة أساسية لمبادرة الحزام والطريق الصينية، وتتلقى استثمارات صينية كبيرة. 

وفيما نجد أن روسيا تظل تمتلك قوة ناعمة كبيرة على هذه الدول، وتعد هي نفسها المصدر الرئيس للمعدات العسكرية لها، نقول إن النفوذ الصيني هناك يمتد إلى ما وراء الاقتصاد، ويتخذ شكلًا يسعى إلى التطور إلى قوة ناعمة بحد ذاته. مثال على ذلك، معاهد كونفوشيوس، والمنح الدراسية السخية التي تقدمها الصين لسكان هذه المناطق وتعزز من خلالها حضورها الثقافي واللغوي في المنطقة.

وكذا، تعتمد دول آسيا الوسطى بشكل متزايد على التكنولوجيا الصينية في القطاعين المدني والعسكري. وبوجه عام، يترك التعاون الصيني مع دول آسيا الوسطى نوعًا من الشعور بعدم الارتياح في نفوس النخب الروسية، لكن يظل في مجمله في منأى عن أن يتسبب في تباعد “حالي” بين موسكو وبكين، أو حتى تباعد على المدى المتوسط؛ وذلك نظرًا لأن البلدان يهتمان بعلاقات الشراكة بينهما لمجابهة الغرب من جهة، ولعدم وجود بدلاء عن هذه الشراكة لدى أحد منهم من جهة أخرى.

لذلك من الممكن القول إن ما يجمع موسكو وبكين هو عبارة عن صداقة الضرورة بمقتضى العداء مع الغرب فقط، وعلى من يرغب في التعرف على أوجه التباين بينهما أن يتفقد التنافس على ابتلاع النفوذ في الباحة الخلفية للبلدين. 

على المدى الطويل.. من يفوز بالشرق الروسي؟

ينبغي أيضًا الانتباه إلى أن الاتحاد الروسي كان يشهد بالفعل خلال السنوات الحالية لحظات تاريخية، من الأجدر أن يُطلق عليها لحظة التآكل الديموغرافي، والتي ووفقًا للعديد من الخبراء السياسيين كان من المقرر أن تؤدي –في حالة أن سار التراجع السكاني الروسي على نفس وتيرته- إلى أن يبلغ معدل سكان روسيا من مواطنيها الأصليين نحو 46% من إجمالي سكانها خلال عام 2050.

غير أن هذه التوقعات كانت تتعلق بمعدلات النمو السكاني لفترة ما قبل الجائحة التي حلت على العالم في مطلع 2020. لكن اليوم، تغيرت الأوضاع، وأصبحت روسيا التي تحتل موضع الصدارة من بين الدول الأكثر معاناة من ارتفاع وفيات كورونا. وبناء على ذلك، تعاني روسيا من تآكل ديموغرافي بشكل أسرع وأكثر تطرفًا من أي توقعات قد وضعها خبراء في هذا الصدد من قبل.

وتعرف دولة الاتحاد الروسي أن مشكلة التآكل السكاني في غاية الخطورة على بقاء الدولة نفسها، وهو شيء لا يُنكره “بوتين” نفسه، الذي تناول هذه المسألة في مواقف سابقة عديدة، كان آخرها خلال مشاركته بالمؤتمر الصحفي الأخير لعام 2021، عندما استعرض تدهور الوضع الديموغرافي لبلاده، خاصة في ظل تفشي فيروس كورونا، وقال، “لقد تحدثت للتو عن انخفاض للأسف، في متوسط العمر المتوقع، لوحظ ارتفاع في معدل الوفيات”. وتابع، “إن من أهم المهام التي نواجهها، مهام تتفاقم، في مجال الديموغرافيا، وذلك من وجهة نظر إنسانية ومن وجهة نظر جيوسياسية، مما يعني أن عدد سكان البلاد الآن 146 مليون نسمة، وهو عدد غير كافٍ لمثل هذه الرقعة الضخمة من الأرض، ومن وجهة نظر اقتصادية، ليس لدينا عدد كافٍ من العمال”. وأضاف “بوتين”، مؤكدًا أن عدد مواطني روسيا الحالي في سن العمل قليل للغاية. وينبغي زيادته بشكل كبير بحلول عام 2030.  

عند هذه النقطة، نعرف أن روسيا تواجه مخاطر كبيرة بسبب نموها السكاني الضعيف، لكن ما يراه البعض خطرًا، قد يرى فيه الآخرون فرصة سانحة لتحقيق طموحاتهم التوسعية على المدى الطويل. وفي نظرة مبسطة على أوضاع التدفق السكاني في البلد المتاخم الذي يمتلك بالفعل كثافة سكانية كبيرة، سنجد أنه ومنذ أوائل التسعينيات، انتقل الآلاف من الصينيين إلى المناطق الشاسعة بالشرق الروسي، والتي كانت بالفعل بدأت تفقد كثافتها السكانية بفعل اهتمام مواطنيها بالسفر للحياة في المدن الرئيسية الكبرى. وعندما وصل الصينيون لأول مرة إلى أراضي الشرق الروسي، كانوا يرغبون في العمل بالزراعة، وكانوا ينجذبون إلى الأراضي الروسية المجاورة لأسباب عديدة، على رأسها الإيجارات المخفضة والمساحات الشاسعة للمزارع. 

وبعد الأزمة المالية العالمية 2008، ازداد اهتمام الحكومة الصينية بهذه المنطقة. وازدادت استثمارات الصين في الشرق الأقصى الروسي، مما ترتب عليه وجود تدفق مستمر للمزارعين الصينين هناك. وفي 2018، نشرت هيئة الإذاعة البريطانية، تقريرًا استشهدت من خلاله ببيانات من السجلات العقارية الروسية الحكومية، كانت تُقدر أن الصينيين يمتلكون أو يستأجرون ما لا يقل عن 350 ألف هكتار من الأراضي في الشرق الأقصى الروسي، مما يعني أن نحو 16% من أراضي هذه المنطقة يشغلها الصينيون.  وأشارت هيئة الإذاعة البريطانية إلى أن النسب الفعلية قد تكون في الحقيقة أعلى بمراحل.

ووفقًا لمسح أجرته الأكاديمية الروسية للعلوم عام 2017، فقد قال أكثر من ثلثي الأشخاص الذين تمت مقابلتهم إن الصين تعتمد سياسة توسعية على المدى الطويل تجاه روسيا. وعبر نحو نصف المشاركين في الاستطلاع عن اعتقادهم بأن الصين تهدد وحدة أراضي روسيا، واعتقد ثلثهم أن الصين تُهدد التنمية الاقتصادية لروسيا.

وعند هذه النقطة، يطرح السؤال نفسه، حول مدى إدراك الدولة الروسية لاحتمالات التوسع الصيني المستقبلي في الشرق الأقصى على حساب روسيا. والرد، أن النخب الروسية لطالما عبرت بالفعل في مواقف عدة عن مخاوفها من مخططات الصين التوسعية. لكن الردود الرسمية من الدولة كانت دائمًا ما تأتي في طابع تغلب عليه تفسيرات تؤكد أن ما يجري هناك عبارة عن جزء من شراكة وطيدة ستعود على الاقتصاد الروسي بالنفع في نهاية المطاف. 

ولا شك، أن روسيا فرضت بالفعل بعض القيود على معدلات تدفق المواطنين الأجانب من خلال فرض حصص مختلفة لاستقبال الهجرة من دول متنوعة، لكن تظل هذه القيود في منأى عن ردع التدفق الصيني الذي من الممكن أن يكون الوباء وما رافقه من فترات إغلاق للحدود قد أبطأت من وتيرته بالفعل. لكن هذا ليس معناه أنه انتهى أو توقف؛ إذ أن العمالة الصينية الوافدة لطالما قاومت القوانين والمحددات الروسية، وكانت تنجح بطريقة أو بأخرى أن تحضر للعمل بدون ترخيص في هذه المقاطعات. 

ولا توجد إحصاءات رسمية عن عدد العمال غير المسجلين في الشرق الأقصى. لكن يظل ما ينفي تفسيرات المسؤولون الروس دائمًا أمام السكان المحليين من قاطني هذه المقاطعات، هو أن سلوك الوافدين الصينيين لا يتسم بأي نوع من أنواع الشراكة. بل أن المزارع التي يشغلونها تشبه بشكل أكبر الحصون، تمامًا كما هو الحال لدى المناطق التي يسكنها الصينيون التي تغلب عليها لافتات مكتوبة باللغة الصينية، ويسكنها غالبية صينية، وتتطبع بشكل كامل بالطابع الصيني وكأنها قطعة من الصين على أرض روسية. وعادة ما تثير السلوكيات الصينية استياءً وغضبًا من السكان الروس المحليين. 

ومن ناحية أخرى، كشف نتائج التعداد السكاني الأخير الذي أجرته الصين لعام 2020، عن تسارع أكبر من المتوقع في الشيخوخة. وأوضح التعداد أن عدد سكان الصين بلغ رسميًا، في نهاية عام الوباء، نحو 1.411 مليار نسمة. ومن هذا المنطلق أعلنت الحكومة الصينية عن السماح للعائلات بإنجاب ثلاثة أطفال.  ولم يكن إعلانها التشجيعي على الإنجاب، كما نرى، بوازع من تناقص في تعداد السكان مثلما هو الحال لدى جارتها الروسية، بل بفعل وجود عدد كبير من المنتمين إلى سن الشيخوخة. 

لكن في كل الحالات، لا توجد أي مؤشرات توحي بأن الصين على وشك أن تفقد القوة العاملة من سكانها في خلال سنوات مثلما هو الحال بالنسبة للروس، فضلًا عن أن الثقافة الشعبية الصينية تُشجع بوجه عام على إنجاب المزيد من الأطفال، وهذا عامل آخر ينبئ عن أن الصين ستتدارك أي نقص في معدلات مواليدها خلال سنوات قليلة قادمة. ولا يعد ذلك هو الحال نفسه لدى الجارة الروسية، التي تتقدم سكانيًا ببطء شديد على الرغم من كل الجهود التشجيعية التي بذلتها الحكومة الروسية في هذا الصدد. 

وختامًا، لا شك أن موسكو وبكين تريان في الوقت الراهن ضرورة كبيرة للتعاون فيما بينهما؛ نظرًا لأن ما يجمعهما أهم مما يُفرقهما، على الأقل، حاليًا. لكن هذا لا يعني، أن مستقبل العلاقات بين البلدين يتطور بأي شكل لن يؤول في نهاية المطاف لأن يضع موسكو في قالب الشريك الأصغر لبكين. بجانب أن احتمالات التوسع الصيني في مناطق الشرق الروسي –على الرغم من النفي الروسي الرسمي- تظل قائمة وقيد التنفيذ على كل حال. 

داليا يسري

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى