آسياالأمريكتان

خلاف جديد بين واشنطن وبكين.. أمريكا تحظر استيراد السلع من إقليم الإيجور الصيني

صدق الرئيس الأمريكي جو بايدن على قرار يحظر استيراد السلع المصنعة بشكل كلي أو جزئي من إقليم شينج يانج الصيني الذي يحتضن أقلية الإيجور، الإدارة الأمريكية بررت قرارها بأنه يأتي ردعًا للسلطات الصينية التي تطبق سياسات العمل القسري في الإقليم ذو الأغلبية المسلمة، وأن استيراد هذه المنتجات من الصين يعني بشكل أو بآخر أن الولايات المتحدة تقر السياسات الصينية التعسفية في الإقليم. وعلى الجانب الآخر ثار غضب الصين التي اتهمت واشنطن بالتنمر الاقتصادي وانتهاك القانون الدولي كما لوحت بالرد على هذا الإجراء التعسفي.

وتجدر بنا الإشارة إلى أن القانون الأمريكي ينص على حظر استيراد السلع من الإقليم الصيني إلا في حال تمكنت الشركات الأمريكية من إثبات أن هذه المنتجات ليست ناتجة عن العمالة القسرية.  أما من منظور النوعية فقد اهتم القانون بثلاث سلع أساسية، وهي القطن الذي ينتج في شينج يانج بكميات كبيرة حيث يعد الإقليم من المنتجين الأساسيين له على مستوى العالم مع الوضع بالاعتبار أن الولايات المتحدة تستورد 30% من احتياجاتها من الملابس من الصين، وكذلك محصول الطماطم، وعلى مستوى الصناعات التكنولوجية مادة “البولي سيليكون” التي تعد مادة أساسية في تصنيع الألواح الكهروضوئية، وهو ما ألقى بظلاله على واردات شركة إنتل الأمريكية. وتتخوف الصين من أن القرار الأمريكي سيكون مقدمة تبني عليها باقي الدول.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\Joe Biden reuters.jpg

ولا يتوقف القانون عند هذا الحد، وإنما يمتلك كذلك أدوات لمحاسبة الأشخاص والكيانات وتوسيع القوائم السوداء الأمريكية الخاصة بأصول الشركات الصينية والسفر التي تقف خلف هذه الانتهاكات، حيث صدر القانون وسط حالة من التكتم من يوم 16 ديسمبر الجاري قبل أن يوقعه الرئيس الأمريكي، وذلك بموافقة الديمقراطيين والجمهوريين في الكونجرس حيث تتبنى الولايات المتحدة سياسة عدائية تجاه بكين.

والغريب في الأمر أن القانون قد صدر على الرغم من الضغط الذي مارسته الشركات الأمريكية، لأن وقف استيراد السلع من هناك سيضر بنطاق ومعدل أعمالها وخصوصًا شركات التكنولوجيا التي تعتمد على مكونات من الإقليم الصيني، إضافة إلى أن وضع العمالة في الولايات المتحدة مضطرب على خلفية تفشي وباء كورونا. وتداولت وسائل إعلام أمريكية القرار باعتباره الأكثر ردعًا للحزب الشيوعي الصيني فيما يتعلق بسياسات العمل الجبري. وفي هذا السياق فإن هناك أكثر من بلد يوجه اتهامات حول قيام حكومة بكين بتشغيل الأقلية المسلمة في غرب الصين بطريقة جبرية وفي ظروف عمل غاية في السوء.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\How-COVID-19-is-impacting-Muslims-across-the-world-5.jpg

وكنتيجة على القانون قامت شركة إنتل الأمريكية بتعميم بيان طالبت فيه بوقف استيراد الرقائق الإلكترونية من تلك المنطقة، وهو ما خلق حالة من الاحتجاجات في الصين بسبب تداعيات القرار وهو ما يثير نوعًا من التناقض، لأنه إذا كان هؤلاء العمال يقومون بالعمل بطريقة جبرية كما أنهم يعملون في ظروف سيئة فلماذا تجتاح الاحتجاجات المنطقة عند تعليق واشنطن للاستيراد- ولذلك فإن الأمر ربما مرتبط برغبة الإدارة الأمريكية في التضييق على الصينيين اقتصاديًا في حالة من استمرار الحرب التجارية بين البلدين، وهو ما وصفته بكين بالـ”تنمر الاقتصادي”  في حين أشارت الخارجية الأمريكية إلى أنه ليس من حق الصين توظيف الجوانب الاقتصادية لتقويض أوضاع حقوق الإنسان. 

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\الصين-تطالب-ليتوانيا-بسحب-سفيرها-لدى-بكين-1628587438201.jpeg

وعلى ما يبدو فإن القنوات الاقتصادية أصبحت الأدوات التي توظفها الدول لتصفية حساباتها السياسية، وهو ما قامت به الصين نفسها حينما قامت بوقف الاستيراد من لتوانيا على خلفية وجود عدم توافق بين البلدين بشأن تايوان، كما أن بكين قامت بتجميد الواردات من دول أوروبية أخرى لنفس السبب، وقامت بتجميد إصدار التأشيرات في ليتوانيا بعد أيام من خفض التمثيل الدبلوماسي معها.

وفي هذا الإطار تبقى سلع الدول الأوروبية مكدسة في الموانئ الصينية، وهو ما يثير قلق وامتعاض الاتحاد الأوروبي لأن بضائع القارة تعلق في الموانئ في حال أنها تضم مكون من ليتوانيا، وكان آخر فصول الأزمة عندما أكدت بروكسل أنها ستتقدم بشكوى لدى منظمة التجارة العالمية، أما الصين من جهتها فترى أن استخدام كلمة تايوان وإن كان عن طريق فتح مكاتب تمثيل تجاري يضفي على استقلالية الجزيرة شرعية وتنهي طموحات الصين في إعادة ضمها تحت شعار “الصين الموحدة”.

وكانت العلاقات قد توترت بين الصين والولايات المتحدة منذ وصول ترامب إلى السلطة، وفي وقتها تم التوقيع على اتفاق لتهدئة الأمور تضمن أن تقوم الصين بتعديل الميزان التجاري مع الولايات المتحدة ورفع وارداتها من واشنطن بقيمة 200 مليار دولار، إلا أن الأمور عادت لتتفاقم بين البلدين بعد تفشي كوفيد 19 وما تبعها من رؤية إدارة ترامب بأن الصين كانت مسؤولة عن الجائحة التي ضربت العالم مخلفة تعليقًا للاتفاق التجاري بين البلدين.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\Signing_Ceremony_Phase_One_Trade_Deal_Between_the_U.S._&_China_(49391434906).jpg

ورغم أن الرئيس جو بايدن أكد أن بلاده لا تنوي تعميق الخلافات التجارية مع بكين، إلا أن ما يحدث الآن يبدو مغايرًا لذلك حيث تعتبر الإدارة الديمقراطية الحالية أن بكين لم تلتزم بالاتفاق التجاري الذي وقعته مع واشنطن. ولذلك قرر البيت الأبيض الإبقاء على الرسوم الجمركية المشددة التي فرضتها الإدارة السابقة على منتجات صينية بقيمة 370 مليار دولار في السنة، مع اعتماد آلية إعفاءات لمساعدة الشركات الأمريكية المتوسطة والصغرى المتضررة بشدة جراء هذه العقوبات نظرًا لأن هذه الشركات لا تمتلك بديلًا عن المنتجات الصينية.

ومن هنا نستطيع أن نقول إن منهج الإدارة الديمقراطية الحالية يعتمد على المنافسة مع الصين باعتبارها قوة عظمى، وهو ما ظهر بوضوح في سياسيات الاتجاه للمحيط الهادئ لتحجيم الصين مع تطبيق الانسحاب الآمن من الشرق الأوسط-، وفي طريقها إلى ذلك تعتمد الإدارة الحالية على محاربة الصين من خلال تطبيق قيم الديمقراطية والتقارب مع الدول التي تنتمي للمعسكر الديمقراطي لمواجهة المعسكرات الاستبدادية والمنغلقة.

وحتى في هذا الإطار، بدا أن الميزان يميل للكفة الصينية على الأقل فيما يتعلق بالتنافس في منطقة الشرق الأوسط؛ ذلك أن الصين لا تمتلك عدائيات في المنطقة مثلما تمتلك الولايات المتحدة سجلًا طويلًا مع العداء مع إيران، كما أن الصين لا تعلق مساعداتها لأي من الدول النامية التي تعج بها المنطقة على قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان مثلما هو الحال في واشنطن.

ولكن الولايات المتحدة تنظر إلى ما هو أبعد من ذلك، وترى أنه إذا كانت الصين من الدول التي استطاعت تحقيق حلم اقتصادي في ظل نظام شمولي فإن هذا لن يكون الحال بالنسبة للأجيال الصينية الجديدة، خصوصًا في هونج كونج وتايوان والتي سترغب في العيش في ظل نظام حر، ومن ثم فإن قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان قد تكون ورقة واشنطن الرابحة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى