مصر

مشروعات الطرق البرية في صعيد مصر.. شرايين تنموية تمتد إلى الجنوب

تسعى الدولة المصرية منذ عام 2014 إلى إحداث نقلة تنموية بصعيد مصر، وذلك لرغبتها في تحقيق الازدهار في ذلك الجزء المهم من البلاد. فقد عانت محافظات الوجه القلبي على مدار عقود طويلة من الإهمال والتهميش، وهو ما أدى إلى تراجع مؤشرات التنمية بتلك المحافظات، لينعكس ذلك بدوره على ارتفاع مستوى الفقر بين أبناء الصعيد، وليسهم أيضًا في انخفاض مستوى جودة الحياة المتوفرة لهم.

قامت الدولة المصرية بضخ ما يقرب من 600 مليار جنيه مصري على مدار السنوات السبع الماضية لتطوير عدد من قطاعات النقل بالوجه القبلي، والتي كان على رأسها قطاع النقل البري؛ إذ تمثل البنية التحتية المتعلقة بالنقل البري عصب الاقتصاد في الصعيد، لتبدأ منذ ذلك التاريخ في تشييد وتطوير العشرات من مشروعات الطرق والكباري والمحاور المرورية.

ولقد قامت الدولة في 25 ديسمبر الجاري بافتتاح بعض منها، فيما ينتظر أن يتم افتتاح ما بقي منها على مدار الأشهر القادمة، وسيحاول المقال استعراض أبرز تلك المشروعات، والتي تتنوع ما بين محاور عرضية أعلى مجرى نهر النيل، وطرق سريعة تحيط بمحافظات الوادي.

سلسلة من المحاور العرضية على النيل

على مدار السنوات الماضية، وضعت الحكومة المصرية خطة لتقليل المسافات بين المحاور العرضية أعلى مجرى نهر النيل، وذلك لكي تصل المسافة بين المحور والذي يليه إلى 25 كيلو مترًا. لذلك أعلنت الحكومة نيتها تشييد 22 محورًا عرضيًا بقيمة 34 مليار جنيه بمحافظات القاهرة وبني سويف والمنيا وأسيوط وسوهاج وقنا وأسوان.

ولقد تمكنت أجهزة الدولة من افتتاح وتشغيل أكثر من 50% من تلك المحاور العرضية حتى الآن، وكان أحدثها محاور قوص وعدلي منصور وسمالوط وكلابشة وديروط التي تم افتتاحها في 25 ديسمبر 2021، وقد بلغت أطوال تلك المحاور الخمس 92 كيلو مترًا، وتجاوزت تكلفتها الإنشائية 8 مليارات جنيه.

  • محور قوص 

يربط مشروع محور قوص الطريق الصحراوي الشرقي بطريق القاهرة أسوان الصحراوي الغربي عابرًا النيل شمال مدينة قوص بمحافظة قنا، ويبلغ طول هذا المشروع 19 كم، ويبلغ عرضه 21 مترًا بواقع حارتين مروريتين لكل اتجاه، ويتضمن هذا المشروع 30 عملًا صناعيًا مقسمة إلى 15 نفقًا صناعيًا و15 كوبري علويًا، منها 6 كباري رئيسية على مناطق التقاطعات مع الطريق الصحراوي الشرقي، ومجرى نهر النيل، وترعة الكلابية، والطريق الزراعي الغربي والسكة الحديد، والطريق الصحراوي الغربي.

ولقد أنشئ المشروع بالأساس لتسهيل الحركة المرورية بين مناطق شرق وغرب النيل خاصة في مناطق قوص وقفط ونقادة، بالإضافة إلى الحد من مخاطر التنقل بالمعديات النهرية ذات عومل الأمان المنخفضة، لكنه سيسهم أيضًا في تعزيز الحركة السياحية والصناعية والزراعية بتلك المناطق؛ إذ يوجد بها عدد من الآثار التي تنتمي إلى حقب زمنية مختلفة، بالإضافة إلى عدد من المصانع الكبرى مثل مصانع السكر والورق ومطاحن مصر العليا، وعدد من مناطق الصناعات الحرفية الصغيرة ومتناهية الصغر، فضلًا عن دوره المتوقع في زيادة مناطق الاستصلاح الزراعي بغرب وشرق المحور.

  • محور كلابشة

يقع محور كلابشة في شمال محافظة أسوان عند مركز كوم أمبو، ويبلغ طوله الإجمالي 23 كيلو مترًا، المحور لحارتين مروريتين من كل اتجاه بعرض يبلغ 21 مترًا. ويتضمن المحور 15 عملًا صناعيًا، منها 5 أنفاق، والباقي كباري علوية عابرة على التقاطعات الفرعية. وتوجد خمسة كباري منها توصف بأنها رئيسية أعلى الطريق الصحراوي الغربي، وأعلى الطريق الزراعي الغربي، وعلى مجرى نهر النيل، وأعلى مصرف الملاح الكبير، وأعلى الطريق الزراعي الشرقي. 

فيما ينتظر منه أن يسهل حركة المرور بين الطريقين الصحراوي الشرقي والصحراوي الغربي، ليخدم بذلك قرى مركز كوم أمبو والمراكز المحيطة، ليسهم ذلك في خلق مجتمعات صناعية وزراعية جديدة بتلك المناطق، بالإضافة إلى دعم مشروعات الطاقة المتجددة وحركة السياحة المحلية. 

  • محور ديروط  

يقع المحور في مناطق مركز ديروط شمالي محافظة أسيوط، ويمتد على مسافة 29 كيلو مترًا بين الطريق الصحراوي الشرقي والطريق الصحراوي الغربي. ومثل بقية المحاور الأخرى، يبلغ عرض المحور 21 مترًا بواقع حارتين مروريتين لكل اتجاه، ويشمل المحور 16 عملًا صناعيًا، منها 12 كوبري علويًا، 3 منها فقط كباري رئيسية، وهي كوبري أعلى الطريق الصحراوي الغربي، وكوبري أعلى نهر النيل، وكوبري أعلى السكك الحديدية وترعة الإبراهيمية. ويهدف المشروع إلى المساهمة في تعزيز مجهودات التنمية الجارية في إطار محافظة أسيوط، سواء على مستوى استصلاح الأراضي، أو على المستويين الصناعي والسياحي. 

  • محور سمالوط  

تم البدء في هذا المشروع عام 2017، والهدف من بنائه هو ربط الطريق الصحراوي الغربي بالطريق الصحراوي الشرقي مارًا بشمال مدينة سمالوط التابعة لمحافظة المنيا. ويبلغ طول المحور 24 كيلو مترًا، ويبلغ عرضه 21 مترًا بواقع حارتين مروريتين لكل اتجاه.

ويحتوي المحور على 47 عملًا صناعيًا، أكثر من 60% منها كباري علوية، أما النسبة الباقية فهي أنفاق أسفل الطريق. ويعد هذا المحور من أكثر المحاور العرضية على النيل كلفة؛ إذ تجاوزت تكلفته 1.85 مليار جنيه، لكن يعول عليه في تسهيل حركة انتقال المواطنين بين شاطئي النيل والتي كانت صعبة من قبل نظرًا لعدم وجود أي كباري علوية إلا على بعد يفوق 20 كيلومترًا، بجانب أنه محور يعد عاملًا مساهمًا في تيسير حركة انتقال البضائع والمواد الخام بين المحاجر القريبة ومصنع الإسمنت ومناطق الاستصلاح الزراعي.

  • محور عدلي منصور 

يعد هذا المحور واحدًا من أهم مشروعات البنية التحتية بمحافظة بني سويف، إذ يعول عليه في خدمة حركة المركبات على ضفتي نهر النيل بمدينة بني سويف عاصمة المحافظة، والتي لم يكن يخدمها من قبل سوى كوبري واحد فقط، وهو ما أدى إلى اضطرار المواطنين إلى ركوب المعديات أو السير لمسافة 40 كلو مترًا حتى عبور كوبري مركز الواسطى.

ومن المتوقع أن يسهم المحور في دعم عمليات التنمية العمرانية بمدينة بني سويف الجديدة، وسيخدم أكثر من 100 مصنع بالمنطقة الصناعية شرق النيل، فضلا عن تسهيل عملية الترابط بين مدينة بني سويف والطرق الصحراوية الشرقية والغربية، ويبلغ طول جسم المحور بمطالعه ومنازله 7 كيلو مترات، وبلغت تكلفته 1.15 مليار جنيه مصري.

  • محور شمال الأقصر 

بدأت الدولة منذ أغسطس الماضي في تشييد محور شمال الأقصر، والذي سيربط الطريق الصحراوي الشرقي بالطريق الصحراوي الغربي. ومن المخطط أن يمر المحور بعدد من التقاطعات مثل طريق طيبة، وطريق مصر أسوان الزراعي الشرقي، وخط السكة والطريق الزراعي الغربي.

وتتمثل أهمية هذا المحور في دعم الحركة السياحية بالمحافظة، بالإضافة إلى تسهيل انتقال المواطنين المحليين، إذ ستكون له الكثير من المطالع والمنازل المؤدية إلى المواقع الأثرية والقرى المختلفة بالأقصر، بجانب كونه سيمثل طريق ربط بشكل مباشر بين القطار السريع في خطه الثاني وهو القادم من مدينة 6 أكتوبر إلى الأقصر، وبين القطار السريع في خطه الثالث القادم من اتجاه البحر الأحمر. ويتوقع أن يبلغ طول المحور قرابة 20 كيلو مترًا، ويتكلف قرابة 2 مليار جنيه مصري. 

شبكة متطورة من الطرق السريعة

حرصت الدولة منذ أكثر من سبعة سنوات على تطوير وتقوية شبكة الطرق البرية الرابطة بين شمال البلاد ومحافظات الصعيد، وذلك لدفع عمليات التنمية نحو الجزء الجنوبي من مصر. لذلك قامت بتطوير ما يزيد على 17 ألف كيلو مترًا من الطرق البرية الرئيسية بكافة محافظات الصعيد، وقامت بتطوير 28 ألف كيلو متر من الطرق الداخلية. وتتناول السطور التالية نماذج من مشروعات الطرق التي جرى تنفيذها أو يتم العمل عليها حاليًا.

  • الطريق الصحراوي الغربي   

يبلغ طول الطريق أكثر من ألف كيلو متر، وهو ممتد من جنوب القاهرة حتى الحدود الجنوبية عند معبر أرقين. ويعد الطريق الغربي جزءًا من مشروع طريق القاهرة كيب تاون، لذلك تولي الدولة اهتمامًا كبيرًا بعملية تطويره التي بدأت عام 2019، وكانت أولى مراحلها التي انتهت بالفعل هي المسافة بين محافظتي القاهرة والمنيا بطول 230 كم.

وتجري الحكومة حاليًا عددًا من المباحثات مع بعض المنظمات الدولية كالبنك الأفريقي للتنمية؛ لتمويل باقي المشروع بوصفه جزءًا من طريق القاهرة كيب تاون.  ولقد تضمن المشروع في تلك المرحلة تشييد عدد من الأعمال الصناعية مثل كوبري التقاطع على طريق الفيوم مع طريق أسيوط الصحراوي الغربي، ومحطة لتحصيل الرسوم.

ولقد تضمنت خطة تطوير الطريق عملية توسعته إلى ثلاث حارات في كل اتجاه، وأيضًا إنشاء طريق خدمة موازٍ خاص بالشاحنات؛ وذلك لخدمة حركة النقل الخاصة بالضائع المصنعة والخامات المعدنية والمحجرية القادمة من وإلى القاهرة. هذا فضلًا عن دعم الطريق بمجموعة من الأنفاق في مناطق التقاطعات، وذلك لتيسير مرور المركبات إلى الجهات المقابلة، وتقليل معدلات الحوادث على الطريق. 

  • الطريق الصحراوي الشرقي  

على غرار الطريق الصحراوي الغربي، تقوم الدولة المصرية الآن بتطوير الطريق الصحراوي الشرقي، والذي يمتد بين القاهرة وأسوان بطول يفوق 800 كيلو متر. ويتشارك عدد من جهات الدولة حاليًا في تطوير هذا الطريق مثل وزارة الإسكان ووزارة النقل والهيئة الهندسية للقوات المسلحة، حيث تقوم كل وزارة بتولي عملية تطوير عدد من قطاعات الطريق. ومن أبرز الأمثلة على ذلك قطاع محافظة أسوان الذي تنفذه وزارة الإسكان بطول 23 كيلو مترًا. 

ويتضمن المشروع عددًا من الأعمال الصناعية الضخمة؛ مثل طرق الخدمة المصنوعة من الخرسانة والتي تتحمل الشاحنات الثقيلة، والكباري العلوية فوق التقاطعات مثل السكك الحديدية والطرق السريعة المتعارضة، بالإضافة إلى حفر عدد من مخرات السيول تحت الطريق، لتلافي تهدمه أثناء فترات السيول، لذلك تبلغ قيمة تطوير الطريق في قطاع محافظة أسوان وحده 600 مليون جنيه مصري. 

وتقوم وزارة النقل حاليًا بتولي قطاع طريق قنا – الأقصر بمحافظة قنا، والذي يمتد بطول 36 كيلو مترًا، إذ تقوم برفع كفاءة الطريق وازدواجه، وهو ما يضاعف من عرض الطريق إلى 23 مترًا. وتستخدم في هذا الطريق تقنيات حديثة من أجل إعادة تدوير طبقة الأسفلت القديمة، وهو ما يساعد على عدم إهدار المادة الأسفلتية الخام المتوفرة، ويقلل أيضًا من تكلفة شراء الأسفلت الجديد، لذلك لا تتجاوز تكلفة تطوير هذا الطريق إلى الآن أكثر من 290 مليون جنيه مصري. 

  • طريق منفلوط – الواحات الداخلة  

يعد هذا الطريق شريانًا لربط مركز منفلوط بمحافظة أسيوط بمركز الداخلة بمحافظة الوادي الجديد. ويسهم هذا الطريق في تقليل المسافة بين المركزين من ٤٥٠ كيلو مترًا إلى ٢٥٠ كيلو مترًا. ولقد تم تشييده بهدف دعم مشروعات التنمية في المحافظتين.

ومن المنتظر أن يسهم في تسهيل إقامة المجتمعات العمرانية الجديدة على امتداده، بالإضافة إلى دعم الحركة اللوجستية للمشروعات الاستثمارية الصناعية والزراعية والتعدينية والسياحية، بالإضافة إلى تقليص زمن الرحلة المستقطع بين المحافظتين. ولقد اتسمت أرض المشروع بالوعورة الشديدة، حيث بلغ فرق المنسوب بين الأرض في بعض المناطق أكثر من 320 مترًا، وهو ما كان سببًا في ارتفاع تكلفة المشروع لقرابة 2.5 مليار جنيه.

  • طريق هضبة أسيوط

جرى إنشاء هذا الطريق بالأساس من أجل ربط مدينة أسيوط عاصمة المحافظة بالطريق الصحراوي الشرقي، عبر هضبة أسيوط بطول 22كم، ويخدم الطريق أيضًا مدينة غرب أسيوط الجديدة، ويساعد على نقل البضاع والخامات المحجرية القادمة من المحاجر القريبة.

ويتميز هذا الطريق باستخدام الطاقة الشمسية في إضاءته، وهو ما يساعد على عدم تلويث المناخ من جراء استخدام الكهرباء المولدة من احتراق النفط الأحفوري أو الفحم، وكذا يتميز الطريق باحتوائه على عدد من الأعمال الصناعية التي تسهل حركة المجتمعات المحلية المحيطة به، مثل كوبري تقاطع طريق الغنايم مع السكك الحديدية بطول 1.8 كيلو متر، وكوبري مصرف الزنار، وعدد من الأنفاق والمدقات أسفل الطريق لتسهيل مرور الأهالي والمزارعين. 

  • طريق ديروط الفرافرة 

شُيّد هذا الطريق بهدف تسهيل الترابط بين واحة الفرافرة ومحافظة أسيوط، ويبلغ طوله 310 كيلو مترًا، ويقلل المسافة بين المحافظتين بنسبة 70%، ومن المنتظر أن يسهم في تحقيق زيادة في حجم التبادل التجاري والنشاط السياحي بين المحافظتين، بالإضافة إلى إتاحة الفرص من أجل إقامة مجتمعات عمرانية وقرى جديدة على جانبيه. 

ختامًا، يمكننا الإيجاز بالقول إن الدولة عازمة على خلق حالة حقيقية من التنمية بمحافظات الصعيد، وذلك من خلال مشروعات استراتيجية متعددة، لكن تلك المشروعات لم يمكن أبدًا تحقيقها بدون تشييد وتطوير الطرق البرية والتي تعد عصب الحركة والتنقل بمحافظات الصعيد. لذلك تجب الإشادة بتوجه الدولة الواعي في عملية تطوير وتشييد الطرق البرية، والتي تشكل الآن شبكة قوية متطورة خادمة للمواطن وللاقتصاد الوطني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى