سوريا

الحدود الحمراء.. الجزيرة السورية دفة الحرب الجديدة

لم يعرف العالم بعد الحرب العالمية الثانية حركة مكثفة لجيوش القوى الدولية والإقليمية داخل ميدان قتال واحد كما حصل في سوريا. فالبلد التي مزقتها الحرب الهجينة على مدار عقد كامل ماتزال ساحة مواجهة بين خمسة جيوش، تمتلك من القدرات والإمكانات ما يفيض بكثير عن التأثير في مجريات الحرب السورية. 

فالميدان السوري جمع جيوش الولايات المتحدة وتركيا وإيران وسوريا وروسيا، في نقاط تماس جسدت بدورها حرب خطوط الغاز وصراع المحاور، بين المحور التركي القطري ضد المحور السوري الإيراني الروسي. ومحور الغرب والناتو ممثلين في الولايات المتحدة وتركيا ضد روسيا. ولاحقاً محور القوى العربية الداعمة لمشروع الدولة الوطنية، ضد محور تركيا وإيران الداعم لمشاريع التوسع الأممية وتخليق شبكات من التنظيمات المسلحة تعمل كوكيل تنفيذي للقرار الاستراتيجي لأنقرة وطهران.

مما وضعنا أمام تشكيلة من الصراعات الهجينة التي تضافرت فيها أدوات الاستخبارات مع القوة الصلبة، وتقاطعت فيها مصالح القوى الإقليمية مع التنظيمات المصنفة إرهابيًا بموجب قرارات مجلس الأمن الدولي كما في حالة ارتباط الاستخبارات التركية في إدلب بهيئة تحرير الشام “جبهة النصرة” سابقًا.

هذا الوضع أسفر عن اكتساب العديد من نقاط الاشتباك في الميدان السوري؛ نمط الحروب الرمادية (grey – zone conflict) وهي تلك الحالة الواقعة بين السلم والحرب وإن كانت تنطوي في ظاهرها على أعمال حرب ولكن من دون مستوى الصراع العسكري الكامل. 

احتلت ادلب واجهة هذا النوع من الحروب، وجسدت وبحق أوضح صوره وخاصة بعد تحرير مدينة حلب العام 2016. إلا أن الزخم الإعلامي والأكاديمي واهتمام محللي الاستخبارات المعنين بتفكيك العقد الروسية – التركية قد شتت الأضواء قليلاً عما يجري في شمال شرقي سوريا، في منطقة الجزيرة السورية، حيث تحولت هذه المنطقة من أكثر مناطق سوريا هدوءً – قياسًا على ما كان يجري في غوطة دمشق والبادية وحلب وحمص – إلى واجهة الحروب الرمادية.

وكما دفعت ادلب بتهديدات طالت حتى الاتحاد الأوروبي – موجات اللاجئين – نتيجة لكونها نموذج للحروب الرمادية، فإن منطقة الجزيرة السورية قد تدفع بتهديدات أكثر حدة للنظام الأمني الإقليمي نظرًا لقيمتها الاستراتيجية العالية ليس في إبطاء أو تسريع وتيرة الاقتتال في سوريا فحسب، بل لارتباطها بالتغيُّر في العقيدة العسكرية الامريكية من جهة، ومن جهة أخرى ارتباطها بمشاريع التوسع التركية والإيرانية والروسية في آن واحد.. فكيف تمثل هذه المنطقة تهديدًا للنظام الإقليمي وماذا يجري فيها منذ أشهر، وإلى أي مدى من الممكن أن تؤثر الأوضاع فيها على مشاريع الربط الطاقوي بين مصر والأردن وسوريا ولبنان والعراق؟ 

الجزيرة السورية.. ثنائية النفط والغذاء

تعد منطقة الجزيرة السورية بمثابة إقليم داخلي سوري يقع في الشرق والشمال الشرقي لسوريا تشمل محافظات “الرقة – دير الزور – الحسكة”. وتحدها من الشمال تركيا ومن الشرق العراق. وبعيدًا عن تفاصيل الموارد الطبيعية في هذه المنطقة، إلا أن تقاطع حدودها مع كل من تركيا والعراق من هذه الجهات، وفي هذه الظروف – اتساع نشاط الإرهاب العابر للحدود – وبُعدها الجغرافي عن دمشق والساحل السوري، قد حوّلها إلى آخر المناطق التي يستهدفها المجهود الحربي للجيوش الخمسة. 

تبلغ مساحة الجزيرة السورية نحو ثلث مساحة سوريا، وتحتوي على 90% من الثروة النفطية بالإضافة إلى 45% من إنتاج الغاز خاصة في ريفي الحسكة ودير الزور حيث أكبر حقول وآبار النفط والغاز، منها حقول الرميلان والعمر والكونيكو. وتنتج هذه المنطقة معظم احتياجات سوريا من القمح. 

ويمر عبرها نهر الفرات، الذي أضاف لطبوغرافيا الحرب في سوريا مصطلحات “شرق الفرات – غرب الفرات” كونها حدود فاصلة بين مناطق نفوذ القوى الدولية والإقليمية، والذي يعني المرور عبرها شرقًا وغرباً لأي من هذه القوى تحولاً أمنيًا يسهم في تغيير خريطة الانتشار العسكري لهذه القوى بشكل مهدد على نحو كبير قد يستدعي استخدام القوة العسكرية؛ بل استدعاها أكثر من مرة قبل ذلك.

فمنطقة الجزيرة السورية بمثابة قلعة للنفوذ الأمريكي في سوريا، حيث وفرت واشنطن الدعم العسكري لوحدات قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية، وتمركزت هناك عسكريًا من خلال قواعد ومحطات استخبارات منذ بداية الانخراط العسكري الأمريكي في سوريا في 23 سبتمبر 2014، حين نفذت واشنطن أولى ضرباتها الجوية في سوريا. 

ومنذ ذلك الحين، رُسِمت حدود حمراء حول هذه المنطقة، وأصبحت حركة الآليات العسكرية فيها سواء لوكلاء أو جيوش نظامية تخضع لتفاهمات مع واشنطن بالأساس، كعملية نبع السلام التركية في أكتوبر العام 2019، حين سمحت للجيش التركي بالتوغل بمحاذاة المسافة الواقعة بين مدينتي تل أبيض ورأس العين بعمق 32 كم.

وحين تخطت روسيا هذه الحدود الحمراء واندفعت لشرق الفرات من خلال مرتزقة فاجنر في فبراير من العام 2018، استخدمت واشنطن القوة العسكرية الغاشمة وقامت بتصفية جميع التشكيلات المتسللة إلى المنطقة، وبعدها أعلنت موسكو أن 5 من مواطنيها قد قُتِلوا في سوريا في حين أعلنت الولايات المتحدة أنها أوقعت نحو 100 قتيل – مؤيد لدمشق – في دير الزور. وكان ذلك أول مواجهة بين قوات شبه عسكرية روسية وعسكريين أمريكيين بعد الحرب الباردة. 

ما الذي طرأ على منطقة الجزيرة السورية بعدما ثبتت واشنطن حدودها الحمراء؟

شكلت إدارة ترامب تغيرًا في العقيدة العسكرية الأمريكية الخاصة بالانتشار العالمي، إذ بدت الولايات المتحدة أكثر ميلًا للانكفاء على الداخل وتقليل بصمتها العسكرية وخاصة في منطقة الشرق الأوسط، واستثمار أصولها العسكرية في مواجهة الصين منفردة، والصين وروسيا في منطقة الباسيفيك. 

لكن التغير في العقيدة العسكرية لواشنطن لم يكن مصحوبًا باستجابة تكتيكية مناسبة من البنتاجون كونه العقل المسؤول عن إدارة هذه الأصول العسكرية بجانب مجتمع الاستخبارات، وأدى هذا التضارب إلى دخول كل من روسيا وسوريا وإيران لمرحلة جس نبض الأمريكي، حيال الاقتراب من منطقة الجزيرة السورية. فعلى الرغم من تواجد وحدات رمزية للجيش العربي السوري في كل من الحسكة ودير الزور، إلا أن السيطرة الفعلية على الأرض تذهب لواشنطن وحلفاءها المحليين “قسد”. 

وبعد إعلان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب نيته الانسحاب من سوريا في أكتوبر 2019 وبالتزامن مع بدء تغول الجيش التركي؛ سارعت موسكو إلى التسلل لمنطقة شرق الفرات وهذه المرة ليس عبر مرتزقة فاجنر، وإنما من خلال قواتها النظامية. حيث سيطرت موسكو على مطار القامشلي، وجهزته ميدانيًا لاستيعاب مقاتلاتها الجوية وحولته إلى ثكنة لقواتها الخاصة. ومن القامشلي بدأت التسلل الروسي جنوبًا باتجاه دير الزور، وشرقًا باتجاه الرقة. 

وأصبحت الجزيرة السورية نقطة تماس بين الجيش الروسي والسوري من جهة، والأمريكي والتركي من جهة أخرى. وعليه، شكلت نقاط التماس المباشرة تلك خريطة الانتشار العسكري الأمريكي في سوريا الذي ضم 13 نقطة موضحة في الشكل التالي

وأصبحت واشنطن تدير أصولها العسكرية في شمال شرقي سوريا انطلاقًا من قواعد صغيرة وحقول للنفط والغاز، فيما أظهرت صور تداولتها وسائل الاستخبارات مفتوحة المصدر تنصيب موسكو لمنظومة إس 300 للدفاع الجوي في مطار الطبقة العسكري. إلا أن معيار القوة الجوية مازال لصالح واشنطن وقوات التحالف، فليس بمقدور موسكو استخدام وسائل الدفاع الجوي بعيد المدى ضد الأهداف الأمريكية القريبة.

تسلل بطيء ومن ثم بناء شبكة من الأصول العسكرية “قواعد ومطارات”، كان ذلك محصلة التوجه الروسي ناحية الشمال الشرقي السوري، في محاولة لتدشين توازن ميداني جديد مع الأمريكي ووقف التحشيدات العسكرية التركية، بل وربطها بسياقات التفاهمات الثنائية في إدلب.  دفعت تلك الحالة إلى إظهار واشنطن وتلويحها بقوتها العسكرية من جهة من خلال إجراء المناورات العسكرية مع قوات قسد، ومن جهة أخرى دفعت بقدوم لاعب آخر بالمنطقة، وهي إيران.

إيران.. والتوجه من البادية إلى الجزيرة السورية

حيث تُقابل الولايات المتحدة محصلة الفكر الاستراتيجي الإيراني في إدارة خطوط الإمداد والمواصلات، في نقطة تمركز رئيسية تعمل كآلية ماصّة للضربات الإيرانية، وكحائط صدّ أمام خطوط الإمداد الإيرانية التي تهدف لوصل طهران بدمشق والساحل السوري ومن ثم بيروت.

هذه النقطة هي قاعدة التنف العسكرية التي تشرف على طريق بغداد – دمشق الدولي، حيث تتمركز الولايات المتحدة هناك من خلال عناصر للقوات الخاصة وأنظمة الدفاع الجوي ومعدات الاستطلاع والاستخبارات الإلكترونية وماتزال تشكل قاعدة التنف هدفًا دوريًا لهجمات الميلشيات الموالية لإيران والتي استخدمت فيها منذ مطلع العام الجاري الطائرات المسيرة والانتحارية. 

بيد أن واشنطن ماتزال هي الأخرى تواصل ضرباتها الجوية لمحيط معبر البوكمال ومنشآت البنية التحتية الخاصة بالمليشيات المدعومة بإيران، وشهد محيط المعبر أبرز ضربتين لسلاح الجو الأمريكي في فبراير ويونيو من العام 2021. وتأتي الضربات الأمريكية في خط البوكمال – التنف، ليس فقط لمواجهة المليشيات الموالية لإيران أو الرد على ضرباتها على قاعدة التنف وباقي الأصول العسكرية الامريكية في العراق؛ وإنما تجيء لمنع إيران من تدشين خط إمداد جديد لها في الشمال العراقي والسوري، هذا الخط “سنجار – القامشلي – الحسكة”، لوصل هذا الخط ببادية دير الزور والرقة. 

ونشر المرصد المصري ورقة تحليلية في مارس الماضي تحت عنوان “خطوط التماس: تصادم تركي إيراني في العراق.. ماذا يحدث؟”، تطرق من خلالها إلى التوجه الإيراني شمالاً لتدشين خطوط إمداد جديدة.  

إذن، أين تقابل الجميع؟

في بلدة تل تمر “الدائرة الحمراء”، حيث نفذت فيها قوات الجيش السوري مناورات بالذخيرة الحية تحت غطاء جوي من المروحيات الروسية في مطلع نوفمبر 2021. بينما تصدت مقاتلات حربية تابعة لقوات التحالف الدولي لهذه المناورة، إذ حلقت في أجواء قريبة من تل تمر وحذرت بعدم الاقتراب من مجال قواعدها. 

كما كانت المناورة السورية الروسية على مقربة من نقاط التماس مع الجيش التركي ما استدعى إرسال أنقرة لتعزيزات عسكرية في انتظار ساعة الصفر للانقضاض على شريط حدودي آخر يفصل مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية كما تم في عفرين وإدلب. 

حتى قوات سوريا الديمقراطية قامت بتسيير دوريات لها في تل تمر، تبعها دورية للقوات الامريكية، وفي هذه الأثناء وصلت تعزيزات عسكرية من قواعد التحالف في إقليم كردستان العراق باتجاه القواعد الامريكية في الشمال الشرقي السوري ووصلت إلى 180 شاحنة وآلية ودخلت على 6 دفعات لتقديم الدعم المناسب لأكثر من 900 جندي أمريكي منتشر في المنطقة. 

وبالنظر لتلك التطورات الميدانية الحرجة التي تجري في أقاصي شمال شرقي سوريا، يتضح جملة من النقاط:

  • لا توجد مؤشرات على نية واشنطن سحب قواتها من الجزيرة السورية بالرغم من تنفيذ انسحابات كلية من أفغانستان والعراق، إلا أن التواجد العسكري لواشنطن في الجزيرة السورية مازال يستقبل دخول أرتال عسكرية محملة بالمعدات والآليات بما يؤشر على احتمالية تطوير واشنطن لقواعدها في تلك المنطقة لتصبح أكثر ملائمة لعمليات الحرب الخاطفة. 
  • التمركز في التنف جنوبًا وتحقيق السيطرة النارية على طول الحدود السورية العراقية يبدو الخيار الأفضل لواشنطن لمواجهة الطرق البرية التي تدشنها إيران لربط طهران ببغداد ودمشق وبيروت. مع العلم أن ذلك لن يتحقق بصورة كاملة لو تخلت واشنطن عن قلاعها في شمال شرقي سوريا. إذ ستغدو هذه المنطقة بالانسحاب الأمريكي تحت السيطرة النارية الروسية التي ستدير عملية تقسيم مناطق النفوذ بين تركيا وإيران و”قسد” وسوريا. 
  • تحول الجزيرة السورية إلى منطقة صراع رمادية تجمع بين الجيوش الخمسة، وهو ما لم يتحقق في حالة إدلب التي جمعت روسيا وتركيا وسوريا. ما ينبئ بسيناريوهات مدمرة لمنظومة الأمن الإقليمي في حال انتقل الصراع الحالي إلى مستوي الصراع العسكري الكامل على غرار الحرب الخاطفة التي اندلعت بين الجيش السوري والتركي في ادلب في الربع الأول من العام 2020. 

تداعيات تفاقم منطقة الصراعات الرمادية في الجزيرة السورية:

ثمة تداعيات يمكن الوقوف عليها من تفاقم التصعيد العسكري في الجزيرة السورية وتؤثر هذه التداعيات على سائر مناطق سوريا:

  • تسرب النفوذ الإيراني إلى مناطق البادية وجنوب سوريا: تعتبر إيران الطرف الأضعف في منطقة الجزيرة السورية، فالظروف التي تحيط بخططها للانتشار هناك تعتبر خانقة، فهناك اعتراض روسي على أية تواجد إيراني في المنطقة يًزكي من حركة المقاتلات الأمريكية، فضلاً عن مواجهة تركية لها في تلك البقعة، ما قد يدفع إيران إلى الرهان أكثر على تسللها الثقافي والتعليمي والديني في جنوب سوريا، والتسلل من هناك باتجاه مناطق خفض التصعيد وخاصة في درعا بما يهدد بجعل إحداثيات خط الغاز العربي تقع ضمن منطقة حرب حقيقية، وتباعًا تعيق المخططات المصرية في إيصال الغاز والكهرباء لسوريا ولبنان. ويتماشى هذا الهدف مع تطلعات طهران الرامية إلى احتكار القرار السياسي في لبنان من خلال توظيف أزمات الطاقة واحتكار وسائل حلها. وتجدر الإشارة لتعرض خط الغاز العربي لهجوم في 18 سبتمبر 2021 أوقف إمدادات المنطقة الجنوبية، ولا يمكن فصل هذا التفجير عن إعلان مصر وسوريا ولبنان والأردن الاتفاق على تصدير الغاز إلى لبنان من خلال هذا الخط. 
  • الإبقاء على توازن الضعف في سوريا، وهو توازن يقوم على استنزاف القوى في حروب باردة تفضي لحدوث توترات إقليمية تهدد مشاريع الربط الطاقوي باتجاه العراق مستقبلًا. 

ختامًا، يبدو أن حركة الحرب السورية قد شابهت حركة عقارب الساعة، إذ بدأت شرارة الحرب في درعا ثم ارتحلت لدمشق ومرت بحمص وادلب ودمرت حلب وأخيرًا استقرت في الجزيرة السورية باحثة عن خطوط حمراء جديدة توقف حركة الجيوش ووكلائها وتعيدها إلى حالة الجمود أمام نقاط تماس، كما حدث طيلة تسعة أشهر سابقة حين استقرت خطوط التماس في سوريا لأول مرة لستة أشهر متصلة. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى