مصر

منتدى شباب العالم واستثمار الرعاية المجتمعية في التمويل

ما إن أعلنت إدارة منتدى شباب العالم عن قرب انطلاق المنتدى في نسخته الرابعة بمدينة شرم الشيخ، خلال الفترة من 10 إلى 13 يناير 2022، إلا وانطلقت الألسنة المحبطة لعزيمته، بين مشكك في أهميته، وآخر يذم في الدولة بدعوى تضييع أموالها هباءً لإقامة مؤتمر دولي لبضعة آلاف من الشباب، بدلًا من استثمارها في إقامة مشروعات تحد من البطالة، أو تنتشل البعض من براثن الفقر. وهو ما يدفعنا إلى التساؤل.. هل تنفق الدولة أموالها بسخاء في مؤتمرات دعائية في حين يعيش ربع سكانها تحت خط الفقر، وتضيع فرصة استثمارها؟ وهل هذه المنتديات تتناول موضوعات ذات جدوى؟

لا يكلف موازنة الدولة مليمًا

على خطى النسخ السابقة، من المرجح أن تسير النسخة الرابعة من منتدى شباب العالم فيما يتعلق بتمويلها؛ وبالبحث عن مصادر تمويل النسخ الثلاث السابقة أو حتى مؤتمرات الشباب الوطنية، نجد أنها لم تكلف موازنة الدولة مليمًا، فيتم تمويل المنتدى من مصدرين رئيسين هما: 

  • الأول: «الإعلانات المدفوعة» التي تتسابق الجهات المعلنة للمشاركة فيها، لا سيما مع نجاح وانتشار مؤتمرات ومنتديات الشباب محليًا ودوليًا.
  • الثاني: «الجهات المانحة المحلية أو الرعاة» مثل البنوك ومؤسسات المجتمع المدني وغيرها، التي تقدم منحًا لتمويل الحدث؛ ففي النسخة الأخيرة والتي أقيمت عام 2019، أعلنت إدارة المنتدى أن قائمة الرعاة الرسميين تشمل (البنك الأهلي المصري – بنك مصر – بنك القاهرة – البنك التجاري الدولي – بنك قطر الوطني الأهليQNB -مجموعة طلعت مصطفى – الشركة المصرية للاتصالات WE  -المصرف المتحد – بنك التعمير والإسكان – بنك فيصل الإسلامي – البنك العربي الأفريقي الدولي – البنك المصري لتنمية الصادرات – البنك الزراعي المصري – بنك قناة السويس – بنك الشركة المصرفية العربية Saib  -بنك التنمية الصناعية والعمال المصري – البنك المصري الخليجي EG Bank -بنك بلوم – بنك البركة – شركة كوكاكولا).

وكذا، كان من أبرز الرعاة الرسميين لمنتدى عام 2018: البنك الأهلي المصري، وبنك مصر، والبنك التجاري الدولي سي آى بي، وشركة دبليو إى التابعة للشركة المصرية للاتصالات، ومجموعة طلعت مصطفى للتطوير العقاري، والمصرف المتحد، وبنك القاهرة، وجامعة المستقبل، وجامعة أكتوبر للعلوم الحديثة والآداب. ويلاحظ تزايد أعداد الرعاة الرسميين للمنتدى عامًا تلو الأخر. 

فيما قامت شركة مصر للطيران بدور الناقل الرسمي لضيوف منتدى شباب العالم بنسخه الثلاث الماضية، وقد تم وضع شعار المنتدى على طائرات الشركة ومعداتها وسياراتها الأرضية للترويج لهذا الحدث العالمي. فيما تعد قنوات dmc، وشبكة قنوات ON، وقنوات الحياة، وراديو النيل، أبرز الشركاء الإعلاميين القائمين على تغطية فاعليات المنتدى.

G:\مرصد\نوعي\تمويل المنتدى\Untitled.png

أما عن المنتدى القادم والمقرر عقده خلال أيام، فقد أعلنت الصفحة الرسمية للمنتدى عن أول الرعاة؛ حيث تقوم بالم هيلز برعاية مسرح شباب العالم لعام 2022. وأطلقت شركة المياه الغازية “بيبسي” نسخة خاصة من عبوات المياه الغازية تحمل شعار “منتدى شباب العالم”، وذلك قبل أيام من انطلاق النسخة الرابعة من المنتدى.

WhatsApp Image 2021-12-21 at 7.30.11 PM (1)

فالمنتدى بمثابة أكبر حملة دعائية بين شباب العالم المهتمين بالمنتدى، فالأموال المخصصة للمنتدي من قبل الرعاة والشركاء والقطاع الخاص كانت توجه قبل ذلك في أوجه أخرى أقل فائدة كالتسويق- والتي كانت تقتصر على النطاق المحلي فقط في كثير من الأحيان أو الاستهداف الجغرافي للمنتجات العالمية- لكنها من خلال المنتدى بمثابة تسويق على نطاق عالمي، بجانب كونها توجه لرعاية الشباب وقضاياهم. 

لذا يمكننا القول إن المنتدى لا يكلف خزينة الدولة مليمًا واحدا، بل ويساعد في الترويج السياحي لشرم الشيخ بشكل خاص ومصر بشكل عام، ويعوضها عن ميزانيات التسويق السياحي. وقد حقق المنتدى المرجو منه خلال الأعوام الماضية، سواء من حيث التسويق والترويج السياحي، أو من خلال أجندته وفعالياته التي تدعو إلى التواصل بين شباب العالم والتأكيد على رسالة السلام وقبول الآخر

ماذا لو؟!

رغم ما أثبتناه من قيام الرعاة بتمويل المنتدى على مدار سنوات، إلا إننا سنفترض لوهلة صحة أكاذيب بعض الادعاءات، فإذا سلمنا بصحة جدلية “أن الحكومة تسهم في تمويل المنتدى”؟! فهل الأمر ذو جدوى اقتصادية؟

بدايةً، يعد قطاع السياحة أحد أكثر القطاعات تضررًا من تفشي جائحة كورونا؛ فوفقًا لتقرير صادر عن منظمة السياحة العالمية، ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة، والتنمية في يونيو 2021، تكبدت السياحة الدولية والقطاعات المرتبطة بها خسائر تقدر بنحو 2.4 تريليون دولار في عام 2020؛ بسبب الآثار المباشرة وغير المباشرة للانخفاض الحاد في عدد السياح الدوليين الوافدين، ومن المتوقع أن يخسر الاقتصاد العالمي أكثر من 4 تريليونات دولار بسبب تأثير فيروس كورونا على السياحة.

وقد شهد قطاع السياحة في مصر عام 2020 تدهورًا حادًا مقارنة بفترات الأزمات السابقة، بعدما حقق مستويات عالية في عام 2019، وعملت الحكومة خلال الفترة السابقة على اتخاذ عدد من الخطوات التي من شأنها تقليل حدة آثار الجائحة على القطاع، أبرزها ما يلي: 

  • إرجاء السير في إجراءات توقيع الحجز الإداري على المشروعات الفندقية والسياحية لمدة عامين ينتهيان في 31 ديسمبر 2021.
  • إرجاء سداد المديونيات المستحقة على المنشآت الفندقية عن أزمة فيروس كورونا ليبدأ السداد مجدولا على (36 شهرًا) اعتبارًا من مايو 2021.
  • إرجاء سداد المستحقات عن مقابل استهلاك الكهرباء والمياه والغاز للمنشآت السياحية والفندقية من أبريل حتى 31 ديسمبر 2020، ثم تخفيض النسبة التي تقوم بسدادها المنشآت الفندقية والسياحية اعتبارًا من 1 يناير 2021 حتى أبريل 2021 ليتم سداد 40% بالنسبة للمنشآت الفندقية على مستوى الجمهورية والمنشآت السياحية في المحافظات السياحية (الأقصر أسوان – جنوب سيناء – البحر الأحمر) مع استمرار إرجاء سداد المديونيات سابق الموافقة على إرجاء سدادها حتى 30 أبريل 2020.
  • مد آجال الإقرارات الضريبية (3 أشهر).
  • انتظام صرف الإعانة المقدمة من صندوق الطوارئ بوزارة القوى العاملة (من أبريل حتى ديسمبر 2021).
  • الإعفاء من سداد رسوم التأشيرة للسائحين الوافدين إلى محافظات جنوب سيناء والبحر الأحمر والأقصر وأسوان (من يونيو 2020 حتی 30 أبريل 2021).

وغيرها من الإجراءات لدعم القطاع السياحي، إلا أن هذه الإجراءات -في حقيقة الأمر- لم تكن بالقدر الكافي لحماية وتأمين قوت بعض الفئات المستفيدة من القطاع السياحي بشكل غير مباشر، وصولًا إلى الباعة الجائلين بالمدن السياحية. 

فكان لابد من وسيلة تعيد تشغيل وتنشيط القطاع السياحي مرة أخرى، خاصة وأن كما هو ملاحظ أن غالبية إجراءات دعم القطاع السياحي ستنتهي بنهاية العام الجاري، ومنها ما انتهى تطبيقه بالفعل، وسيكون المستفيدون من الإجراءات الحمائية وغير المستفيدين في موضع خطر من استمرارية توقف القطاع. 

فلو سلمنا بمشاركة الحكومة في تمويل المنتدى، فهي في النهاية صورة أخرى من الإنفاق الحكومي لدعم وتنشيط القطاع السياحي، بإعادة تشغيل الفنادق وشركات الحجز السياحي، وحركة الطيران، والبازارات، وأصحاب الأنشطة الترفيهية.. وغيرها من الأنشطة. وفي نفس الوقت، الاستفادة من إقامة المنتدى، وما له من أهمية على المستويين المحلي والدولي، كما سنتناولها فيما يلي.

هل الأمر يستحق؟

السؤال الذي يطرح نفسه الآن، هل منتدى شباب العالم من الأهمية بمكان لإقامته بشكل دوري؟ فرغم حداثة عهد إطلاق المنتدى إلا أنه أضحى أحد أهم التجمعات الدولية المعتمدة للحوار بين مختلف شباب العالم. لما يطرحه من قضايا وتحديات على طاولة النقاش بحضور الرئيس السيسي وعدد من صناع القرار حول العالم. فقد استضاف المنتدى بنسخه الثلاث الماضية ما يزيد على 18 ألف شاب وفتاة من 160 دولة حول العالم. وتم تقديم 15 ورشة عمل و100 جلسة، و4 نماذج محاكاة، ضمت أكثر من 500 متحدث في 230 ساعة عمل.  

وهو ما ضاعف من إقبال الشباب على حضور المنتدى؛ فقد وصل عدد المشاركين في عملية التسجيل للعام الحالي أكثر من 500 ألف شاب وفتاة، وتم مد فترة التسجيل نظرًا لكثافة التسجيل على موقع المنتدى حتى اللحظات الأخيرة، فيما وصل التسجيل عام 2019 إلى 300 ألف شاب وفتاة من 196 دولة، حول العالم مقارنة بالعام السابق له الذي شهد تسجيل 122 ألف شاب وفتاة من 194 دولة.

وهذا المجهود الذي قام به منتدى شباب العالم كمنصة وملتقى لشباب العالم على كافة الأصعدة السياسية والبيئية والتكنولوجية والتجارية بل والفنية أيضًا. أدى إلى إشادة مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة بالتجربة المصرية لتمكين الشباب خلال مناقشة التقرير الوطني لحقوق الإنسان. وقد أشاد التقرير بالمؤتمرات الوطنية للشباب ومنتدى شباب العالم كإسهام مصري عالمي يفتح مجال الحوار بين الشباب حول العالم.

وفي فبراير 2021، اعتمدت الأمم المتحدة، “منتدى شباب العالم” كمنصة دولية، وذلك تقديرًا لإسهامات النسخ الثلاث من المنتدى في مناقشة القضايا المعاصرة الخاصة بالشباب ودورهم في تحقيق أجندة التنمية المستدامة 2030. فقد قامت بعثة مصر الدائمة لدى الأمم المتحدة في نيويورك، في إطار أعمال لجنة التنمية الاجتماعية التابعة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي، بتضمين القرار الصادر عن الدورة الـ59 للجنة الدعم لإسهامات منتدى شباب العالم، الذي أطلقته مصر في تناول قضايا الشباب على المستويين الإقليمي والدولي.

واعتمدت لجنة التنمية الاجتماعية، يوم 16 فبراير الجاري، بالتوافق مع القرار الذي تم برعاية مصرية وقدمته كل من السنغال والرأس الأخضر والبرتغال وكازاخستان، متضمنًا إشارة خاصة للنسخ الثلاث من منتدى شباب العالم الذي انطلق في شرم الشيخ عام 2017 بوصفه منصة دولية لمناقشة قضايا الشباب.

وهو ما يعكس الجهود المصرية المبذولة خلال السنوات الماضية على صعيد تمكين الشباب، الأمر الذي رشح “منتدى شباب العالم” ضمن 7 كيانات شبابية دولية تم اختيارها من حول العالم للمشاركة في ندوة افتراضية عقدتها المفوضية السامية لحقوق الإنسان في جنيف حول الشباب وحقوق الإنسان. واستعرضت الندوة نشأة منتدى شباب العالم الذي تستضيفه مصر كمنصة لدعم أفكار الشباب وتوفير مساحة مناسبة وكافية للشباب للتعبير عن آرائهم وتبادل وجهات النظر بحرية ودون أية قيود والتوصية بمبادرات لصانعي القرار.

وجاءت المشاركة إعمالًا للقرار الصادر عن مجلس حقوق الإنسان رقم 41/13 والذي طلب من المفوضية السامية عقد ندوة ليوم كامل تركز على تحديات وفرص الشباب في ميدان حقوق الإنسان بمشاركة وإسهام المنظمات التي يقودها الشباب والمنظمات التي تعنى بالشباب.

فزيادة أعداد الشباب خاصة بالدول النامية وما يقترن به من فرص وتحديات ضخمة، خلق ضرورة ماسة لتهيئة المناخ الذى يُمكن الشباب من التمتع بحقوق الإنسان والحريات الأساسية، وتجاوز ما يواجهونه من تحديات في هذا الشأن، وكان استيعاب مصر لأحلام وطموحات الشباب في عالم آمن طموح يسعى للمستقبل لا يميز بين إنسان وآخر باللون أو الجنس أو اللغة، جرس إنذار للعالم الذي بدأ ينصت وينتبه لهذه التجربة التي جذبت آلاف الشباب للحديث عن طموحاتهم وأحلامهم ورؤيتهم للمستقبل، فمنتدى شباب العالم لا تزال طاقته الإيجابية وأصداؤه يسمعها العالم وينظر لها بكل تقدير واحترام.

وها هو يعود المنتدى لفتح آفاق الحوار بين شباب مصر والعالم بحضور الشباب من مختلف الدول ليتناقشوا حول العالم ما بعد جائحة كورونا وتأثيراته كسمة رئيسة لهذه النسخة، بالإضافة إلى المحاور الرئيسة للمنتدى وهي السلام والتنمية والإبداع، خلال الفترة من ١٠ حتى ١٣ يناير ٢٠٢٢ في شرم الشيخ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى