السودان

توترات متصاعدة في الذكرى الثالثة لثورة السودان

شهد السودان يوم الأحد 19 ديسمبر تظاهرات واحتجاجات واسعة النطاق في الذكرى الثالثة للثورة السودانية التي أسقطت الرئيس السابق “عمر البشير”، احتجاجًا على الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها الجيش في 25 أكتوبر الماضي التي اعتبرها المتظاهرون” انقلابًا عسكريًا”، مطالبين بإبعاد الجيش عن المشهد السياسي وسرعة تسليم السلطة للمدنيين وفق الوثيقة الدستورية لعام 2019.

“مليونية” لإحياء ذكرى الثورة

حاول المحتجون استغلال دلالات اليوم الذي يرتبط بحدثين مهمين في تاريخهم، وهما حين أعلن الشعب السوداني من داخل البرلمان استقلاله عن الحكم الإنجليزي عام 1955، والآخر عند انطلاق الثورة الشعبية ضد نظام عمر البشير الإخواني قبل ثلاثة أعوام، ليدعوا إلى مليونية” تحرير الخرطوم”، وهي التحركات التي شوهدت تهدف إلى الإطاحة بساكني القصر الرئاسي بصورة سلمية وتسليم السلطة للمدنيين.

وصاحب الدعوة للتظاهرات زخم إعلامي مكثف على أرض الواقع وعلى مواقع التوصل الاجتماعي، من أجل حشد أكبر عدد من المتظاهرين تحت شعار:” لا تفاوض ولا مساومة ولا شرعية”، في دلالة على رفض الاتفاق السياسي الموقع بين قائد الجيش عبد الفتاح البرهان ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وكانت اللجان الداعية لهذه التظاهرات هي لجان المقاومة بالأحياء السكنية، وتجمع المهنيين السودانيين، وتحالف الحرية والتغيير، الذي بدوره دعا كل قطاعات الشعب للمشاركة في المظاهرات السلمية، وطرح إعلانًا سياسيًا يؤكد ضرورة إجراء إصلاحات سياسية شاملة خلال الفترة الانتقالية تنتهي بإجراء بانتخابات حرة ونزيهة.

اختراق الحواجز الأمنية

في محاولة لتأمين القصر الرئاسي، قامت الأجهزة الأمنية بإغلاق الجسور الرئيسية الواقعة بين مقاطعات العاصمة الخرطوم، بحري وأم درمان للحيلولة دون وصول المحتجين إلى القصر، فانتشرت عناصر القوات الأمنية بشكل مكثف حاملين قاذفات القنابل المسيلة للدموع وتحركت السيارات المحملة بالجنود في الشوارع الرئيسية، إلى جانب إخلاء وإغلاق وسط الخرطوم القريب من القصر الرئاسي، كما أغلق الجيش السوداني مقر قيادته والطرق المؤدية إليه بكتل خرسانية ضخمة وأسلاك شائكة مع نشر قواته على محيطه، واستدعاء جميع ضباطه بما فيهم ضباط سلاح الجو والطيران وقطع جميع الإجازات.

ومع كل هذا التشديد، ظل المتظاهرون ملتزمين بتلبية دعوات التظاهر فقاموا بالتجمع في نقاط محددة، ثم توجهوا إلى وجهتهم الرئيسية، لينجحوا في عبور الحواجز وتجاوز قوى الأمن بالتوالي على جسر “الملك نمر” الرابط بين بحري والخرطوم، والذي يصل إلى وزارة الخارجية مباشرة ويقع بالقرب من القصر الرئاسي والقيادة العامة للقوات المسلحة ومعظم الوزارات والمؤسسات الحيوية، وجسر “النيل الأبيض” الرابط بين أم درمان والعاصمة ووصلوا إلى شارع النيل الذي يوجد به القصر ومقر وزارة الخارجية، وأخيرًا جسر “المنشية”.

وكان التصميم على الوصول إلى القصر الرئاسي هو العامل المشترك بين مواكب مظاهرات العاصمة، وقد قوبلوا بإطلاق الغاز المسيل للدموع من قبل القوات التي تقوم بتأمين القصر، مع وقوع عدة اصابات بين المحتجين، كان معظمها جراء الاختناق بالغاز، مع استمرار الكر والفر بين الجانبين.

انزلاق نحو الهاوية

قبل التظاهرات بيوم، وجه رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك كلمة للشعب السوداني، لتقديم التهنئة  بالذكرى السادسة والستين لإعلان الاستقلال من داخل البرلمان وبالذكرى الثالثة لثورة ديسمبر المجيد، وأكد  خلال كلمته أن السودان تواجه تراجعًا كبيرًا في مسيرة ثورتها، وأن ذلك يهدد أمن البلاد ووحدتها واستقرارها، وهو ما عبر عنه بأنه بداية الانزلاق نحو الهاوية التي لن تبقي وطنًا ولا ثورة، داعيًا قوى الثورة إلى ضرورة التوافق على ميثاق سياسي، معتبرًا أن “الاتفاق السياسي هو أكثر الطرق فعالية وأقلها تكلفة للعودة الى مسار التحول المدني الديموقراطي”، وأكد أن توقيعه على الاتفاق السياسي جاء لقناعته بأنه سيحقن دماء الشباب، ولكن من الواضح أن المتظاهرين لا يوافقون رئيس الوزراء الرأي.

https://twitter.com/SudanPMHamdok/status/1472322781664530434?ref_src=twsrc%5Etfw%7Ctwcamp%5Etweetembed%7Ctwterm%5E1472322781664530434%7Ctwgr%5E%7Ctwcon%5Es1_&ref_url=https%3A%2F%2Fwww.almasryalyoum.com%2Fnews%2Fdetails%2F2486523

وقد وقع البرهان وحمدوك اتفاقًا سياسياً في 21 نوفمبر الماضي يضمن عودة حمدوك لمنصبه بدون حكومته، مع تشكيل حكومة تكنوقراط من كفاءات وطنية مستقلة، وإجراء الانتخابات عام 2023، ويجري حمدوك مشاورات لتوسعة هذا الاتفاق ومن ثم تشكيل الحكومة الانتقالية وتعيين ولاة الولايات، وذلك بعد أن فرضت القوات العسكرية في 25 أكتوبر الماضي، إجراءات استثنائية حلت بموجبها الحكومة ومجلس السيادة السابق وعلقت العمل بالوثيقة الدستورية مع فرض حالة الطوارئ، وأكدت على مضي القوات المسلحة في الانتقال الديمقراطي لحين تسليم السلطة إلى حكومة مدنية.

حمدوك يلتقي البرهان ثانية لحل الخلاف.. ولا نتائج

وبعدها كان الانقسام هو السائد في المشهد السوداني، فقد خرجت تظاهرات بعد إعلان البرهان في أكتوبر الماضي اعتراضًا على ما تم إعلانه، وأكد المتظاهرين أن هذه الإجراءات هي خطوات هدفت لقطع الطريق أمام عملية التحول الديمقراطي في البلاد، وأنهم عازمين على الاستمرار في الاحتجاج حتى الوصول إلى “حكم مدني كامل، ومحاسبة من تسببوا في قتل المحتجين، وتوحيد الجيش السوداني وحصر مهامه في حماية أراضي البلاد ودستورها”.

ومنذ ذلك الحين، يشهد السودان اضطرابات سياسية وحركة احتجاجات كبيرة، فقد انقسمت أيضًا قوى الحرية والتعبير إلى قسمين، فمنهم من لا يعترف بالاتفاق السياسي الموقع بين البرهان وحمدوك ويريد تسليم السلطة للمدنيين وابتعاد الجيش تمامًا عن المشهد السياسي، ومنهم من يريد أن يظل الجيش ممسكًا بزمام الأمور في السودان وأن إجراءات 25 أكتوبر هي إجراءات تصحيحية غيرت المشهد السياسي بشكل كبير.

ومن هذا المشهد، نرى أن أنصار الحكم المدني الديمقراطي، الذين يتهمون حمدوك بـ “الخيانة”، يجدون صعوبة في فرض أنفسهم على أرض الواقع، فقد كانوا منقسمين قبل الانقلاب ولا يزالون حتى الآن غير قادرين على الاتفاق.

ووسط كل هذه التطورات، شدد المجلس الانتقالي على أن القوات المسلحة لن تفرط في أمن السودان، مؤكدًا أن القوات المسلحة تقوم بدورها وأنها ستبقى منحازة لتطلعات الشعب السوداني، واعتبر تظاهرات الأحد التي رفعت شعارات مختلفة، تأكيدًا على اختلاف الأجندة وأن نبرة الخلاف والعداء التي نقلتها الاحتجاجات سوف تؤثر على المسيرة الانتقالية في السودان.

تصاعد الموقف.. واستقالة وشيكة

بالرغم من توقيعه الاتفاقية السياسية، إلا أن الصراع بين حمدوك والبرهان ما زال مشتعلًا، بسبب اعتقاد حمدوك أن القيادة العسكرية تتمادى بالتدخل فيما يتعلق بالتعيينات والإقالات للموظفين بالخدمة العامة، فقد نشب خلاف بين رئيس الوزراء والبرهان حول قرار الأول بإعادة” لقمان أحمد” لمنصب مدير هيئة التلفزيون السوداني، بعد أن قام البرهان باستبعاده خلال الفترة الماضية والإصرار على إخضاعه في العمل لسلطة إدارة التوجه المعنوي التابعة للجيش السوداني، مما أسفر عن اعتزام حمدوك التقدم باستقالته من منصبه، حيث أبلغ حمدوك مجموعة من الشخصيات القومية بقراره الذي أصر عليه رغم محاولاتهم أن يتراجع.

أنباء عن نية رئيس الوزراء السوداني حمدوك تقديم استقالته خلال ساعات | صحيفة  الخليج

وقد أصدر حمدوك مساء الثلاثاء، قرارًا أنهى بموجبه تكليف “إبراهيم البزعي” من منصب مدير عام هيئة إذاعة والتلفزيون، مؤكدًا أن ذلك يأتي “عملاً بأحكام الوثيقة الدستورية” وتلبية لرغبة المتظاهرين وإعادة الأمور إلى نصابها، وقام بإعادة تعيين “لقمان أحمد محمد” مديرًا عامًا للهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، مشددًا على الجهات المعنية باتخاذ إجراءات تنفيذ القرار.

ومن الأسباب الأخرى المتوقعة حول استقالة حمدوك، هو شعوره بافتقار قدرته على إحداث توافق سياسي مع تصاعد الاحتجاجات في البلاد والنابعة من الرفض لاتفاقه مع رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان.

مي صلاح

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى