مراكز أخرى

معهد الأمن القومي الإسرائيلي: هل إسرائيل والفلسطينيون على وشك الدخول في مرحلة تحدي المفاوضات؟

عرض – هبة شكري

نَشر معهد دراسات الأمن القومي بإسرائيل تقريرًا، أعدّهُ “يوهانان تسوريف” المتخصص في العلاقات الفلسطينية الإسرائيلية بالمعهد، تناول تقلُّص التأييد الفلسطيني لمنظمة التحرير الفلسطينية ورئيسها، محمود عباس أبو مازن، كما أشار إلى تضاؤل فرص تحقيق التسوية السلمية في ظل استمرار الوضع الراهن.

أشار التقرير أن الفترة الأخيرة شهدت تراجعًا لوضع كل من منظمة التحرير الفلسطينية كممثل وحيد للشعب الفلسطيني ورئيسها أبو مازن. حيث شكّل إلغاء انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، التي كان من المقرر إجراؤها في مايو الماضي، بمثابة ضربة أخرى وربما حاسمة لشرعية الرئيس الفلسطيني، التي تعرضت بالفعل لضغط كبير في وقت يتوق فيه كثيرون لرؤية أبو مازن يبتعد عن المسرح السياسي. وتساءل التقرير هل تقترب إسرائيل من عصر أصبح خلاله من الصعب التفاوض لتحقيق التسوية السلمية.

ورأى معهد الأمن القومي الإسرائيلي أن منظمة التحرير الفلسطينية ورئيسها أبو مازن فقدا مكانتهما بصفتهما الممثلين الوحيدين للشعب الفلسطيني بمجرد أن قرر أبو مازن إلغاء انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني؛ فالسلطة الفلسطينية تعاني من فقدان أهميتها، وبات أبو مازن هدفًا لانتقادات لاذعة من قبل العديد من أعضاء فتح المؤيدين لرحيله. في السياق ذاته، منذ عام 2009، كان هناك ضغط إسرائيلي مستمر لإخراج القضية الفلسطينية من جدول الأعمال الإقليمي والدولي، وفي أعقاب ذلك، أثرت “صفقة القرن” التي طرحتها إدارة ترامب على مكانة السلطة الفلسطينية وأبو مازن بطريقة تجعل من الصعب عليهم استعادة مكانتهما. على التوازي، استفادت حماس من هذا الوضع، حيث تعزز موقعها كبديل في الرأي العام، وبالتالي من المشكوك فيه أن يتمكن أبو مازن أو خلفاؤه في المعسكر القومي من العودة إلى العملية السياسية بصيغتها المألوفة.

وأضاف التقرير أن مفتاح التغيير بيد الولايات المتحدة والمجتمع الدولي وإسرائيل، الذين يمكنهم إحياء عملية الاحتضار وإعادة أبو مازن أو من يحل محله إلى شرعيتهم المفقود. وألمح إلى أن الأزمة التي طالت الحركة الوطنية الفلسطينية في السنوات الأخيرة قد وصلت إلى مستويات غير مسبوقة، على المستوى الأيديولوجي والقيادي والتنظيمي، في الوقت الذي يعاني فيه أبو مازن من فقدان الشرعية والأهمية.

وذكر التقرير أن استطلاعات الرأي الأخيرة تشير إلى أن أكثر من 75٪ من الفلسطينيين حريصون على خروج أبو مازن من المشهد السياسي، وهناك تزايد في مستوى الانتقادات بصورة تتجاوز كل الخطوط والمعسكرات وتتغلغل بعمق في حركة فتح التي يتزعمها. إذ يعتقد العديد من الأعضاء أنه يقع عليه اللوم إلى حد كبير في تزايد الانقسامات في الحركة وضعفها وتفكك الروابط مع جيل الشباب. وكذا، أثار الكشف عن الفساد في الحركة غضبًا شعبيًا واسع النطاق.

وعدّ أن المعضلة السياسية التي يواجهها الفلسطينيون حاليًا تتعلق بالطريقة الصحيحة لتعزيز أهدافهم الوطنية في ظل فشل عملية أوسلو. وأشار إلى أن هناك اعتقادًا لدى الكثيرين أن الأمر في نهاية المطاف سينحصر إما في أن يعتمد الفلسطينيون على تكتيكات المقاومة المسلحة لحماس والجهاد الإسلامي من أجل إقامة دولة مستقلة، أو انتظار قيام دولة واحدة من نهر الأردن إلى البحر الأبيض المتوسط.

وألمح التقرير إلى أن تجربة الكفاح المسلح لم تؤد إلى النتيجة المرجوة، حتى حركة حماس، التي تتستر في مجد حركة المقاومة التي تفرض إرادتها على إسرائيل، لم تنجح في دفع القضية الفلسطينية إلى الأمام خلال أربعة عشر عامًا من حكمها في قطاع غزة، بل إنها في الواقع جلبت دمارًا كبيرًا إلى غزة، وبالتالي أصبح القطاع موضع غضب شعبي قوي. مشيرًا إلى سعي حماس في السنوات الأخيرة إلى المصالحة مع فتح، إدراكًا منها أن فصيلًا واحدًا لا يمكنه قيادة الفلسطينيين إلى الاستقلال السياسي، وسينطوي التقارب بينهما على حلول وسط، وصرحت بأنها مستعدة لهذه التنازلات، لكن ذلك لا يكفي لإقناع أبو مازن.

وأضاف، لا يمكن اعتبار كل سنوات حكم أبو مازن الستة عشر فاشلة، ففي بعض الأوقات كان ينخرط في محادثات حقيقية على أساس الثقة المتبادلة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إيهود أولمرت، مما أحيا آمالًا كبيرة لدى الفلسطينيين. وعلى الرغم من رفض مقترحات أولمرت، استمر في تشديد التنسيق الأمني ​​لمنع العنف. في الوقت نفسه، قام أولمرت مع رئيس الوزراء السابق سلام فياض، ببناء بنية تحتية مؤسسية واقتصادية للدولة المستقبلية، وبناء طبقة وسطى استفادت من التوظيف والأمن الاقتصادي وتواصل المساهمة في الاستقرار الأمني ​​في الضفة الغربية، وفي عام 2012، اعترف البنك الدولي بالسلطة الفلسطينية على أنها مختصة بإقامة وقيادة دولة مستقلة.

لكن منذ عام 2009 وصعود الحكومات اليمينية في إسرائيل، واجه أبو مازن جهودًا إسرائيلية لمحو القضية الفلسطينية من جدول الأعمال المحلي والدولي. وقد تم تفسير فشل أبو مازن بعد رده على مقترحات رئيس الوزراء أولمرت البعيدة المدى للتسوية السلمية، والتي تم اعتبارها بمثابة رفض فلسطيني. من جانب آخر، ولم تخف الحكومات الإسرائيلية عدم اهتمامها بالعملية السياسية، واستنكرت أبو مازن، وأثارت الشروط التي وضعتها لاستئناف المحادثات عدم الثقة بين الجانبين ورفضها الفلسطينيون. أيضًا، فشلت جهود وزير الخارجية الأمريكي آنذاك جون كيري لعقد جولة أخرى من المحادثات في 2013-2014 بسبب أزمة الثقة بين الطرفين، ورفض الفلسطينيين للعروض التي طرحها كيري على الطاولة، وازداد التوتر بين البيت الأبيض ورئيس الوزراء آنذاك بنيامين نتنياهو. 

وفي ظل تولي دونالد ترامب الحكم في الولايات المتحدة، تبنت “صفقة القرن”، بشكل أساسي مواقف اليمين الإسرائيلي، وسعت إلى فرض إطار تسوية على الفلسطينيين لا يمكن قبوله. وعلى الرغم من ذلك كانت الإدارة غاضبة من الفلسطينيين لرفضهم، واتخذت إجراءات عقابية، حيث تم قطع معظم المساعدات الأمريكية، وضغطت الإدارة على الدول العربية لفعل الشيء نفسه. ولم يستطع أبو مازن التعافي من صدمة هذه الضربة من الولايات المتحدة التي لطالما عدّها الفلسطينيون وسيطًا نزيهًا على الرغم من ميلها المعروف لدعم إسرائيل.

واستطرد التقرير، في ظل عزلة السلطة الفلسطينية، اضطر أبو مازن إلى التحرك تجاه حماس وفصائل المعارضة الأخرى. لكن بمجرد أن أدرك أنه قد يخسر انتخابات المجلس التشريعي التي بادر بها، قرر إلغاءها، مدعيًا أن إسرائيل لا تسمح بإجراء الانتخابات في القدس. وقد أدى إلغاء الانتخابات التي كان من المفترض أن تكون ذروة مسيرة التقارب بين الفصائل الفلسطينية إلى تفاقم الانقسام، بل وعمقه داخل صفوف حركة فتح، ووجه ضربة قاتلة لمكانة أبو مازن الشخصية. 

وفي أعقاب ذلك، كانت حماس مقتنعة بأن إلغاء الانتخابات حرمها من تحقيق نصر، لذلك كثفت الاستفزازات حول المسجد الأقصى وحي الشيخ جراح في القدس لإثارة الصراع مع إسرائيل، بالإضافة إلى ذلك، جلبت عملية “حراس الجدران” مايو 2021 دعمًا واسعًا لحركة حماس وألقت بظلالها على أبو مازن وحركة فتح، كما فقدت منظمة التحرير الفلسطينية، فعليًا مكانتها كممثل وحيد للشعب الفلسطيني.

من ناحية أخرى، وعلى الرغم من العديد من التحفظات، كان ينظر إلى حماس بشكل متزايد من قبل الجمهور على أنها بديل، حيث ساهمت الدعوة المتكررة من قبل حماس منذ عام 2017 للمصالحة الوطنية في خلق الثقة بين الجمهور صورت أبو مازن على أنه العقبة الوحيدة أمام هذا الهدف.

وذكر التقرير أنه في ظل هذه الظروف، من المشكوك فيه أن تكون فتح وحدها قادرة على قيادة منظمة التحرير الفلسطينية.، إذ يجب أن تتعامل مع مطالب حماس ومجموعات المعارضة الأخرى لتكون جزءًا من القيادة الرسمية للشعب الفلسطيني، والتوافق معها. لكن حتى الآن، ما زال أبو مازن يعرقل الطريق ويعتمد على أي تحرك في هذا الاتجاه بتأكيد الالتزامات التي أخذتها منظمة التحرير الفلسطينية على عاتقها وإنهاء الكفاح المسلح، مع إخضاع كل الأسلحة لسلطة واحدة. 

ومع ذلك، من المشكوك فيه جدا أن يكون من بين خلفائه المحتملين في فتح أي شخص يتمتع بالشرعية لتقديم مثل هذا المطلب. حيث يتمتع أبو مازن في نظر حماس وفصائل المعارضة الأخرى بمكانة رئيس شرعي تم انتخابه على أساس السياسات التي طرحها في الانتخابات والتي انتهجها منذ ذلك الحين. وبالتالي، يمكن أن يعلن بين الحين والآخر أن التنسيق الأمني ​​مقدس، وأن القرارات الدولية هي أساس كل المفاوضات السياسية. لكن بعد إلغاء الانتخابات، يتوق الجميع إلى رحيله، وبعد ذلك سيطالب الكثيرون بإعادة تنظيم القيادة الفلسطينية، التي ستؤكد مطالبها على ضرورة تقليص عدم التكافؤ بين الفلسطينيين وإسرائيل.

واستبعد التقرير الاستمرار في الحديث بشأن تسوية، حتى وإن ظلت الدعوات للعودة إلى المحادثات من قبل شركاء أبو مازن ومن عناصر في النظام الإقليمي، وخاصة الأردن، قائمة. في السياق ذاته، فإن الرغبة في تقليص عدم التناسق بين الفلسطينيين وإسرائيل سوف تنطوي على موقف أكثر قوة ضد إسرائيل من أجل تغيير شروط البداية للمحادثات، ويرجع ذلك إلى الاعتراف المتزايد بفشل نهج أبو مازن التصالحي ظاهريًا. ويمكن أن يترجم هذا إلى احتكاك متزايد بين جنود الجيش الإسرائيلي والفلسطينيين في الضفة الغربية، على أساس نمط غزة، أي الاحتكاك الجسدي الوثيق بدون أسلحة نارية لخلق ضغط دولي شديد على إسرائيل.

وتساءل التقرير عن مدى إمكانية صرف النظام الفلسطيني عن الاتجاه الذي سلكه، أم أن هذه عملية لا رجوع عنها. وفي هذا الصدد، أشار إلى أن تصرفات إدارة ترامب أظهرت أن الضغط المفرط على الفلسطينيين يجعل المعسكرات المتحاربة أقرب إلى بعضها البعض في نهاية المطاف. ةأظهرت أن الود الأمريكي لإسرائيل ودعم مواقفها يضعف الجانب الفلسطيني وقدرته على أداء دوره في التنسيق الأمني ​​وقدرته على البقاء كشريك محتمل للمفاوضات السياسية.

من جانب آخر، تعتمد فتح في منافستها مع حماس على تحالف من كل العناصر التي روجت لعملية أوسلو وتعمل على الحفاظ عليها، ومن بينهم الولايات المتحدة والعديد من الدول الأخرى في المجتمع الدولي، الذين اعترفوا بالسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية في المحافل الدولية المهمة، وقدموا للفلسطينيين قدرًا كبيرًا من المساعدة، بالإضافة إلى الدول العربية المعتدلة التي دعمت العملية السياسية التي قادتها منظمة التحرير الفلسطينية. 

وتعتبر منظمة التحرير الفلسطينية، على عكس حماس، جزءًا من هذا المعسكر. حيث تلعب المساعدة المقدمة للسلطة الفلسطينية دورًا مهمًا في ضمان استقرارها واستقرار الأمن في الضفة الغربية، وتلعب إسرائيل أيضًا دورًا في ذلك. وبشكل عام، فإن مجرد وجود الحوار، إذا كان بنّاءً وصادقًا، يمنح السلطة الفلسطينية وقائدها الشرعية، ويبرهن على صواب طريقهما في مواجهة الخصوم السياسيين، ويغرس الأمل في نفوس الجمهور الفلسطيني.

واختتم التقرير بالإشارة إلى أن الخطوة المطلوبة لمنع فقدان خيار التسوية هي تجنيد جميع العناصر المعنية لتحريك عملية تقدم أفقًا سياسيًا واضحًا، وتوضح أن القضية الفلسطينية لا تُمحى من الأجندة، وتعبر عن الثقة في أي قيادة وطنية فلسطينية مازالت ملتزمة بالاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل وتعهدات منظمة التحرير الفلسطينية. 

وحال حدوث ذلك، ينصح بألا تعترض إسرائيل على تجديد العلاقات بين منظمة التحرير الفلسطينية والولايات المتحدة، بما في ذلك إعادة إرسال المساعدة للسلطة الفلسطينية، وإعادة فتح سفارة منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، وإعادة فتح القنصلية القدس الشرقية في موقع متفق عليه مع إسرائيل، شريطة أن يتضح أن مستقبل القدس الشرقية سيتم تقريره خلال المحادثات. فضلًا عن ذلك، فعلى إسرائيل أن توضح أنه لا مصلحة لها في انهيار السلطة الفلسطينية، وتبدي تقديرها للتعاون الأمني ​​مع السلطة الفلسطينية، واهتمامها بالحوار الذي سيمد هذا التعاون إلى مناطق أخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى