أفريقياتركيا

القمة التركية الأفريقية.. منفذ جديد للتغلغل التركي

مثٌلت قمة شراكة أفريقية – تركية التي استضافتها العاصمة التركية أنقرة في السابع عشر من ديسمبر 2021، فصلًا جديدًا لأردوغان في ضوء إحداث موازنة بين ضغوطات الداخل والرغبة في الهيمنة الإقليمية، خاصة على مستوى القارة الأفريقية، بعدما حققت مصر استعادةً لدورها التاريخي في القارة على ضوء استراتيجية البناء والتعاون بين القاهرة وعواصم الدول الأفريقية منذ ثورة الثلاثين من يونيو 2013.

وتُعد تلك القمة الثالثة من نوعها؛ إذ سبقها عقد قمتين في عام 2008 وعام 2014، وشهدت حضورًا من جانب 16 زعيمًا أفريقيًا وعدد 102 وزير، في إطار مساعي تركيا لترسيخ علاقاتها الاستراتيجية طويلة الأمد مع دول القارة الأفريقية.

أهداف متباينة

تستهدف تركيا من خلال استضافتها لتلك القمة عددًا من الأهداف تتمثل في الآتي:

  • إيجاد آلية للانخراط في اتفاقية التجارة الحرة: إن أول أهداف أنقرة من استضافتها لتلك القمة يتمثل في تعزيز الحضور داخل القارة عبر الاستثمارات المختلفة في مجال البنية التحتية والصحة وكذلك مجالات الطاقة، والبحث عن منفذ للانخراط بشكل أو آخر في إطار اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية.

وتتضح معالم ذلك في كلمة الرئيس التركي “أردوغان” خلال افتتاح القمة المُشار إليها، وسبقها مقال لوزير الخارجية التركي “مولود تشاووش أوغلو” في مايو 2021 بمناسبة يوم أفريقيا، والذي ألمح خلاله إلى رغبة تركيا في تقديم الدعم وتبادل الخبرات حيال تلك الاتفاقية.

  • تطويق حركة “الخدمة”: لا شك أن حركة “الخدمة” التي تتبع لفتح الله جولن لا تزال تُمثل مصدرًا للقلق داخل تركيا، في ضوء تخوفات أنقرة من إحياء تلك الحركة ونشاطاتها المختلفة، مستغلة الأوضاع الاقتصادية المتدهورة. لذا تأتي القمة لتحمل رسائل مبطنة حول أهمية القضاء على تلك الحركة، وبرز ذلك خلال كلمة أردوغان التي دعا خلالها إلى تعميق التعاون الأمني لمكافحة الإرهاب.
  • تطوير التعاون مع أفريقيا في قطاع الدفاع: ويتم ذلك من خلال آليتين: الأولى تجلت في فتح 37 مكتبًا عسكريًا لأنقرة داخل الدول الأفريقية، الأمر الثاني يتجلى في فتح سوق جديدة أمام المنتجات العسكرية المختلفة لتركيا في أفريقيا، خاصة وأن هناك عددًا من الدول التي تشهد حالة من تردي الأوضاع الأمنية وتشهد اضطرابات عديدة تُمثل في حد ذاتها منفذًا حيويًا لتجارة الأسلحة التركية داخل تلك الدول.

وبرز ذلك في صفقة المسيرات “الطائرات بدون طيار” التركية مع المغرب والذي تسلم جزءًا منها تضمن 13 طائرة بدون طيار من طراز “بيرقدار TB2” بعدما وقع عقدها مع شركة “بايكار” التركية بقيمة 70 مليون دولار في منتصف سبتمبر 2021. وهو ذات النهج الذي استخدمته أنقرة مع إثيوبيا حيث دعمت الأخير بصفقة طائرات بدون طيارات، وهو ذات النهج الذي تتبعه تركيا مع تونس وأنجولا التي عبرت عن اعتزامها إبرام صفقة عسكرية تتضمن مسيرات تركية وذلك على هامش زيارة أردوغان إلى العاصمة الأنجولية في السابع عشر من أكتوبر 2021 في إطار جولة أفريقية شملت أيضًا كلًا من توجو ونيجيريا.

وفي هذا الإطار؛ فقد بلغت قيمة صادرات الصناعات الدفاعية التركية إلى إثيوبيا نحو 94.6 مليون دولار بين يناير ونوفمبر 2021 مقارنة بنحو 235 ألف دولار خلال نفس الفترة، وهو أيضًا الحال بالنسبة للمبيعات التركية من المسيرات لكل من أنجولا وتشاد والمغرب. 

  • الخروج الآمن من المأزق الاقتصادي: على خلفية ما تشهده أنقرة من تراجع الوضع الاقتصادي وتدهور الليرة التركية وخسارتها لنصف قيمتها منذ عام 2021 في مقابل الدولار، مما يستدعي معه حتمية دعم الاقتصاد التركي للخروج من الوضعية الحرجة الراهنة. وهو ما تتطلع إليه تركيا التي سعت منذ عام 2003 إلى رفع حجم التجارة البينية من 5.4 مليار دولار إلى 25.4 مليار دولار نهاية عام 2020 وتستهدف الوصول إلى ما قيمته 50 مليار دولار، مع توسع الاستثمارات التركية في القارة ليتخطى 6 مليارات دولار المُحققة خلال عام 2020، مستغلة دخول اتفاقية التجارة الحرة حيز النفاذ منذ فبراير 2021. ومن ثٌم تُمثل فرصة للمستثمرين الأتراك لدعم حركة الاستثمارات التركية في القارة، وفتح مجال أوسع أمام الصادرات التركية مع الحد الأدنى من الرسوم الجمركية. 

دلالات ومخرجات 

تزامنت القمة الأفريقية التركية مع عدد من المتغيرات الوطنية والإقليمية، يتمثل أولها في الوضعية الحرجة للاقتصاد التركي الذي يبحث عن مخرج آمن من هذا المأزق الذي فاقم الأوضاع الداخلية وهزّ بصورة كبيرة من وضعية رأس النظام التركي الذي يعتزم خوض الانتخابات الرئاسية المزمع عقدها 2023، ومن ثم يستهدف أردوغان معالجة هذا الوضع باستغلال الثروات الأفريقية عبر بوابة التبادل التجاري والاستثماري، وما يُفسر ذلك أيضًا عقد منتدى التجارة الأفريقي في إسطنبول في أكتوبر 2021.

المتغير الآخر هو تراجع التأثير التركي في الملفات الإقليمية ذات الصبغة الأفريقية وعلى رأسها الملف الليبي الذي بات يشهد تطورًا ملموسًا في العملية السياسية والتوجه للاستحقاق الرئاسي نهاية العام الجاري، علاوة على افتقارها للتأثير في العديد من الملفات الأخرى في دائرة الشمال الأفريقي، ومن ثٌم هناك توجه جديد لأنقرة للحضور بصورة أساسية في القارة الأفريقية داخل دوائر التوتر عبر استراتيجية التعاون العسكري والدفاعي كما تمت الإشارة إليه سابقًا.

لقد جاءت القمة لتشمل مخرجات متعددة تتمثل في توقيع مذكرة تفاهم للفترة الممتدة من 2022 إلى 2026 نحو تعزيز التعاون مع أفريقيا في مجالات التجارة والاستثمار والسلام والأمن والحكومة، إلى جانب التعليم والشباب، وتنمية المرأة، والبنية التحتية، والتنمية الزراعية، وتعزيز الشراكة في النظم الصحية المختلفة، وهو ما يُمثل رغبة تركية لإعادة الهمينة الاقتصادية على القارة الأفريقية، وتعظيم الاستفادة من السوق الأفريقي في إطار من المصلحة أُحادية الجانب.

الأمر الآخر من بين مخرجات القمة تمثل في دبلوماسية اللقاحات؛ والتي برزت في تعهد أردوغان بإرسال 15 مليون جرعة من اللقحات المضادة لفيروس كورونا إلى أفريقيا، وهنا يمكن القول بأن “أردوغان” يستهدف اللعب على وتر الأزمات الحرجة في الدول الأفريقية خاصة في مجال القطاع الصحي في أعقاب جائحة كورونا.

وختامًا؛ إن المساعي التركية نحو توسيع دائرة التواصل والحضور داخل القارة الأفريقية نابعة من نظرية المصلحة الذاتية والمكسب أحادي الجانب وليس كما طرح أردوغان بأنها لعبة الرابح للجميع، ولعل تزامن تلك القمة مع الأزمة الاقتصادية الداخلية في أنقرة يبرهن عن حالة الإرباك لدى تركيا التي لطالما تعول على الثروات الأفريقية لتحقيق أهدافها الخاصة. ومن المرجح أن تتزايد عمليات الشراكة والتعاون في الصناعات الدفاعية كمدخل للتغلغل والسيطرة على دوائر صنع القرار العسكري داخل القارة السمراء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى