الاقتصاد المصري

جهود حثيثة: كيف تسعى الدولة المصرية إلى النهوض بقطاع الغزل والنسيج؟

تسعى الدولة المصرية إلى إحياء قطاع الغزل والنسيج بعدما عانى لعقود طويلة من تحديات عدة خفضت من إنتاجيته. وفي هذا الإطار شهد رئيس الوزراء “مصطفي مدبولي” الخميس الماضي الموافق السادس عشر من ديسمبر مراسم التوقيع على اتفاقية تسهيل ائتماني وعقد ضمان بهدف تطوير القطاع.

وبناء عليه، يحاول المقال عرض خطة تطوير قطاع الغزل والنسيج في مصر، مع تسليط الضوء على أهمية هذا القطاع بالنسبة للاقتصاد المصري، واستعراض أهم الأسباب التي ساهمت في تراجع مكانته خلال السنوات الماضية.

نظرة على قطاع الغزل والنسيج

تمثل صناعة النسيج نحو 3% من الناتج المحلى الإجمالى، وحوالي 27% من الناتج الصناعي. وأظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2017/2018 إن إجمالي عدد المنشآت الصناعية في القطاعات النسيجية بلغ نحو 85.022 منشأة، ليعمل لدى هذا القطاع نحو 5 ملايين عامل.

وخلال عام 2020، أسهمت صادرات قطاع الغزل والمنسوجات بنحو 29% من إجمالي الصادرات المصرية، مسجلة نحو 724 مليون دولار مقابل حوالي 831 مليون دولار خلال عام 2019، وهو ما يمثل انخفاضًا بنحو 12% بسبب تداعيات كورونا. وعلى مستوى الأسواق التصديرية؛ توجد المنتجات المصرية من الغزل والنسيج بأكثر من 95 دولة حول العالم، تأتي على رأسها تركيا وإيطاليا والجزائر وألمانيا، كما يتبين من الشكل الآتي:

الشكل (1): نصيب أكبر الدول المستوردة لصادرات مصر من الغزل والمنسوجات والمفروشات المنزلية خلال 2020

يتبين من الرسم السابق أن تركيا احتلت المركز الأول كأكبر مستقبل لصادرات الغزل والنسيج المصرية؛ إذ استحوذت على نحو 23% من إجمالي صادرات هذا القطاع خلال العام الماضي، تليها الولايات المتحدة بحوالي 15%، لتأتي إيطاليا في المركز الثالث عند 9%.

أما عن العام الجاري، فقد أعلن المجلس التصديري للغزل والمنسوجات والمفروشات المنزلية عن ارتفاع صادراته خلال الفترة من يناير وحتى سبتمبر بنسبة 28% لتبلغ 1.12 مليار دولار مقارنة بنحو 872 مليون دولار خلال نفس الفترة من العام السابق 2020. وتأتي تلك الزيادة بدعم من التخفيف التدريجي لإجراءات الإغلاق التي اتخذتها غالبية البلدان حول العالم لمواجهة تفشي الوباء في ظل انتشار لقاح كورونا على نطاق واسع.

وخلال أول تسعة أشهر من العام الحالي، حقق قطاع “الغزل والمنسوجات” زيادة بنسبة 23% مسجلًا حوالي 662 مليون دولار مقابل 539 مليون دولار في 2020، وارتفعت صادرات “الأقمشة” بنحو 17% لتبلغ 267 مليون دولار، يليها قطاع “الغزول والخيوط” مسجلًا 210 ملايين دولار بمعدل نمو يبلغ 37%، ثم “المنسوجات التقنية” بقيمة 100 مليون دولار، ثم قطاع “الألياف” بإجمالي 85 مليون دولار.

تحديات هيكلية مستمرة

تعرضت صناعة الغزل والنسيج على مدار العقود الماضية لعدة تحديات ساهمت في تراجع قيمة القطاع، وقد بدأت هذه المعوقات عقب قرار الحكومة عام 1994 بتحرير صناعة القطن، مما وضع شركات الغزل والنسيج أمام تحدي توفير القطن الذي تم تحرير تجارته، بعدما كانت الدولة هى التى تقوم بتلك المسؤولية. بالإضافة إلى اعتماد الصناعة على استيراد غالبية مدخلاتها من الخارج، مما يجعلها عرضة للتأثر بشدة بالصدمات السعرية تطبيقًا لنظرية “التضخم المستورد”.

ومع ارتفاع أسعار القطن لأعلى مستوياتها في عدة سنوات، في ظل الموجة التضخمية التي يشهدها العالم في الأونة الأخيرة مع التعافي من تداعيات جائحة كورونا، من المتوقع أن ترتفع أسعار الملابس الجاهزة في مصر أيضًا خلال الفترة القادمة خصوصًا مع بدء موسم الشتاء، وفيما يلي عرض لتطور الرقم القياسي للملابس شهريًا مع بيان تغير المؤشر السنوي مقارنة بعام 2020:

الشكل (2): الرقم القياسي للملابس (نقطة)

يوضح الشكل انخفاض الرقم القياسي للملابس خلال الفترة التي تتراوح بين (يناير – مارس 2021) من 108.2 نقطة إلى 106.1 نقطة، ليرتفع عقب ذلك إلى أعلى مستوياته خلال العام الماضي إلى 109.1 نقطة بحلول مايو 2021، ليتباطأ فيما بعد إلى 108.3 نفطة خلال أكتوبر 2021.

وعلاوة على ما سبق، تتمثل أبرز العوائق أمام صناعة الغزل والنسيج في تقليص مساحة زراعة القطن المصري طويل التيلة، فضلًا عن معاناة مزارعي القطن من ارتفاع تكلفة زراعته دون تحقيق هوامش ربح، مما يدفعهم إلى التحول إلى محاصيل أكثر ربحية. وعلاوة على ذلك، عانى القطاع من عدم تجديد وتطوير الميكنة والمحالج، مع عدم توافر أراضٍ مخصصة للصناعة، وكذلك نقص العمالة المدربة؛ لضعف التعليم الفني. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل جاءت جائحة كورونا لتضاعف من حدتها، حيث تأثرت معدلات إنتاج هذا القطاع وقيمة صادراته خلال السنة الماضية بضغطٍ من اضطراب حركة التجارة الدولية.

خطوات مصرية لإعادة إحياء قطاع الغزل والنسيج

عقب استعراض أداء قطاع الغزل والنسيج، وفي ضوء المشكلات سالفة الذكر، تسعى الدولة المصرية إلى معالجة التحديات التي تعيق القطاع عن تحقيق الأداء الأمثل، عن طريق اتخاذ الخطوات الآتية:

  1. مشروع تطوير شركات الغزل والنسيج:

أوشك مشروع تطوير شركات الغزل والنسيج على الانتهاء، من خلال تدشين ثلاث مجمعات صناعية فى المحلة ودمياط وكفر الدوار بتكلفة 21 مليار جنيه، بالتوازي مع دمج حوالي 9 شركات لحلج وتجارة الأقطان في شركة واحدة، ودمج نحو 22 شركة غزل ونسيج وصباغة وتجهيز فى ثماني شركات كبرى، وتحديد ثلاثة مراكز رئيسة متكاملة تضم كافة مراحل الصناعة، وثلاثة مراكز للتصدير. وقد تم الانتهاء من تشييد 90‎%‎ من أكبر مصنع غزل فى العالم بشركة مصر للغزل والنسيج بالمحلة، فيما تم توقيع عقود تدشين عدد من المصانع في منطقة البيضا بالبحيرة وفى دمياط.

  1. خطة تطوير محالج القطن:

تستهدف الدولة استبدال سبعة محالج مطورة تعمل بتكنولوجيا حديثة محل 15 محلجًا، مع الأخذ في الحسبان أنه تم تشغيل محلج الفيوم في يوليو 2019، في حين بدأ التشغيل التجريبي لمحلج الزقازيق بحلول نوفمبر 2021. وقد حدث ذلك بالتوازي مع الانتهاء من تركيب المعدات الحديثة بمحلجي كفر الدوار وكفر الزيات، ومن المخطط الانتهاء من تطوير 3 محالج بنهاية العام المقبل 2022. ومن الممكن أن تصل طاقة المحالج الإنتاجية بعد التطوير إلى 4 ملايين قنطار قطن سنويًا بدلًا من الأداء الراهن عند حوالي 1.5 مليون قنطار.

  1.  تشييد مجمع الغزل والنسيج بمدينة “الروبيكي”:

افتتح الرئيس “عبد الفتاح السيسي” في يوليو 2020 المدينة الصناعية في الروبيكي التي تعد أول مجمع صناعي متكامل ومتخصص في الصناعات الجلدية باستثمارات محلية وأجنبية. وتبلغ مساحة المدينة الإجمالية 1629 فدانًا، بإجمالي عدد مصانع منتجة 195، ويحقق معدل نمو صناعي بقطاع الجلود يصل إلى 7% سنويًا. كما يضم المجمع مدينة للغزل والنسيج، بها 6 مصانع كمرحلة أولى، والتي تنتج آلاف الأطنان يوميًا، وتم البدء في تنفيذها عام 2018، ولمدة نحو 30 شهرًا.

  1.  تدشين أكبر مدينة لصناعة المنسوجات والملابس في مصر:

 بدأت الدولة في تدشين مدينة لصناعة المنسوجات والملابس في مصر المعروفة باسم “مان كاي” على مساحة 3.1 مليون متر مربع في مدينة السادات بمحافظة المنوفية، وتضم 592 مصنعًا، وتوفر 160 ألف فرصة عمل. والجدير بالذكر، أن “مان كاي” تُعد أكبر مدينة للصناعات النسيجية والملابس الجاهزة في مصر والشرق الأوسط وأفريقيا بمدينة السادات.

  1. إطلاق منظومة جديدة لتداول القطن:

قررت مصر تطبيق نظام جديد لتداول القطن المصري مع بدء موسم حصاد القطن 2020-2021، حددت خلاله 50 مركزًا لتسلّم الأقطان من المزارعين في الوجهين القبلي والبحري، وتضم المنظومة نحو 193 مركز تجميع أقطان في 14 محافظة بالوجهين البحري والقبلي، بينما يتم الإعداد لدخول القطن كأول السلع المتداولة عبر البورصة السلعية في عام 2022.

وفي الختام ينبغي التأكيد أن الدولة المصرية تضع خطة تطوير قطاع الغزل والنسيج نصب أعينها وهو ما تجلى في خطواتها الأخيرة لإعادة الريادة لهذا القطاع مرة أخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى