القضية الفلسطينية

استئناف الحوار الاقتصادي الأمريكي الفلسطيني.. استمرار لطرح “السلام الاقتصادي”

بعد توقف دام لخمسة أعوام، تم استئناف الحوار الاقتصادي الأمريكي الفلسطيني بغرض العمل على العديد من القضايا لدعم الازدهار الاقتصادي للشعب الفلسطيني. وقد انعقد الحوار في توقيت استثنائي تُعاني فيه السلطة الفلسطينية من أزمة مالية خانقة، تُعد الأسوأ منذ نشأتها؛ إذ تحتاج بشكل عاجل إلى 400 مليون دولار حتى تتمكن من الاستمرار في الوفاء بالتزاماتها المالية خلال الأشهر المقبلة.

وعلى الرغم من الصبغة الاقتصادية للحوار، إلا أن الجانب الفلسطيني أصر على طرح المطالب السياسية بالتوازي مع الاقتصادية خلال انعقد اللقاء، حيث تمثلت الأهداف الفلسطينية في المطالبة بدعم الولايات المتحدة في سبيل وقف المعوقات الإسرائيلية أمام تنمية الاقتصاد الفلسطيني من جانب، واستعادة الدعم الأمريكي للسلطة الفلسطينية بعد وقفه في عهد إدارة دونالد ترامب.

على الصعيد الآخر، تمثلت الأهداف الأمريكية في تحقيق تقدم على المستوى الاقتصادي يمكن أن يؤدي إلى تحسين الأوضاع المعيشية للفلسطينيين، خاصة في ظل جمود عملية السلام على المستوى السياسي. وكذا، تتضمن الأهداف الأمريكية من عقد الحوار أبعادًا أمنية تتمثل في تجنب انهيار السلطة الفلسطينية من خلال تعزيز العلاقات الاقتصادية بين الجانبين الفلسطيني والأمريكي؛ خشية من أن يسفر هذا الانهيار عن اشتعال الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بشكل يصعب السيطرة عليه.

تفاصيل المباحثات

خلال الحوار، ناقش المسؤولون الأمريكيون والفلسطينيون موضوعات رئيسة كان أهمها: تطوير البنية التحتية، وسبل الوصول إلى الأسواق الأمريكية، واللوائح الأمريكية والتجارة الحرة، بالإضافة إلى الطاقة المتجددة، والمبادرات البيئية، وربط الأعمال التجارية الفلسطينية والأمريكية، فضلًا عن سبل مجابهة عوائق التنمية التي يواجهها الاقتصاد الفلسطيني. وتضمن أيضًا الحوار مناقشة العلاقات التجارية الدولية.

وقد حددت الحكومة الأمريكية خلال اللقاء البرامج التي من شأنها دعم جهود السلطة الفلسطينية نحو القضايا المالية والتجارة، وكذلك تشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر. وأقر المشاركون بأهمية العلاقات السياسية والاقتصادية المستعادة بين الحكومة الأمريكية والسلطة الفلسطينية، وتعهد الجانبان بتوسيع وتعميق التعاون والتنسيق عبر مجموعة من القطاعات

خلال الحوار الاقتصادي الأمريكي الفلسطيني، أكدت مساعدة وزير الخارجية الأمريكية لشؤون الشرق الأدنى “يائيل لمبرت”، التي ترأست الوفد الأمريكي، على إيمان إدارة “بايدن” بأن الشعب الفلسطيني يستحق العيش في حرية وأمن وازدهار، وأشارت إلى أن نمو الاقتصاد الفلسطيني سوف يلعب دورًا مهمًا في تعزيز الهدف السياسي الأساسي المتمثل في تحقيق حل الدولتين عبر التفاوض، والوصول إلى دولة فلسطينية قابلة للحياة تعيش جنبًا إلى جنب في سلام وأمن مع اسرائيل.

 ومن الجانب الفلسطيني، ترأس الوفد ” خالد العسيلي” وزير الاقتصاد، وقد أكد الوفد الفلسطيني وضع كل مطالبه الاقتصادية والسياسية على الطاولة خلال الحوار، وتم توضيح خطورة استمرار الاقتطاع الإسرائيلي الشهري من أموال العائدات الضريبية الفلسطينية، وما لذلك من تأثير كارثي على الأزمة المالية التي تعاني منها السلطة الفلسطيني.  وتم الاتفاق مع الوفد الوزاري الأمريكي على تشكيل لجنة متابعة فنية ثنائية لمجابهة معيقات تنمية الاقتصاد الفلسطيني. وعدّ العسيلي أن ما تم طرحه من قبل رئيسة الوفد الأمريكي كان مطمئنًا، خاصة مع تمسك إدارتها بحل الدولتين والسعي إلى دعم ازدهار الاقتصاد للشعب الفلسطيني.

وتم الاتفاق أيضًا على تنفيذ مشروعات وكالة التنمية الأمريكية التي استأنفت برامجها في الأراضي الفلسطينية في أبريل الماضي، لدعم مشاريع القطاع الخاص والبنية التحتية والمستشفيات الفلسطينية في مدينة القدس بموازنة تقدر بـ75 مليون دولار.  واتفق الوفدان الوزاريان على إطلاق مشروع أمريكي يمتد لخمسة أعوام ويرصد سنويًا نحو 250 مليون دولار لتطوير القطاع الخاص والبنية التحتية الفلسطينية.

الحوار يأتي في وقت تفاقم الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية

خلال الآونة الأخيرة، تفاقمت الأزمة المالية التي تعاني منها السلطة الفلسطينية وتحول دون قدرتها على الوفاء بالتزاماتها، حيث تحتاج إلى 400 مليون دولار خلال الستة أشهر القادمة لتتجاوز تلك الأزمة. وقد فاقمت إسرائيل من الأزمة من خلال اقتطاعها من أموال الضرائب الفلسطينية والتي تتراوح نحو 750 مليون شيكل إسرائيلي شهريًا، فضلًا عن قيامها باقتطاع أموال إضافية خاصة بالمياه والصرف الصحي والكهرباء والخدمات الصحية، ذلك إضافة إلى الأموال التي تدفعها السلطة الفلسطينية لعائلات القتلى والأسرى والجرحى الفلسطينيين.

في السياق ذاته، تشكل عائدات الضرائب حوالي 60% من إجمالي الإيرادات العامة للحكومة الفلسطينية التي تواجه انخفاضًا حادًا في إيراداتها نتيجة توقف الأنشطة الاقتصادية بسبب تفشي وباء كورونا. على الصعيد الآخر، انخفضت المساعدات المالية التي تتلقاها السلطة الفلسطينية، حيث لم يتجاوز 10% مما كان يصل عادة إلى الخزينة الفلسطينية.

وتنقسم المساعدات الخارجية التي يتلقاها الفلسطينيون إلى ثلاثة أقسام، هي: المساعدات الإنسانية، والمشاريع التنموية، ومساعدات مالية لخزينة الدولة التي منها تصرف الرواتب للموظفين والأسر الفقيرة والمصاريف التشغيلية، وقد استمرت المساعدات الإنسانية والمشاريع التنموية، في حين أن دعم الموازنة العامة توقف من قبل المانحين سواء الدول العربية أو غيرها.

بالإضافة إلى ما سبق، فقد ساهم توقف الدعم الأمريكي للخزينة الفلسطينية أثناء تولي إدارة “دونالد ترامب” الحكم في الولايات المتحدة، في تضخم الأزمة. حيث جمدت الإدارة السابقة مساعداتها للسلطة الفلسطينية بصورة كاملة في أعقاب إقرار الكونجرس قانون “تايلور فورس” والذي نص على إجبار السلطة الفلسطينية لتوقيف سياساتها الخاصة بدفع رواتب للمعتقلين الفلسطينيين المدانين بقتل إسرائيليين وعائلات منفذي الهجمات الفلسطينيين الذين قتلوا خلال تنفيذهم هجمات. وقد أعلنت إدارة بايدن، أنها لن تنتهج سياسة الإدارة السابقة التي أوقفت الدعم المالي عن السلطة الفلسطينية.

وكان مستشار رئيس الوزراء الفلسطيني، اسطفان سلامة، قد أكد  قبل انطلاق الحوار، أن الإدارة الأمريكية أعادت تمويل وكالة الأونروا والمشاريع الإنسانية والتطويرية في الأراضي الفلسطينية من خلال منظمات أممية وشركات خاصة، لكن الدعم المالي المباشر لخزينة السلطة الفلسطينية الذي يغذي رواتب الموظفين والعائلات الفلسطينية الفقيرة هو الذي لم يعد حتى اللحظة بسبب قوانين أمريكية، لكنه أكد أهمية هذا الحوار، في ظل الإدارة الأمريكية الحالية، وقال “نأمل من خلال الحوار أن تتم عودة المساعدات الأمريكية خاصة الاقتصادية قريبا”.

 استئناف الحوار الأمريكي الفلسطيني.. استمرار لطرح “السلام الاقتصادي”

في ظل تعثر تحقيق أي تقدم تجاه عملية السلام على المستوى السياسي، تسعى الإدارة الأمريكية الحالية إلى استعادة العلاقات الاقتصادية واتخاذ خطوات من شأنها تعزيز الأوضاع الاقتصادية للفلسطينيين؛ خشية خلق حالة من الفوضى والاضطراب والتدهور الأمني، أو انهيار السلطة الفلسطينية. إذ تسعى إلى تخفيف الاحتكاك بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، وإدارة الصراع بدلًا من حسمه، من خلال توفير مناخ مستقر في الأراضي الفلسطينية.

وبالتالي، فإن الحوار الاقتصادي الفلسطيني الأمريكي يسير في نفس التوجه المبني على فكرة “السلام الاقتصادي”، وتعزيز التنسيق الأمني مع السلطة، وتعميق برتوكول باريس الاقتصاد. لكن على الرغم من ذلك، فمن المستبعد أن يعالج هذا التوجه الأزمة السياسية، خاصة في ظل استمرار سياسة الاستيطان ومصادرة الأراضي.

في هذا الإطار، فإن عودة العلاقات الاقتصادية تشكل محاولة لإنقاذ السلطة من الانهيار، بعد تزايد التحذيرات من إمكانية تهاويها. إذ تخشى الولايات المتحدة من هذا السيناريو الذي قد يترك خلفة ساحة خصبة للمقاومة. لذلك، فالحوار الفلسطيني الأمريكي يحمل في طياته بعدًا أمنيًا لمحاولة حماية أمن السلطة من خلال تدعيمها.

ختامًا، على الرغم من تأكيد إدارة بايدن خلال الحوار الفلسطيني الأمريكي الاقتصادي على رؤيتها الهادفة إلى تعزيز الاقتصاد الفلسطيني وفتحه أمام الأسواق الأمريكية والعالمية، فإنها لا تزال بعيدة عن تحريك عجلة السلام الفلسطيني الإسرائيلي. وحتى إن تم اتخاذ بعض الخطوات على المستوى الاقتصادي، إلا أن ذلك لن يشكل حلًا خاصة في ظل استمرار ممارسات إسرائيل الاستيطانية، واستغلالها للموارد الفلسطينية، بالتزامن مع تضييق الخناق على الاقتصاد الفلسطيني. 

فضلًا عن ذلك، فإن عدم وفاء الولايات المتحدة بوعودها الخاصة ظل عدم اتخاذها خطوات جادة من شأنها التوصل إلى حل سياسي للصراع وإخفاقها في تحريك العملية السلمية سوف يؤدي في نهاية المطاف إلى تعقيد الصراع أكثر مما هو عليه. وفي النهاية فمهما حاولت الولايات المتحدة فلن يكون السلام الاقتصادي بديلًا للسلام السياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى