أوروبامكافحة الإرهاب

لندنستان.. خفايا توطين الإسلام السياسي في بريطانيا

شكل الملاذ الآمن لعناصر الإسلام السياسي في العاصمة البريطانية لندن حالة من التساؤل في الصالونات السياسية حول العالم، حتى أصبح مصطلح “لندنستان” يسرد في أعلى الدوريات السياسية رصانة واحترافية، ودخل المصطلح قواميس علوم السياسة واللغة الإنجليزية.

إن فكرة تأسيس طابور خامس داخل الدين الإسلامي ومجتمعات المشرق من الهند وحتى غرب أفريقيا -وإن كانت فكرة أوروبية عامة منذ الحروب الصليبية الأولى- إلا أن بريطانيا هي أفضل من طور وأنتج تلك الفكرة بحلول القرن الثامن عشر؛ فلا عجب أن تكون أعتى التنظيمات الإسلامية قد خرجت من مصر وإيران والهند، الدول الثلاث التي احتلتها بريطانيا وأنتجت في مجتمعاتها الجماعات الإرهابية التي أصبحت لاحقًا مسؤولة عن حراسة الجهل والهمجية في تلك المجتمعات.

وبحلول الأربعينات وصعود الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عظمى، تسلمت واشنطن ملف الإسلام السياسي، وأنتجت رؤيتها الخاصة عبر تأسيس التنظيم الدولي للإخوان بوصفه المظلة التي تحتضن كافة جماعات الإسلام السياسي، تلك التنظيمات التي لا تنتمي إلى اليمين أو اليسار كما يحاول البعض نسبها، ولكن واقع الأمر أن الإسلام السياسي ما هو إلا جماعة وظيفية تقوم بمهام مكلفة بها لصالح من يدفع ويمول فحسب.

وعقب انتهاء الحرب الباردة التي لعبت فيها الجماعات الوظيفية الإسلامية دورًا مهمًا في تركيع الاتحاد السوفيتي في حرب أفغانستان، وصناعة الفوضى والثورات الملونة في الجنوب السوفيتي المسلم وآسيا الوسطي والبلقان والقوقاز، كان هناك صراع حقيقي بين أقطاب الغرب على استقطاب العناصر الإسلامية التي امتلكت تلك الخبرات الميدانية والتنظيمية خلف حدود الاتحاد السوفيتي ويوغوسلافيا.

بنك أهداف توطين الإسلام السياسي في لندن

وبحسب كتاب “التاريخ السري لتآمر بريطانيا مع الأصوليين” للمؤرخ البريطاني مارك كورتيس Secret Affairs: Britain’s Collusion with Radical Islam فإن بريطانيا قررت أوائل التسعينات أثناء وزارة جون ميجور زعيم حزب المحافظين توفير ملاذات آمنة لعناصر الجماعات الإسلامية في العاصمة لندن من أجل بنك كامل من الأهداف يشمل:

1 – توفير الحماية القانونية: 

الملاذ الآمن لعناصر الإسلام السياسي يوفر لهم الحماية من الملاحقة القانونية التي تسعى إليها الدول المتضررة من إرهاب تلك العناصر، خاصة أن بعض دوائر الولايات المتحدة الأمريكية كانت ترى بريطانيا قد عملت مع الإسلاميين بعيدًا عن التنسيق الأنجلوساكسوني بين المخابرات البريطانية والمخابرات الأمريكية. وكان هنالك مسعى أمريكي لتوقيف عدد من الإسلاميين الموالين لبريطانيا من أجل استجوابهم حول العمليات البريطانية السرية خلف خطوط الكتلة الشرقية التي جرت دون علم الولايات المتحدة الأمريكية.

وقد استخدمت بريطانيا الإسلام السياسي مرارًا ضد الغريم التاريخي ألا وهي فرنسا، وكانت السلطات الفرنسية بدورها تسعي إلى توقيف العشرات من الإسلاميين الموالين لبريطانيا. هكذا أصبح هؤلاء الإرهابيون هم خزينة أسرار والصندوق الأسود للغرب عمومًا وبريطانيا خصوصًا في مسألة توظيف الجماعات الإسلامية في الحرب الباردة ضد الكتلة الشرقية عمومًا والاتحاد السوفيتي على وجه التحديد.

2 – الاستفادة من بيزنس الإسلام السياسي:

أدى توطين الإسلام السياسي في بعض دول أوروبا الشرقية مثل ألمانيا الشرقية ونصب محطة كبرى لهم في ألمانيا الغربية إلى تضخم دور الإسلاميين الأوروبيين تحت مظلة التنظيم الدولي في عمليات غسيل الأموال تحت مسمى شبكات الزكاة بين المسلمين في أوروبا أو تبرعات أثرياء الخليج، كما عمل الإسلاميين في شبكات الجريمة المنظمة عبر توظيف بعض العناصر الإرهابية في بعض العمليات الإجرامية بين “بارونات” الجريمة في القارة الأوروبية.

وعمل بعض الإسلاميين أيضًا في شبكات الرقيق الأبيض، وتهريب والإتجار بالبشر والآثار والمخدرات وبعض العمليات الإرهابية البيولوجية، وهو الدور ذاته الذي قام به إسلاميو الربيع العربي حينما سيطروا على بعض أجزاء من سوريا والعراق واليمن وليبيا في القرن الحادي والعشرين.

3 – إعادة توظيف الإسلام السياسي كلما انتهى دوره: 

كانت هناك خطة للغرب من أجل نقل الإرهاب الأفغاني من الجمهوريات السوفيتية السابقة إلى داخل الجمهورية الروسية الفيدرالية عبر بوابة القوقاز بوجه عام والشيشان بوجه خاص. وبعد النجاح في تفكيك الاتحاد السوفيتي، حان وقت تفكيك الاتحاد اليوغوسلافي، وبحلول عام 2001 كانت يوغوسلافيا قد لحقت بالاتحاد السوفيتي بعد أن حقن الغرب الجمهوريات اليوغوسلافية المسلمة مثل البوسنة وكوسوفو بفيروس الإسلام السياسي.

وتم تسويق تلك المظلومية في العالم الإسلامي بأنها حملة صليبة صربية ضد الإسلام، رغم حقيقة أنها سلسلة من التمردات العرقية ويكفي القول إن صربيا قد قامت بالجرائم ذاتها حيال قوميات كرواتيا وسلوفينيا حينما انتفضت للاستقلال عن يوغوسلافيا.

4 – استمرار سياسة فرق تسد

وهي السياسة التي بدأتها بريطانيا بين التيار القومي والتيار الديني، وبين العرب واليهود في فلسطين إبان الانتداب البريطاني، وكانت النسخ الجديدة هي: دعم الإسلاميين في وجه الحكومات الصديقة في مصر والسعودية والجزائر وباكستان.

وتعود فكرة توطين الإسلاميين في لندن تحديدًا إلى سنوات حكومة زعيم حزب العمال الاشتراكي هارولد ويسلون عام 1965، ووصلت للذروة في سنوات زعيمة حزب المحافظين مارجريت تاتشر وحكومتها التي استمرت ما بين عامي 1979 و1990.

وعقب انتهاء الحرب الباردة، استقبلت لندن 2000 عنصر ينتمون إلى 200 شبكة إسلامية حول العالم، وذلك من أجل تأسيس قاعدة ومركز عالمي للإسلام السياسي في بريطانيا.

وبحسب الكتاب المشار اليه، فإن كافة الإسلاميين أو العناصر المعارضة للحكومات الأجنبية الذين يحصلون على إقامة مؤقتة أو دائمة على الأراضي البريطانية هم على اتصال مع المخابرات البريطانية ويعملون تحت بند “العملاء”، ولهم تاريخ طويل، ليس في التعامل مع البريطانيين فحسب، ولكن أيضًا في الوشاية بالعناصر الإسلامية أو غير الإسلامية التي تخرج عن الخطوط العامة للأجندة البريطانية. فالعميل البريطاني هنا لا يكتفى بتنفيذ الأجندة البريطانية، ولكنه مرشد وجاسوس على رأس كافة زملائه إذا ما فكر أحدهم في العمل لحسابه أو لصالح دولة أخرى تستغل الإسلام السياسي بشكل مخالف للرؤية البريطانية.

كيف تحمي المخابرات البريطانية عملاءها الإسلاميين؟

في صيف 1995، شهدت العاصمة الفرنسية باريس سلسلة من الأعمال الإرهابية؛ في 25 يوليو 1995، انفجرت عبوة ناسفة في محطة سان ميشال التابعة لمترو أنفاق باريس، مما أسفر عن مقتل ثمانية أشخاص وإصابة 80 آخرين.

وفي 17 أغسطس 1995، انفجرت قنبلة في قوس النصر وأصابت 17 شخصًا، وفي يوم 3 سبتمبر1995، تعطلت قنبلة في أحد ميادين باريس، مما أسفر عن إصابة أربعة أشخاص، وفي 7 سبتمبر 1995، انفجرت سيارة مفخخة في مدرسة يهودية بمدينة ليون وأصابت 14 شخصًا.

وفي 6 أكتوبر 1995، انفجرت عبوة ناسفة في محطة البيت الأبيض من مترو باريس وأصابت 13 شخصًا، وفي 17 أكتوبر 1995 انفجرت عبوة ناسفة بين متحف أورسيه ومحطة سان ميشال نوتردام، حيث أصابت 29 شخصًا.

أثبتت التحريات الفرنسية أن خلية تابعة لتنظيم الجماعة الإسلامية المقاتلة الجزائرية تقف خلف الأمر، وقدمت السلطات الفرنسية اعترافات رسمية إلى السلطات البريطانية تفيد بأن الإرهابي المقيم في بريطانيا رشيد رمضة Rachid Ramda قد دخل فرنسا وشارك في ترتيب وتنفيذ العمليات قبل أن يفر إلى لندن.

ماذا فعلت السلطات البريطانية؟ بحسب الكتاب المشار إليه فإن المخابرات البريطانية لفقت تهمة للإرهابي الجزائري من أجل التحفظ عليه في مكان آمن في لندن عشر سنوات كاملة، قبل تسليمه إلى فرنسا عام 2005، بعد أن أصبح ورقة محروقة وبعد أن هدأ الغضب الفرنسي من الإرهاب القادم من لندستان.

كان يمكن لتسليم رشيد رمضة فور الانتهاء من التحقيقات الفرنسية عام 1995 أن يكشف أوراقًا بريطانية، وأن يجهض اعمالًا إرهابية تعرضت لها فرنسا لاحقًا والعالم بأسره على ضوء انتماء رشيد رمضة إلى شبكات التنظيم الدولي للإخوان وتنظيم الإخوان في الجزائر ولاحقًا شبكة القاعدة، ولكن كل ذلك كان مرغوبًا فيه غربيًا بوجه عام وبريطانيًا بوجه خاص.

لذا وعلى ضوء الشبكة التي يديرها رشيد رمضة، فقد سُمح لهذا الأخير بالمكوث في لندن في إقامة سبعة نجوم بأحد السجون تحت حماية قانونية وشخصية وفرتها المخابرات البريطانية مقابل أن تعمل شبكته لصالح أجندة الفوضى وفرق تسد البريطانية.

يذكر أن رشيد رمضة قد شوهد في باكستان عام 1989 ضمن شبكات الأفغان العرب التي أدارها تنظيم الإخوان بقيادة الإخواني الفلسطيني عبد الله عزام، وشارك في جهود الإغاثة الطبية في أفغانستان التي كانت ستار الغرب لإدخال المساعدات للإرهابيين الأفغان أثناء قتالهم ضد السوفييت.

وعقب سقوط الاتحاد السوفيتي استقبله ضباط المخابرات البريطانية في لندن، ولاحقًا قدمت السلطات الجزائرية ما يفيد تورطه في الإرهاب ومسؤوليته المباشرة عن هجوم مطار الجزائر عام 1993 ما أسفر عن مقتل 9 أشخاص وإصابة 123. ومع ذلك رفضت بريطانيا تسليمه وظل حرًا طليقًا في بريطانيا وعموم أوروبا.

وعقب تسليمه إلى فرنسا، حكم عليه بالسجن المؤبد (22 عامًا) وأغلقت القضية، ما يجعلنا نفهم أن الإسلام السياسي لم يخرج عن السيطرة يومًا ما قط، بل يستخدم في الحروب الباردة بين الدول الغربية نفسها.

شبكة ابن لادن

أصبحت لندن تضم أوائل التسعينات مع مجيء حكومة جون ميجور مكاتب رسمية وإعلامية تابعة للجماعة الإسلامية المسلحة الجزائرية التي انضمت لاحقًا إلى تنظيم القاعدة في بلاد المغرب، والجماعة الإسلامية المقاتلة الليبية رأس حرب الغرب في إسقاط الجماهيرية الليبية ونظام معمر القذافي عام 2011 تحت راية الربيع العربي، وجماعة الجهاد المصرية المسؤولة عن إرهاب التسعينات الذي ضرب مصر من القاهرة إلى الأقصر، ولجنة الشورى والإصلاح التابعة لتنظيم القاعدة، وهو مكتب رسمي يعمل فيه العديد من معاوني الإرهابي أسامة بن لادن.

وقد زار ابن لادن العاصمة البريطانية أكثر من مرة ما بين عامي 1994 و1966 على متن طائرته الخاصة، واجتمع بعناصر من المخابرات البريطانية والأمريكية، ونظمت لندن عدة اجتماعات ما بين أسامة بن لادن وأمراء سعوديين خلال تلك الزيارات.

وكانت لجنة الشورى والإصلاح التابعة لشبكة ابن لادن من قبل الإعلان الرسمي عن قيام تنظيم القاعدة تعمل بشكل قانوني وآمن على الأراضي البريطانية لتمويل وتنظيم شبكات الإرهاب التابعة لأسامة بن لادن في السودان والدول الأفريقية.

ويلاحظ أن الإعلام الدولي خاصة الأمريكي والبريطاني لم ينعت ابن لادن بالإرهابي إلا عقب احداث 11 سبتمبر 2001 ببضعة أشهر وليس بشكل فوري، حيث كان مصطلح رجل الأعمال السعودي أو المنشق السعودي هو مصطلح ابن لادن إعلاميًا.

وقد قامت بريطانيا باستضافة ما يسمى بـ”المعارضة السعودية” في إطار لعبة فرق تسد، وتحديدًا ما يسمى بـ”حركة الإصلاح الإسلامي في الجزيرة العربية”.

وفى أوائل سنوات قيام لندنستان، مر على بريطانيا بشكل طبيعي وآمن، وأقام وتبادل معلومات مئات من الشباب الذي مارس الإرهاب –تحت مسمى الجهاد الإسلامي– لاحقًا في سنوات ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وتسلمت تلك الشبكات الإسلامية في لندنستان شبكات من الجريمة المنظمة المتعلقة بالدعارة والسلاح والأدوية والأوبئة وتجارة الجنس وغسيل الأموال، وذلك بالاشتراك مع عصابات الجريمة المنظمة في كافة التجارات السابقة.

ونسقت بريطانيا مع باكستان في إرسال شباب بريطاني مسلم من أصول باكستانية للقتال في صفوف حركات مجاهدي كشمير من أجل ضرب التجربة الهندية في الاقتصاد والاستقرار خلال تسعينات القرن العشرين. وتُرك للإسلاميين العمل بكل حرية وسط الجاليات العربية والإسلامية، خاصة الشباب المصري والجزائري من أجل تجنيد عناصر تعمل لصالح جماعة الجهاد المصرية والجماعة الإسلامية الجزائرية في زمن إرهاب التسعينات. تلك الجهود جرت بمعرفة رؤساء وزراء بريطانيا، مارجريت تاتشر وجون ميجور.

شبكة أبي نضال الفلسطيني

وفى أواخر الستينات، وحينما كانت الأردن تستضيف منظمة التحرير الفلسطينية، انشق رجل الأعمال الفلسطيني الثري صبري البنا (أبو نضال) عن حركة فتح، وأسس شبكة تحت اسم “حركة فتح – المجلس الثوري” تمارس العمل الإرهابي الحر باسم القضية الفلسطينية، وحظي برعاية الأنظمة البعثية في دمشق وبغداد، حيث كان رؤساء البلدين، أحمد حسن البكر وصدام حسين وحافظ الأسد، يحاولون خلق قيادة بديلة لمنظمة التحرير الفلسطينية موالية لهم بعيدًا عن زعامة ياسر عرفات.

أقام أبو نضال في بغداد منذ عام 1969، تحت رعاية النظام البعثي العراقي، وفى 5 سبتمبر 1973 نفذت شبكة أبو نضال أولى عملياتها بالهجوم على السفارة السعودية في باريس، ما جعل عرفات يقرر فصل أبي نضال رسميًا من حركة فتح، وفى عام 1974 أصدرت المحكمة الخاصة بحركة فتح قرارًا غيابيًا بإعدام أبي نضال بتهمة محاولة اغتيال القيادي محمود عباس (أبو مازن).

أصبح أبو نضال هو سيد فلسطين المتوج في بغداد، حيث أسندت اليه معسكرات لتدريب المقاتلين الفلسطينيين وصرف رواتب شهرية وصول مجموعها إلى 150 ألف دولار شهريًا بأرقام السبعينات، إضافة إلى ترسانة من الأسلحة الحديثة، ومئات من جوازات السفر العراقية ومحطة راديو وصحيفة خاصة بشبكته!

اتصل معمر القذافي رئيس ليبيا بشبكة أبي نضال، وفتح له معسكرات في ليبيا، ما جعل الشبكة تمتلك نفوذًا في خط إقليمي ما بين العراق وسوريا ولبنان وليبيا، وقامت شبكة أبي نضال بتصفية العشرات من القادة الفلسطينيين المحسوبين على جبهات مختلفة مع أبي نضال، وتم ترحيل العشرات من الفلسطينيين من سوريا والعراق إلى مخيم البداوي للاجئين في لبنان تحت سيطرة شبكة أبي نضال من أجل تصفيتهم هناك استغلالًا لأجواء الحرب الاهلية اللبنانية (1975 – 1990).

وفي ليلة من ليالي شهر نوفمبر1987، قُتل 70 عضوًا وتم دفنهم في مقبرة جماعية، وأحضرت جرافة لحفر الخندق؛ وكانت أيدي الرجال مكبلة وراء ظهورهم، وتم إلقاؤهم في القبر، وإطلاق نيران الرشاشات عليهم، وكان لا يزال عدد منهم على قيد الحياة ويقاوم ما يحدث له، وبعد ذلك بفترة قصيرة، واجه 160 آخرون المصير نفسه في ليبيا داخل معسكرات شبكة أبي نضال وبأوامر صريحة منه.

وبين عامي 1973 و1993، كان صبري البنا هو المسؤول عن عمليات إرهابية في 20 دولة تحت اسم القضية الفلسطينية، وارتبط اسمه بعمليات غسيل أموال وتهريب سلاح في شبكات أوروبية وبريطانية، وفتح له القذافي أبواب طرابلس، ولكن عقب قضية لوكيربي اضطر القذافي إلى إنهاء إقامته. وهكذا عاد أبو نضال إلى بغداد تحت حماية صدام حسين.

وفى عام 2002 قامت المخابرات العراقية بتصفية أبو نضال في بغداد، في عملية سردت لها ألف قصة وسيناريو، ولكن الثابت أن صدام قد انتهى من الاستفادة بهذه الشبكة وهذا الرجل، وأنه أصبح عبئًا على بغداد، وأن هنالك مخاوف بعثية وقتذاك من أن تقوم جهات أجنبية باستخدام شبكة أبي نضال ضد العراق عشية الغزو الأمريكي للعراق.

ولكن ما علاقة بريطانيا بأبي نضال؟ بحسب الكتاب المشار اليه، فإن بريطانيا اخترقت شبكة أبي نضال منذ عام 1974، وقد أفسحت له المجال دون اتصال مباشر، وذلك من أجل هدفين، الأول أنه حقق حلمًا مستحيلًا لبريطانيا منذ زمن بأن يتم ربط القضية الفلسطينية بالإرهاب وصنع مصطلح الإرهاب الفلسطيني.

ويكفي العملية الإرهابية التي ضربت مطاري فيينا وروما في 27 ديسمبر 1985 فسقط 18 قتيل وأكثر من 100 مصاب وخسرت القضية الفلسطينية أرصدة تعاطف في النمسا وإيطاليا وعموم أوروبا إلى حين عقد اتفاقيات أوسلو في التسعينات. أما الهدف الثاني فهو تجنيد بعض عناصره الإرهابية للعمل كمجاهدين إسلاميين، وبعض العملاء البريطانيين في شبكته هم من قادوا العمليات المالية لغسيل الأموال وتهريب السلاح وتصفية أسماء فلسطينية خطرة على إسرائيل.

هكذا أفسحت المخابرات البريطانية الطريق أمام صبري البنا وشبكته من أجل تلطيخ المقاومة الفلسطينية وخلق مصطلح الإرهاب الفلسطيني والأهم تنفيذ بنك أهداف بريطاني ظنًا منه أنه ينفذ أوامر أنظمة القومية العربية في سوريا ولبنان والعراق وليبيا.

شبكة أبو حمزة المصري

ولد مصطفى كامل مصطفى بالإسكندرية عام 1958، انتسب لتنظيم الإخوان قبل أن يغادر إلى بريطانيا عام 1979 حيث رتب له التنظيم الدولي زيجة سريعة مع مسلمة بريطانية من أجل الجنسية، ثم بدأت أنشطته تنتقل إلى أفغانستان، قبل أن يعود إلى بريطانيا وتسلمه المخابرات البريطانية جامع فنسبيري Finsbury Park Mosque شمال لندن عام 1990، ليصبح هذا المسجد هو مركز تجميع شبكة المجاهدين إلى أفغانستان ثم البوسنة، وتخطيط عشرات العمليات الإرهابية لصالح جماعة الجهاد الإسلامية المصرية والجماعة الإسلامية الجزائرية.

وبحسب الكتاب المشار اليه، كان مصطفي كامل المعروف بـ”أبي حمزة المصرية” عميلًا للمخابرات البريطانية، صاحب جلسات ثابتة الموعد مع المخابرات والشرطة البريطانية للتبليغ عن أي شخص في الجاليات العربية والمسلمة قد يشكل خطرًا على الأمن القومي البريطاني، أو على لعبة فرق تسد البريطانية. فلم يكن مجرد عميلًا للمخابرات البريطانية داخل أوساط الإسلام السياسي ولكنه كان أيضًا مخبرًا بريطانيًا داخل الجاليات المصرية والعربية والمسلمة.

طلبت مصر واليمن تسليمه دون جدوى، وسافر إلى البوسنة ثلاث مرات عام 1995، وسلمته المخابرات البريطانية مسؤولية تنظيم معسكرات للتدريب العسكري في معتزلات ريفية في إنجلترا وويلز وأسكتلندا للإرهابيين الإسلاميين، ووفرت المخابرات البريطانية لشبكة أبي حمزة أطنانًا من جوازات السفر المزيفة والأسلحة المتطورة، بل أن بعض ضباط الجيش البريطاني قد شاركوا في تدريب تلك العناصر التي قامت بأعمال إرهابية احترافية في مصر والجزائر واليمن والبوسنة وأفغانستان.

أسس عام 1994 منظمة أنصار الشريعة، وعقب أحداث 11 سبتمبر 2001 طلبت الولايات المتحدة الأمريكية من بريطانيا تسليم أبي حمزة المصرية بتهمة إقامة معسكر لتدريب الإرهابيين في ولاية أوريجون. وأمام حقيقة أن معسكرات أبي حمزة كانت تحت إشراف المخابرات البريطانية وتدريب الجيش البريطاني، كان من المستحيل تسليمه، ولكن جرى صراع داخلي في بريطانيا حول هذه الملفات، ولكن المخابرات البريطانية دبرت له تهمة ساذجة من أجل الزج به في السجون البريطانية وتوفير الملاذ الآمن له عام 2004، إلى حين الجلوس معه والاتفاق على الرواية التي سوف يخبر بها الأمريكيين. وفى 2012 تم تسليمه إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث صدر حكم بحقه بالسجن مدى الحياة بأحد سجون ولاية كولورادو الأمريكية.

شبكة أبي قتادة الفلسطيني

من يتصور أن سفير ابن لادن في أوروبا، الأب الروحي للقاعدة في أوروبا، كان له مقر دائم وقانوني في لندن؟ هو عمر محمود عثمان، من مواليد بيت لحم بالضفة الغربية عام 1960. أقام في الكويت، ومثل كافة تنظيمات الإخوان خاصة إخوان الكويت أيد أبو قتادة الغزو العراقي للكويت، وطرد من الكويت إلى الأردن ولاحقًا وصل إلى بريطانيا بجواز سفر إماراتي مزيف عام 1993 ليصبح مندوب ابن لادن في أوروبا.

قبل ذلك وطيلة الثمانينات، ظهر على مسرح الأحداث في أفغانستان، وبحسب الكتاب المشار اليه فإن أبو قتادة كان عميلًا مخلصًا للمخابرات البريطانية منذ الحرب السوفيتية الأفغانية، وقد جند عناصر لجماعة الجهاد المصرية والجماعة الإسلامية الجزائرية اثناء وجوده في أوروبا، وقابل أبو مصعب الزرقاوي مؤسس تنظيم القاعدة العراقي الذي تحول عقب تصفية الزرقاوي إلى تنظيم داعش.

وصفه الكتاب بانه ” ضابط الاتصال بين بريطانيا وشبكة خطاب التي تقاتل في الشيشان وأفغانستان”. وعقب أحداث 2001 بدأت مطالب حقوقية في بريطانيا بالقبض عليه واستجوابه عن مجمل أعماله الإرهابية، وعلى ضوء ملفه الضخم في التعامل مع المخابرات البريطانية فقد كان من المستحيل أن تستلم المخابرات بهذه السهولة لفكرة خضوع رئيس شبكتها للاستجواب على يد الشرطة المدنية، لذا حاولوا تهريبه بجواز سفر إيراني إلى أفغانستان وفشلت العملية، ثم تم تسكينه بيت آمن في لندن.

ولكن الجهود الحقوقية أسفرت عن العثور عليه في أكتوبر 2002، وبدأت سلسلة من المحاكمات الهزلية طويلة النفس، إلى أن رتبت المخابرات البريطانية خروجًا آمنًا لعميلها المهم في حروب كشمير والشيشان وكوسوفو وأفغانستان، حيث سلمته إلى الأردن التي سبق واتهمته بتدبير عمليات إرهابية مقابل محاكمة سريعة أفضت إلى تبرئة أبو قتادة واتخاذه من الأردن حتى لحظة كتابة تلك السطور مقرًا له.

شبكة “المهاجرون”

يدعي عمر بكري محمد أنه ولد في لبنان وأن الأوراق التي تشير إلى ميلاده في حلب عام 1958 هي أوراق كاذبة! وذلك من أجل نفي انتمائه لتنظيم الإخوان ومشاركته في حقبة الدم وإرهاب الإخوان في السبعينات بسوريا عقب عودته من الدراسة بجامعة الأزهر في مصر.

فر عمر بكري محمد من سوريا بترتيبات بريطانية عقب انفجار المواجهة بين الإخوان والنظام البعثي، حيث وصل إلى السعودية، وانضم إلى حزب التحرير الإسلامي، ومن داخل الحزب أسس تنظيم “المهاجرون”، ولاحقًا ظهر في بريطانيا ضمن رجالات لندنستان وأصبح اسمه “الشيخ عمر بكري محمد”.

وبحسب الكتاب المشار إليه، ذهب بنفسه إلى جبهات القتال في كشمير والشيشان وكوسوفو، وأصبح من أهم “موردي” المجاهدين إلى جبهات القتال في كوسوفو في السنوات الأخيرة من عمر يوغوسلافيا، وشارك في الترتيبات البريطانية لتدريب جيش تحرير كوسوفو في معسكرات تابعة للجيش البريطاني في ألبانيا.

عقب تفجيرات لندن يوليو 2005 والتي تورطت بها جماعة المهاجرين التي يرأسها، بدأت إجراءات القبض عليه، ولكن المخابرات البريطانية وفرت له الخروج الآمن إلى لبنان، وخرج وزير الداخلية البريطاني تشارلز كلارك بحكومة توني بلير ليعلن أن لندن لا تسعى إلى القبض على بكري وفى نفس الوقت غير مسموح له بالعودة إلى الأراضي البريطانية!

استقر بكري في طرابلس، وفى أكتوبر 2014، حكمت محكمة لبنانية على بكري بالسجن ست سنوات مع الأشغال الشاقة بتهمة تأسيس فرع لبناني تابع لتنظيم القاعدة، وتأسيس جماعة إرهابية سورية مرتبطة بجبهة النصرة، وبناء معسكر تدريب لمقاتلي جبهة النصرة في لبنان من أجل إلحاق لبنان بإرهاب الربيع العربي.

وفي العام التالي، قُتل اثنان من أبناء بكري وهم يقاتلون في صفوف تنظيم الدولة الإسلامية. الأول محمد قتل في حلب بسوريا والثاني بلال في محافظة صلاح الدين في العراق في ديسمبر 2015.

يتضح من مسيرة بكري أن الخروج الآمن من بريطانيا لا يعني التقاعد بل مجرد إعادة تدوير، وأن شبكة أبو قتادة بدورها لا تزال تعمل ومتورطة في افتعال الإرهاب بجنوب سوريا في الأيام الاولي من الحرب الأهلية السورية.

لندنستان والربيع العربي

مع الصدام الذي جرى بين تنظيم الإخوان في سوريا والحكومة البعثية ما بين عامي 1979 و1981، نقل تنظيم إخوان سوريا مقر إقامته إلى لندن، وخلال سنوات الاحتجاجات التي أطلق عليها الربيع العربي ما بين عامي 2010 و2013، بدا واضحًا أن الحديث عن تفكيك لندنستان أو تراجع دورها في سنوات ما بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 هو مجرد دعاية ممنهجة لتخفيف الرفض الشعبي والدولي لفكرة إيواء بريطانيا لكل تلك العناصر والمكاتب الإرهابية في العاصمة.

فمع بدء الاضطرابات والفوضى وحزام الحروب الاهلية وتسليح الإسلاميين علنًا تحت مسمى الثورة، بدأت حركة لا تهدأ في لندنستان، إما مغادرة للعاصمة البريطانية من أجل العمل السياسي أو الإرهابي في دول الربيع العربي، أو في الموجة التالية حينما راحت بريطانيا تستقبل الهاربين والخاسرين في معارك الربيع العربي من كافة الدول العربية، وفى مرحلة تالية فإن بريطانيا استقبلت الموجة الثانية من الذين فشلوا في قطر وتركيا، لتصبح لندنستان هي أكبر تجمع للقيادات الإخوانية والإسلامية المنفية في العالم أجمع.

لقد كانت لندنستان هي الحاضر الغائب في سنوات الربيع العربي، منها خروج مقاتلين إلى سوريا والعراق وليبيا، وإليها عاد الفاشلون من مصر وسوريا والعراق وقطر وتركيا وتونس وليبيا والسودان.

إن تجمع هذه العناصر في العاصمة البريطانية يجعل فكرة تفكيك لندستان أبعد ما يكون عن الحقيقة، بل أن دوائر في الحزبين الكبيرين قد رأت في وجودهم استفادة مهمة في المعارك الانتخابية على ضوء حصولهم على الجنسية وامتلاك حق التصويت. إذ حيث تتنافس الأجنحة الليبرالية في حزب العمال وحزب المحافظين على كسب أصوات تلك الجماعات من أجل الحصول على مقاعد بمجلس العموم البريطاني.

ولعل هذا هو سر هذا الكم من العرب والفرس والبلوش والهنود والأفارقة والآسيويين الذين تم تصعيدهم داخل الحزبين الكبيرين في السنوات الأخيرة، إذ أصبح اللعب على كتل الأقليات مهمًا لحسم الصراعات الانتخابية، وأصبحت أجهزة الدولة العميقة بسيطرتها على الجاليات العربية والإسلامية عبر تسليمها لقيادات الإسلام السياسي تتحكم في نتائج نسبة كبيرة جدًا من مقاعد الانتخابات، ما يضرب أفكار الديمقراطية والدولة المدنية في مقتل، ويعري تلك الأوهام التي تحاول بريطانيا تصديرها إلى الشرق الأوسط.

إيهاب عمر

باحث سياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى