القضية الفلسطينيةمصر

سياسة مصر في إدارة ملف “إعادة إعمار غزة”

أعلنت مصر تقديم مبلغ 500 مليون دولار (مايو 2021) كمبادرة تخصص لإعادة الإعمار في قطاع غزة، عقب الهجمات الإسرائيلية على غزة التي استمرت 11 يومًا من القصف المباشر على الأبراج السكنية، والبنية التحتية في القطاع. وقبل نهاية العام الحالي، فعّلت مصر المرحلة الثانية لعملية إعادة إعمار غزة والتي ستشرع مصر فيها في البناء. تناقش الورقة سياسة مصر في ملف إعمار غزة، وعلاقته بإقليم شرق المتوسط.

الصورة العامة

أعلنت اللجنة الحكومية العليا لإعمار غزة (12 يوليو 2021) أن إجمالي الخسائر والأضرار خلال العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة بلغ 479 مليون دولار. وتوزعت الأضرار على ثلاثة قطاعات، هي قطاع الإسكان والبنية التحتية وبلغت نسبة الأضرار المباشرة فيه 61% من مجمل الأضرار، وقطاع التنمية الاقتصادية وبلغت نسبة أضراره 33%، وقطاع التنمية الاجتماعية وبلغت نسبة أضراره 7%.

تتضمن عملية إعادة إعمار قطاع غزة عدة مراحل رئيسة، (1) بدأت الأولى في مستهل شهر أكتوبر 2021 والتي شملت مهمتين أساسيتين هما التخطيط ودراسة حجم التضرر الذي لاحقه قطاع غزة، أما المهمة الثانية فهي إزالة الركام الذي خلفته الحرب (الهجمات الجوية الإسرائيلية)، استمرت المرحلة الأولى مدة 65 يومًا، برفع 85 ألف متر مكعب من الركام.

(2) دشنت مصر المرحلة الثانية يوم 13 ديسمبر 2021، عبر زيارة وفد هندسي مصري إلى فندق المشتل في غزة، وإعلان بدء ستة مشاريع إنشائية. المشروع الأول هو تطوير الواجهة البحرية للكورنيش شمال غزة، وتمت عمليات الحفر والردم، وبدأ المقاول الفلسطيني أعمال الطرق والبنية التحتية. بالإضافة إلى بناء ثلاثة مشاريع سكنية، هي: إنشاء 3 مدن سكنية، الأولى في الزهراء “دار مصر 1″، والثانية في جباليا “دار مصر 2″، والثالثة في بيت لاهيا “دار مصر 3”. أما المشروعين الاثنين الأخيرين يهدفان إلى تطوير التقاطعات المهمة لمدينة غزة؛ مفترقي الشجاعية والسرايا بإنشاء 2 كوبري لفك الاختناقات في المنطقتين.

(3) أما بقية المراحل الرئيسة لعملية الإعمار هي محل السرية وعدم الجهر بها لإشعار آخر يضمن الانتهاء من المرحلة السابقة لها بنجاح تام، وهي إحدى محاور سياسة مصر في العملية.

السياسة المصرية لعملية الإعمار

تتسم السياسة المصرية في عملية إعمار غزة بمجموعة من المرتكزات الأساسية، يمكن عرض أهمها فيما يلي: -مع العلم أن مرتكزاتها تحمل جوانب أهمية هذا الملف بالنسبة للقضية الفلسطينية والأمن الإقليمي في المنطقة.

  1. تأسيس لجنة وطنية مصرية للإشراف على العملية

حرصت مصر من اللحظة الأولى لإعلان دورها الاستراتيجي في إعادة إعمار غزة على تشكيل لجنة وطنية مصرية، برئاسة إبراهيم الشنيقي، (تتبع الحكومة المصرية) بهدف الإشراف على العملية. حرصت القاهرة على أن تتضمن اللجنة كافة التخصصات الخبراتية المتعلقة بالملف؛ بهدف إكساب اللجنة الطابعين الفني والسياسي في آن واحد.

  1. التنسيق المصري مع الأطراف المعنية

تحرص مصر على التنسيق السياسي مع الأطراف المعنية بالملف وهم إسرائيل والسلطة الفلسطينية ممثلة في اللجنة الحكومية الفلسطينية لإعمار غزة برئاسة ناجي سرحان، وحماس: بهدف رصد الأضرار ورفعها، ومن ثم تحديد المستفيدين من المشاريع السكنية.

وتسعى مصر أيضًا إلى استدامة التنمية في غزة من خلال مراقبة مشاركة كافة الفلسطينيين في العملية، ويتم ذلك من خلال اللجنة الحكومية الفلسطينية التي تسعى إلى عقد اللقاءات التشاورية وورش العمل بالتنسيق مع المؤسسات الدولية والمجتمع المدني لمناقشة كافة التدخلات المقترحة التي ستتضمنها الخطة وآليات التنفيذ، وذلك بهدف تعزيز المشاركة الفاعلة والواسعة من كافة الجهات ذات العلاقة، وتعزيزًا لمبدأ المساءلة والشفافية.

  1. دمج الشركات الفلسطينية

أكدت اللجنة المصرية ضرورة الاستعانة بالأيدي العاملة من الفلسطينيين والشركات الفلسطينية القادرة على تنفيذ المشروعات. وذلك بهدف مجموعة من العوامل: (أ) تعطل آلاف العمال وتضرر عشرات المنشآت الصناعية المحلية من القيود الإسرائيلية. وبالتالي تمثل مبادرة مصر بإعمار غزة فرصة اقتصادية لترميم الورش والشركات الفلسطينية العاملة في مجال الإنشائيات.  (ب) إنعاش الاقتصاد والتجارة الداخلية في قطاع غزة. (ج) إكساب عملية الإعمار طابعًا فلسطينيًا وطنيًا يستجيب له الشعب الفلسطيني في غزة.

أبعاد الدور المصري في ملف إعمار غزة

يشمل ملف عملية إعمار غزة مجموعة من الأبعاد التي ترسم للملف أهمية خاصة، يمكن توضيح أهمها فيما يلي:

  1.  تقوية السلطة الفلسطينية

تواجه السلطة الفلسطينية تحديات كبيرة، خاصة بعد تفشي جائحة فيروس كورونا، وبالتالي يمثل ملف غزة مشروعًا وطنيًا يعمل على تقوية رواية الفلسطينيين أمام الطرف الإسرائيلي. وكذلك، تضغط مصر على توظيف الملف لتحفيز عملية المصالحة الفلسطينية بين فتح وحماس.

  1. تحييد سيناريو “غزة غير قابلة للحياة”

بعد إعلان الحكومة الإسرائيلية إتمام سلسلة الجدران التي ترسخ عزل غزة عن الضفة الغربية، كان من اللازم تحويل غزة إلى منطقة قابلة للحياة تدافع عن وجودها بكسر الحصار من خلال تهيئة بنيتها التحتية، وخلق فرص اقتصادية وتجارية للشعب الفلسطيني في غزة من خلال عملية إعادة الإعمار بوتيرة سريعة دون انتظار مصر للاستجابات الدولية من عدمها. بكلمات بسيطة: يعد ملف إعمار غزة هو فرصة لكسر الحصار، وإعادة ربط غزة بالضفة الغربية.

  1. معادلة الأمن الإقليمي (بالتحديد في شرق المتوسط)

رغم تصاعد مؤشرات تحول “شرق المتوسط” إلى إقليم فرعي مهم في الشرق الأوسط، إلا أن الإقليم يشهد تداخل العديد من الصراعات، ومشاطأة الدول الفاشلة لشرق المتوسط، وغياب وجود اتفاقات ترسيم بحرية كاملة بين دوله وهو ما يحد من فرص الاستثمار في المنطقة والاستفادة من مقدراته. وهو ما ينطبق على قطاع غزة؛ إذ ترغب مصر في دفع مباحثاتها مع السلطة لترسيم الحدود البحرية، وعدم عرقلتها باندلاع أزمة بين حماس وإسرائيل.

وتجدر الإشارة إلى سياق مهم وهو أن مصر وثقت تعاونها مع الولايات المتحدة تحت مظلة منتدى غاز شرق المتوسط، وتسعى القاهرة بكل السبل إلى الحفاظ على معادلة أمن إقليمية متقدمة لتعزيز الاستقرار في هذا الإقليم الفرعي.

ختاما، يمكن القول إن تدشين العملية الثانية لعملية الإعمار تعني استقرار المبادرة المصرية، من خلال سياسة ممنهجة، وتقدمها بشكل هادئ وبقاء القضية الفلسطينية على أولويات مصر. وتتشعب أهمية هذا الملف لتشمل أبعادًا تصل إلى قراءة سياسة مصر الخارجية تجاه البحر المتوسط، وكيفية توجيه إدارة مقدراته بالشكل الملائم للطموح المصري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى