مصرعلوم وتكنولوجيا

البحث العلمي كلمة السر في تحقيق الأمن الغذائي.. سلالات قمح جديدة مقاومة للأمراض

القمح من المحاصيل الزراعية الاستراتيجية التي يعتمد عليها أكثر من 30% من السكان في مصر في سد احتياجاتهم الغذائية، يتم إنتاج حوالي 9 مليون طن سنويًا، ويتم تعويض الباقي من خلال الاستيراد خاصة من روسيا وفرنسا، ما يمثل حوالي 50% من إجمالي الاحتياجات. 

ومع الزيادة السكانية والتحديات المناخية المرتبطة بمشكلة نقص المياه والعوامل المناخية المتطرفة مثل نوبات الحرارة العالية أو العواصف أو زيادة ملوحة التربة، أصبحت زراعة القمح محليًا تواجه تهديدات وخسائر عالية، بعضها يتعلق بالأمراض التي يمكن أن تصيب القمح مثل الصدأ والعفن والتي تتسبب بخسارة تتراوح بين 10 –15% من الإنتاج، أو في أوقات أخرى الخسارة تتعلق بسوء التخزين. وبالتالي أصبحت عملية إنتاج وتطوير سلالات جديدة من أولويات الدول حاليًا.

لقد أدرك العالم أهمية البحث العلمي والتكنولوجيا في تحقيق الأمن الغذائي العالمي، سواء مع استخدام طرق حديثة للزراعة وأنظمة الري الذكي، أو استحداث وتطوير سلالات وأنواع جديدة من المحاصيل تتحمل الظروف المتقلبة للمناخ وأكثر مقاومة للأمراض وأعلى في الانتاجية، خاصة المحاصيل الاستراتيجية مثل القمح والذرة والأرز والقطن وغيرها. 

ومع الإعلان عن الأهداف العالمية للتنمية المستدامة (SDGs) التي أطلقتها الأمم المتحدة عام 2015، وكذلك استراتيجية مصر للتنمية المستدامة 2030، احتل تحقيق الأمن الغذائي محورًا رئيسًا في الاستراتيجية المصرية، يتم تحقيقه من خلال المشروعات القومية في الزراعة وإنتاج الغذاء، منها مشروع المليون ونصف مليون فدان ومشروع الدلتا الجديدة ومشروع الصوب الزراعية وغيرها من المشروعات الأخرى.

نتائج بحثية مثيرة للاهتمام

من خلال البرنامج الوطني لتربية القمح التابع لمركز البحوث الزراعية، ومنذ ما يقرب من شهر، نشر الباحث الدكتور/ أحمد القط، وفريق عمل المشروع البحثي الممول من أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، وذلك في مجال التكنولوجيا الحيوية في الزراعة، ورقة بحثية خاصة بالتحليل الجينومي للسلالات القمح بهدف تحسين صفات القمح وإنتاج سلالات جديدة مقاومة للأمراض، في واحدة من أكبر الدوريات العلمية وهي مجلة “Nature biotechnology”. 

والمثير للاهتمام بشكل أكبر أن الدكتور أحمد وفريقه البحثي في طريقهم إلى نشر الورقة البحثية الثانية في مجلة “Nature plant” والتي تصنف هي الأخرى من أهم وأفضل الدوريات العلمية على مستوى العالم. وعمل الدكتور أحمد منذ عام 2012 من خلال أبحاث مختلفة على تحسين الصفات الجينية في سلالات القمح المختلفة، وإدخال جينات مقاومة للأمراض مثل الصدأ الأصفر والصدأ الأسود والصدأ البرتقالي ومرض البياض الدقيقي، وهي كلها أمراض تصيب القمح فتُحدث فيه خسائر فادحة..

وقد عمل أيضًا على دراسة التغيرات في العوامل المناخية المختلفة على جودة وإنتاجية سلالات القمح؛ من خلال عمل محاكاة لدرجات الحرارة والرطوبة أو الجفاف ودراسة تأثيرها على النبات، وتوصل إلى نتائج مهمة استطاع نشرها في دوريات علمية مختلفة. 

كيف تعمل التكنولوجيا الجديدة؟

يقوم البحث على المسح الجيني لمكتبات الجينات في الأنواع المختلفة للقمح وتحديد الجينات المقاومة للأمراض، وعمل القياسات والاختبارات المطلوبة بالتعاون مع شركات في أمريكا والصين، وتم تقييم أكثر من 300 جين من سلالات للقمح حول العالم، وبتطوير تراكيب وراثيه لمحصول القمح تحتوي على التسلسل الهرمي لجينات المقاومة المتعددة ضد كل مرض، توفر مقاومة مستديمة للأمراض. وتم اختيار أربعة أماكن في مصر لفحص وتقييم هذه السلالات هي: بني سويف – البحيرة – كفر الشيخ- الغربية.

التكنولوجيا الجديدة والتي تعرف بـ (Resistance Gene Enrichment Breeding) تسمح بإدخال جينات لمقاومة الأمراض المتعددة، ويمكن استخدامها من قبل المزارعين لإنتاج سلالات متكيفة محليًا، وذات إنتاجية أعلى.

ومن المتعارف عليه أن عمليات إنتاج سلالات جديدة من القمح تستغرق أكثر من 12 عامًا لاختبارها وتسجيلها واعتمادها للزراعة، لكن مع استخدام التكنولوجيا الجديدة وتحديد الجينات المقاومة للأمراض وتعريفها، قد تختصر المدة إلى ما دون ست سنوات، وهو ما يسعى إليه الفريق البحثي في الخطوة القادمة والتي تهدف إلى إدخال الجينات الجديدة على الأصناف المصابة في القمح المصري، وإنتاج سلالات جديدة أفضل وأعلى في الإنتاجية. 

وحسب تصريحات الدكتور/ أحمد القط، فإن الفريق يعمل حاليًا على تطوير بعض الأصناف المعروفة بــ “سدس 12″ و”جميزة 11″ و”سخا 94″ و”جميزة 12” و”مصر2″، من خلال صفات مختلفة من الجينات بوضع جينات داخلها مقاومة للصدأ، ونجح الفريق في نقل جينين للصدأ البرتقالي وآخرين للصدأ الأصفر، وهو ما يجعل تلك الأصناف مقاومة لهذه الأمراض.

سلالات جديدة لتحسين الإنتاجية

إن أهم ما يميز إنتاج أصناف جديدة للقمح أو المحاصيل الزراعية بوجه عام هو زيادة الإنتاجية؛ إذ إن متوسط إنتاج الفدان للقمح يتراوح من 12-20 أردب في أفضل الأحوال، وبفضل السلالات الجديدة المحسنة وصل إنتاج الفدان إلى 30 أردب. بجانب أنها تقلل من استخدام المبيدات الكيمائية، وبالتالي تعمل على الحفاظ على البيئة وخصوبة التربة، مما يقلل من التكلفة ويعود بالنفع على الفلاح. وعليه يمكن تطبيق التكنولوجيا الجديدة على أنواع أخرى من المحاصيل وتحسين إنتاجيتها.

تحديات مستمرة أمام البحث العلمي

تعد التحديات التي تواجه البحث العلمي في مصر عائقًا أمام شباب الباحثين للخروج بأهم النتائج العلمية وتطبيقها لحل مشكلات حقيقة تواجه المجتمع، فزيادة التمويل المخصص للبحث العلمي، ورعاية الفرق البحثية في الجامعات والمراكز البحثية المختلفة من قبل مؤسسات الدولة حتى يتسنى عرض النتائج على متخذي القرار في مصر وربطها بالتطبيق خاصة في المجالات الحيوية المرتبطة بالزراعة والمياه والطاقة والصناعة؛ تعد من أهم التحديات التي يجب التغلب عليها.

وخلال تجربة هذا الفريق البحثي كانت هذه التحديات تواجهه منذ بداية العمل في المشروع البحثي؛ فتوفير التمويل اللازم لتجهيز المعمل بالأجهزة والأدوات والمواد الكيميائية المطلوبة لإنجاز الأبحاث بشكل أسرع والوصول لنتائج دقيقة كان عائقًا أمامه في البداية ودفعه إلى تجهيز معمله بالأجهزة المتاحة ضمن تمويل المشروع.

وخلال مراحل المشروع الممتدة، أصبح لديه معمل مجهز يساعده في إنجاز أبحاثه. وفي محاولة للإعلان عن نتائج الأبحاث تم عقد ورشة عمل بحضور السيد وزير الزراعة والدكتور رئيس مركز البحوث الزراعية، من خلالها تم عرض أهداف المشروع والنتائج التي توصل إليها الفريق البحثي، ومناقشة تطبيق النتائج على الحقول الاسترشادية تمهيدًا لإنتاج السلالات الجديدة وتقديمها للمزارعين من خلال الإرشاد الزراعي، وهذا ما يأمل تحقيقه في الفترة القادمة. 

المشروع يهدف أيضا إلى تنمية القدرات لشباب الباحثين من خلال عقد مجموعة من ورش العمل الأخرى والدورات التدريبية في مجال علوم تربيه القمح والوراثة الجزيئية. وسوف يقوم الخبراء من مركز “جون إنييس” بإنجلترا بتدريب شباب الباحثين على أحدث التكنولوجيا المستخدمة في مجال تربيه القمح في العالم، وكيفية تطبيق هذه التكنولوجيا في مركز البحوث الزراعية والجامعات والمراكز البحثية الأخرى.

وأخيرًا، مع محدودية الموارد والزيادة السكانية والتحديات المناخية التي يواجهها العالم، ليس هناك خيار سوى البحث والتطوير والابتكار للتغلب على تلك التحديات وتحقيق التنمية المستدامة للأجيال القادمة.

للاطلاع

https://scholar.google.be/citations?view_op=view_citation&hl=en&user=nK3hh38AAAAJ&citation_for_view=nK3hh38AAAAJ:5nxA0vEk-isC

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى