مصر

لا تداول لعملة الفساد: مصر تعزز جهود التعاون الدولي لمكافحته

إيمانًا منها بمكافحة الفساد وضرورة خلق سبل ومسارات لتقليله والحد منه، وفي حدث يُعد الأبرز على أجندة الأحداث الدولية تستضيف مصر بمدينة شرم الشيخ خلال الفترة من ١٣ إلى ١٧ ديسمبر الجاري أعمال الدورة التاسعة لمؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد. وتعد اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد المرجع العالمي لمكافحة الفساد وكيفية التعاون بين دول العالم في المجالات المرتبطة، وانضمت مصر إلى الاتفاقية في ديسمبر 2003؛ إيمانًا منها بأهمية التضافر الدولي لمنع الممارسات الفاسدة حول العالم.

وتنظم مصر مؤتمر مكافحة الفساد بمشاركة من 144 دولة حول العالم و5 رؤساء دول و50 وزيرًا، و30 رئيس هيئة من هيئات مكافحة الفساد، إلى جانب مشاركة ضخمة من قبل المجتمع المدني؛ إذ توجد 268 منظمة مجتمع مدني دولية لديها صفة الاستشارية بالأمم المتحدة، و257 جمعية أهلية عادية، و47 مركزا بحثيًا، وبإجمالي عدد مشاركين حوالي 2700.

ويسعى مؤتمر اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد إلى تعزيز التعاون الدولي لمواجهة الفساد بشكل أفضل، وبحث سبل التعافي بنزاهة من جائحة كوفيد-19، بجانب تناول دور المرأة في تعزيز النزاهة والشفافية، ومناقشة مبادرة استعادة الأصول والأموال المنهوبة. ويستعرض المؤتمر أيضًا دور تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات في مكافحة الفساد، ويسعى إلى تعزيز جهود مكافحة الفساد في أفريقيا. ويعد مؤتمر شرم الشيخ هو الثاني من نوعه الذي تجتمع فيه الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد داخل قارة أفريقيا. 

ما هي اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد

دخلت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد حيّز التنفيذ في ديسمبر 2005 وحصلت على الامتثال العالمي تقريبًا؛ إذ وقعت عليها 189 دولة. وتعد دولتا الصومال وسورينام هما أحدث الدول المنضمة للاتفاقية. وبموجب الاتفاقية، تلتزم الدول قانونًا بمنع الفساد وتجريمه، وتعزيز التعاون الدولي، واستعادة وإعادة الأموال المنهوبة، وتحسين المساعدة التقنية وتبادل المعلومات في كل من القطاعين العام والخاص.

وتُلزم الاتفاقية الدول بتجريم مجموعة كبيرة من أعمال الفساد، والتي تشمل أعمال الفساد التقليدية المعروفة مثل الرشوة واختلاس الأموال العامة، وكذلك المتاجرة بالنفوذ وإساءة استخدام الوظائف وإخفاء عائدات الفساد، بالإضافة إلى الفساد في القطاع الخاص.

وبموجب الاتفاقية، تلتزم جميع الدول الموقعة على الاتفاقية بأن تقدّم لبعضها البعض نطاقًا واسعًا من المساعدة القانونية المتبادلة في التحقيقات والملاحقات والإجراءات القضائية. واتفقت الدول على التعاون فيما بينها في مجموعة متنوعة من المسائل الجنائية المتعلقة بالفساد، وهي مطالبة باتخاذ إجراءات من شأنها أن تدعم تعقّب عائدات الفساد وتجميدها وضبطها ومصادرتها.

جهود مصر للحد من الفساد

https://aca.gov.eg/Media/News/2021/3/9/19_2021-637509193570135760-13.jpg

الفساد عملة دولية؛ إذ يوجد بكافة المجتمعات باختلاف الحقب المختلفة، وتحاول المجتمعات المختلفة ومنها الدولة المصرية مواجهته؛ فوفقًا للدستور المصري في المادة 218 لسنة 2014: “تلتزم الدولة بمكافحة الفساد وتلتزم الهيئات والأجهزة الرقابية المختصة بالتنسيق فيما بينها في مكافحة الفساد، وتعزيز قيم النزاهة والشفافية، ضمانًا لحسن أداء الوظيفة العامة ووضع ومتابعة تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد بالمشاركة مع غيرها من الهيئات والأجهزة المعنية”، ولذلك: 

• عملت الدولة المصرية على تشريع قوانين وأنظمة تجرم أفعال محددة، وتعاقب مرتكبيها، وتحد من ظاهرة الفساد بشتى أنواعه.

• انضمت مصر إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد في ديسمبر 2003 إيمانًا منها بأهمية التضافر الدولي لمنع الممارسات الفاسدة حول العالم، ودخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في ديسمبر 2005 وحصلت على الامتثال العالمي.

• وافقت مصر في مايو 2014، على الانضمام إلى الاتفاقية العربية لمكافحة الفساد، الموقعة بتاريخ 21 ديسمبر 2010، وذلك مع التحفظ بشرط التصديق. وتتضمن الاتفاقية موادًا وبنودًا ترسم خريطة التعاون العربي المشترك للدولة المنضمة والموافقة على الاتفاقية في عدة قضايا تردع وتمنع ظاهرة الفساد بشكل كبير، وذلك بوصفها ظاهرة عابرة للحدود الداخلية للأوطان، ومن أهم بنود الاتفاقية أنها تنظم عملية تسليم المجرمين الهاربين والمطلوبين، وكذلك تركز الاتفاقية على التعاون المشترك في عملية استرداد الممتلكات.

• انضمت مصر إلى اتفاقية الاتحاد الأفريقي لمنع ومكافحة الفساد، فقد وقع الرئيس السيسي على القرار رقم 204 بالموافقة على انضمام مصر إلى اتفاقية الاتحاد الأفريقي لمنع الفساد ومكافحته والمعتمدة في مدينة مابوتو بتاريخ 11 يوليو 2003، والتي دخلت حيز التنفيذ في أغسطس 2006 بإيداع وثائق تصديق 15 دولة على الاتفاقية في ذلك الوقت. واعتمد الرئيس السيسي الاتفاقية على هامش قمة أديس أبابا في يناير 2017 وصدقت مصر عليها في يوليو 2017، وذلك في تأكيد على أن مصر تولي أهمية كبرى لمكافحة الفساد؛ كونه من أهم العناصر التي تؤثر على عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

الاستراتيجية الأولى لمكافحة الفساد 2014- 2018، إذ دعا الرئيس السيسي إلى تبني استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد في اليوم العالمي لمكافحة الفساد الموافق 9 ديسمبر عام 2014 من مقر هيئة الرقابة الإدارية. وانتهت اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة الفساد -المشكّلة بالقرار رقم 2890 لسنة 2010، والمعدل بالقرار 493 لسنة 2014- من تنفيذ ما يقرب من 99% من محاورها وأهدافها؛ فقد تمكنت هيئة الرقابة الإدارية من الارتقاء بمستوى أداء الجهاز الحكومي، وإرساء مبادئ الشفافية والنزاهة لدى العاملين فيه، وبناء ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، وتعزيز التعاون المحلي والإقليمي والدولي، بجانب مشاركة منظمات المجتمع المدني.

وقد أشادت الأمم المتحدة بالجهد المصري المبذول في هذا الشأن؛ إذ أدرجت الاستراتيجية الوطنية كإحدى أهم الممارسات الناجحة لمصر في مجال الوقاية من الفساد ومكافحته

• الاستراتيجية الثانية لمكافحة الفساد 2019- 2022، إذ تم وضع المرحلة الثانية من الاستراتيجية والتي ستستمر لمدة 4 سنوات تبدأ من يناير 2019 حتي نهاية ديسمبر 2022، والتي تضمنت عدة أهداف رئيسة تمثلت في: تطوير جهاز إداري كفء وفعال، وتقديم خدمات عامة ذات جودة عالية، وتفعيل آليات الشفافية والنزاهة، وتطوير البنية التشريعية الداعمة لمكافحة الفساد، وتحديث الإجراءات القضائية تحقيقا للعدالة الناجزة، ودعم جهات إنفاذ القانون للوقاية من الفساد ومكافحته، وزيادة الوعى المجتمعي بأهمية الوقاية من الفساد ومكافحته، وتفعيل التعاون الدولي والإقليمي في منع ومكافحة الفساد، ومشاركة منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص في منع الفساد والوقاية منه، 

• تأسيس الأكاديمية الوطنية لمكافحة الفساد، والتي تعد جزءًا لا يتجزأ من هيئة الرقابة الإدارية وفقًا للقانون رقم 207 لسنة 2017؛ بهدف تحقيق التميز في مجال الدراسات والبرامج التدريبية، وتطوير البحوث وابتكار حلول جديدة للحد من ظاهر الفساد، وإجراء مؤتمرات ودورات تدريبية وورش عمل متخصصة لكوادر أجهزة مكافحة الفساد والأجهزة الرقابية وجهات إنفاذ القانون داخل مصر وخارجها. وقد بدأت الهيئة إجراءات ضم دفعة جديدة ولأول مرة تشهد ترشيح كوادر من القطاعات المدنية لينضموا جنبًا إلى جنب مع أعضاء الهيئة في خدمة الوطن. بالإضافة إلى دورات مخصصة للمواطنين العاديين عن ماهية الفساد وأنواعه ودور الفرد في مكافحته.

• وقد وقع رئيس هيئة الرقابة ومكافحة الفساد السعودية، ورئيس هيئة الرقابة الإدارية المصرية يوم 12 ديسمبر مذكرة تفاهم بين المملكة ومصر لتعزيز التعاون في مجال مكافحة الفساد، والتي تهدف إلى تعزيز التعاون الدولي في مجال منع الفساد ومكافحته، وتبادل الخبرات والمعلومات المتعلقة بجرائم الفساد، وتطوير القدرة المؤسسية للطرفين وتعزيزها.

• وبالإضافة إلى هيئة الرقابة الإدارية، فإن مصر تتعدد لديها الأجهزة الرقابية ومنها: الجهاز المركزي للمحاسبات، والهيئة العامة للرقابة المالية، والهيئة العامة للرقابة على الصادرات والواردات، وهيئة الرقابة والبحوث الدوائية، وهيئة الرقابة على المصنفات الفنية، ومصلحة الرقابة الصناعية، وكل تلك الأجهزة تهدف في الأساس إلى مكافحة الفساد في شتى المجالات المختلفة.

وإلى جانب قيام الدولة المصرية بتفعيل دور جميع الأجهزة الرقابية، من أجل القضاء على الفساد المالي والإداري الذي يعيق التنمية، ويزيد من عدم المساواة، ويضعف ثقة المواطنين في الحكومة، ويعيق تحقيق أهداف التنمية المستدامة؛ قامت أيضًا بإقرار قانون الخدمة المدنية عام 2017 وكان بين أهدافه مكافحة الفساد الإداري. 

واتجهت الدولة نحو التحول الرقمي وذلك من خلال رقمنة جميع الخدمات المقدمة للمواطنين في الدولة، مما يقلل من تدخل العنصر البشري في الخدمات المقدمة للمواطنين، من خلال معايير وآليات تضمن توفير أكبر قدر من النزاهة والشفافية والحيادية، ويُغلق بشكل عام أوجه استغلال المواطنين عن طريق الرشاوى، أو الفساد في تقديم الخدمات والمرافق.

وفيما يتعلق بالاختلاس والإضرار بالمال العام، تقوم الدولة بأجهزتها الرقابية بحملات التفتيش والرقابة المستمرة على المخالفين. وتتجه الدولة لميكنة جميع الإجراءات الضريبية والجمركية بشكل كامل، بحلول مارس 2022؛ بهدف تسهيل العمل والإجراءات وتحقيق أكبر قدر من الشفافية والأداء والحد من الفساد.

وختامًا؛ فإن الدولة المصرية حققت نجاحات كبرى في مجال مكافحة الفساد، وما يميز التجربة المصرية هو رفض كافة صور وممارسات الفساد وترسيخ قيم النزاهة وسياسة الشفافية، وإطلاق يد القانون على الجميع دون تفرقة، وهذا ما شهدناه خلال السنوات الماضية عندما ضربت هيئة الرقابة الإدارية بيدٍ من حديد فطالت جميع الفاسدين سواء كانوا وزراء أو رؤساء هيئات أو رؤساء جامعات؛ إذ لم تغض الطرف عن الفاسدين ذوي المناصب رفيعة المستوى أو الموظفين العمومين بكافة درجاتهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى