مصر

معارض الصناعات الدفاعية.. نماذج متعددة وآفاق واعدة

تسعي أغلب الدول ذات الاقتصاديات الكبرى والناشئة إلى عقد المعارض الدولية المتعلقة بمجالي الدفاع والأمن، وذلك لدورها في عرض مختلف التطورات العلمية والتقنية الخاصة بصناعات الدفاع، سواء على مستوى الأسلحة التقليدية أو على مستوى التطويرات البرمجية المتعلقة بملفات الأمن والدفاع السيبراني.

الهدف الأبرز الذي تسعى إليه الدول من وراء عقد تلك المعارض الدفاعية يتمثل في تشجيع حالة التنافس الإيجابي بين المؤسسات المحلية العاملة في مجال الصناعات الدفاعية وبين نظيراتها العالمية، وهو ما يؤدي بدوره إلى دفع الأولى إلى تطوير منتجاتها لتضاهي بذلك أفضل المنتجات الأجنبية المماثلة، ليسهم ذلك في تعزيز قوة المعدات الدفاعية التي تصنعها الدولة، وبالتالي قوة المؤسسات الوطنية المنوط بها مهمة حماية مقدرات الوطن، مثل القوات المسلحة والشرطة المدنية.

نماذج عالمية

تُعقد في العالم حاليًا العشرات من معارض الصناعات الدفاعية بشكل سنوي، ويتركز وجود أغلب تلك المعارض في الدول الكبرى صاحبة القدرات التكنولوجية والتصنيعية العالية مثل الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا والمملكة المتحدة، إذ تسعى تلك الدول من خلال عقد هذا النوع من المعارض إلى أن تسوق كل جديد من منتجاتها في مجال تكنولوجيات الدفاع والأمن. 

الاقتصادات الناشئة سارت على ذات النهج؛ إذ تمتلك العديد من الدول الصاعدة كالإمارات ومصر والسعودية وجنوب أفريقيا إمكانات تكنولوجية وتصنيعية لا بأس بها، مكّنتها من تطوير وتصنيع قدرًا معقولًا من احتياجاتها الدفاعية، لذلك أدركت ضرورة تنظيم معارض دورية لإظهار إنجازاتها في مجال الصناعات الدفاعية.

وتتناول الفقرات التالية عددًا من الأمثلة الشهيرة لمعارض الصناعات الدفاعية على المستويين الدولي والإقليمي، والتي كان لها أثر ملموس في الترويج للصناعات الدفاعية الوطنية.  

  • المنتدى التقني العسكري الدولي بروسيا الاتحادية

تقوم دولة روسيا الاتحادية منذ عام 2015 بعقد حدث سنوي تحت اسم International Military-Technical Forum؛ وذلك لعرض أحدث نظم الدفاع التي تنتجها الشركات الوطنية، بالإضافة إلى منتجات الشركات المناظرة بالدول الصديقة. ويقام المعرض بمنطقة Patriot park شرقي العاصمة الروسية موسكو، وتمتد منطقة العرض هذه على مساحة 13 ألف فدان، وتشمل قاعات مغلقة بمساحة 65 ألف متر مربع، ومناطق مفتوحة بمساحة 500 ألف متر مربع، وتتنوع تلك المناطق المفتوحة بين قاعدة جوية تستخدم في عرض الطائرات الجديدة والمعدات الجوية Kubinka airbase، ومنطقة تجارب للأسلحة البرية labino Military Training Grounds، وهي أيضًا نفس المنطقة التي تستخدم في الألعاب العسكرية السنوية، ومتحف لتاريخ الدبابات Kubinka tank museum. 

المساحة الضخمة التي يقام عليها المعرض مكّنت مختلف الشركات العارضة والتي يفوق عددها 1،300 شركة من عرض نماذج حقيقة لمنتجاتها، وعمل تجارب حية عليها أمام الجمهور، وهو ما ساعدها في كسب المزيد من المصداقية حول كفاءة تلك المنتجات عالميًا، ليسهم ذلك في توقيع عدد من عقود الشراء المحلية والدولية بقيم مالية تفوق 43 مليار دولار أمريكي في عام 2021 وحده.

1473787220_0 (1)

وقد أدى عرض النماذج الحقيقية من الأسلحة أيضًا إلى اجتذاب ملايين الزوار المحليين والأجانب على مدار الأعوام الماضية؛ إذ يقدر عدد من زاروا الحدث خلال الأعوام 2019، 2020، 2021، بحوالي 3.5 مليون شخص. لذلك يعد المعرض الآن هو الحدث الدولي الأهم الذي ينتظره هواة التقنيات العسكرية لمشاهدة التطورات الجديدة في هذا المجال.

  • معرض سيؤول الدولي للدفاع والطيران بكوريا الجنوبية

في عام 1996، وعلى أرض قاعدة سيول الجوية بمدينة سيونجنام Seongnam City الواقعة جنوب العاصمة، أطلقت كوريا الجنوبية حدثًا سُمي بعرض سيؤول الجوي Soul air show؛ وذلك لعرض أبرز التطورات في مجال الصناعات الجوية الكورية، مما يسهل فتح آفاق جديدة لتسويق ذلك النوع من الصناعة على المستوى الخارجي.

ولقد استمرت كوريا الجنوبية في عقد المعرض بشكل سنوي، حتى عام 2009 حينما قررت توسيع آفاقه ليضم معرضًا للمعدات العسكرية البرية إلى جانب دوره الأصلي كمعرض للمعدات العسكرية الجوية، ولقد تصاعدت أهمية المعرض مع الوقت حتى أصبح وفق التقارير الدولية واحدًا من أكبر معارض التكنولوجيا العسكرية في شرق آسيا؛ ففي عام 2019 سجل المعرض مشاركة قرابة 400 مؤسسة مختصة بتطوير تكنولوجيات الأمن والدفاع، وزار فاعلياته أكثر من 280 ألف مشارك.

وعلى الرغم من تشديد الإجراءات الطبية الاحترازية بعد عام 2020، إلا أن المعرض استطاع أن يحقق نجاحًا لافتًا في دورته الأخيرة في أكتوبر 2021؛ إذ سجلت إدارة المعرض مشاركة 440 مؤسسة من 28 دولة. ولقد تنوعت جنسيات تلك المؤسسات بين الآسيوية والأوروبية والأمريكية، فكان بعضها من كوريا الجنوبية، فيما كان البعض الآخر من الشركات الأمريكية والصينية والروسية والأوروبية. ولقد زار المعرض في هذه الدورة 120 ألف زائر، 25% منهم من الخبراء والمختصين بمجال الصناعات الدفاعية، منهم 222 شخصية رسمية حضروا كممثلين عن أربعين دولة مختلفة.

ولقد نفذ المعرض خلال دورته الأخيرة مجموعة مختلفة من الفعاليات والأنشطة؛ فتضمن معرضًا مكشوفًا للطائرات الحديثة بواقع 45 طائرة، وكانت 6 منها مصنعة داخل كوريا، بالإضافة إلى 27 معدة مختلفة بين مركبات برية ومدافع محمولة وحاملات جند وناقلات برمائية أغلبها مصنع محليًا.  

وشهد المعرض كذلك 12 تجربة جوية عملية لطائرات حديثة الإنتاج، و5 عروض جوية أكروباتية، و3 بيانات عملية لمهام البحث والإنقاذ الجوي، بالإضافة إلى 15 طلعة معاينة جوية حية لزوار المعرض على طائرات متعددة الأنواع. وعُقد خلال المعرض 1726 اجتماع بين المؤسسات المنتجة والمستخدمة لتكنولوجيات الدفاع، لتنقسم نسبتها إلى 41% بين ممثلي حكومات وشركات منتجة، و59% لاجتماعات بين ممثلي الشركات الدولية وبعضها البعض. علاوة على ما سبق، تم تنسيق 28 محاضرة وجلسة حوارية حول مستقبل تطوير الصناعات الدفاعية وأبرز المتطلبات والتحديات التي تواجهها. 

  • معرض ومؤتمر الدفاع الدولي بالإمارات العربية المتحدة 

سعيًا منها إلى دفع الصناعات المحلية المتعلقة بتطوير المعدات الدفاعية، قامت الإمارات العربية المتحدة بتدشين معرض ومؤتمر الدفاع الدولي IDEX، والذي يعد أحد أهم المعارض العسكرية في منطقة الشرق الأوسط. البداية كانت من إمارة أبو ظبي في عام 1993 حينما أطلقت السلطات المحلية النسخة الأولى من هذا الحدث، والذي أخذت فاعلياته في التوالي دوريًا كل عامين، حتى وصل في العام الحالي 2021 إلى إطلاق معرض IDEX في نسخته الخامسة عشرة.

وتعد دورة المعرض الرابعة عشرة والتي جرى عقدها عام 2019 هي الأكثر تميزًا؛ فقد وصل عدد الشركات العارضة في هذا العام إلى 1،310 شركة من 62 دولة مختلفة، وتم توقيع عقود شراء في هذه النسخة من المعرض بقيمة 20 مليار درهم إماراتي. ولقد تضمنت فعاليات المعرض عددًا من العروض الحية للمعدات الدفاعية سواء البرية أو الجوية، بالإضافة إلى تنفيذ عدد من البيانات العملية لمهام الاقتحام والدفاع بمختلف أنواع الأسلحة، وهو ما ساهم في رفع أعداد الزوار القادمين إليه بنسبة 18% عن نسخة 2017م لتصل إلى 124 ألف زائر. 

وتضمنت فعاليات معرض IDEX عام 2019 أيضًا معرضًا آخر للصناعات الدفاعية البحرية تحت اسم معرض الدفاع البحري NAVDEX. ويعد هذا الأخير حاليًا من المنصات الدولية المعروفة لعرض كل ما هو جديد في مجال التسلح البحري، إذ أقيم هذا المعرض على مساحة 45 ألف متر مربع، وشاركت فيه 113 شركة، وعُرضت فيه 20 قطعة بحرية حديثة.

على الرغم من الجائحة التي شهدها العالم منذ 2020 واتخاذ العديد من الدول إجراءات وقائية مشددة أولها تقليص أو إلغاء الأحداث والمعارض الكبرى، لم تشهد نسخة عام 2021 من معرض IDEX حالة من الضعف أو التقلص الكبير، إذ نجح المعرض في هذا العام أن يستقطب 900 شركة عارضة من 60 دولة مختلفة، كان من بينها أكثر 130 شركة محلية وهو ما يمثل 16% من إجمالي الشركات العارضة.

وشارك في الحدث 110وفود دولية، بالإضافة إلى ما يقارب من 70 ألف زائر. وعلاوة على ذلك، استطاع معرض نافدكس NAVDEX والذي يقام ضمن فعاليات معرض أيدكس IDEX في أن يستقطب 70 شركة من 16 دولة مختلفة، وعُرضت بنافدكس 17 قطعة بحرية حديثة تنوعت بين الفرقاطات وزوارق الكورفيت ولانشات الصواريخ وسفن الإمداد وكاسحات الألغام. 

تجربة مصرية متميزة

أطلقت مصر في أواخر عام 2018 النسخة الأولى من معرض مصر للصناعات الدفاعية EDEX، الذي استهدف عرض أحدث ابتكارات الصناعات الدفاعية المحلية والعالمية. ولقد نجح هذا المعرض في استقطاب 376 شركة مختصة في مجال الصناعات العسكرية من 41 دولة، ووصل إلى أولى خطوات نجاحه حينما انتهت فعالياته بزيارة 10 آلاف زائر وذلك على مدار أيامه الثلاثة، وتم خلال فعاليات المعرض حجز ما يزيد على 15% من مساحة النسخة الثانية من إيديكس والتي عُقدت في الفترة من 29 نوفمبر إلى 2 ديسمبر من العام الجاري.

ولقد كان ملاحظًا في معرض EDEX 2018 أن كافة المعروضات جرى توزيعها على منطقتين أولاهما داخلية والأخرى خارجية بمساحة إجمالية فاقت 19 ألف متر مربع، ولوحظ أن النسبة الأكبر من مناطق العرض كانت بالقاعات الداخلية أو المغلقة بواقع 17 ألف متر مربع؛ أي ما يفوق 88% من مساحة المعرض الكلية، وهو ما كان سببًا في قلة عرض النماذج الحقيقة من الأسلحة المنتجة حديثًا، فيما جرى الاكتفاء في غالب الأمر بعرض المجسمات المصغرة والكتيبات التعريفة عن المنتجات الدفاعية سواء المحلية منها أو الدولية، وذلك لكونها أكثر ملاءمة مع طرق العرض المتبعة داخل القاعات المغلقة.   

لكن الجهات المختصة حرصت على تخصيص مساحات أكبر للعرض المغطى والمفتوح في النسخة الثانية من معرض EDEX 2021، لذلك زادت مساحات منطقة العرض بحوالي 30%، وهو ما ساعد بدوره على زيادة عدد الشركات العارضة بالحدث لتصل إلى 400 شركة قادمة من 42 دولة مختلفة حول العالم. وسهلت الزيادة في مساحة العرض المفتوح إمكانية عرض العشرات من النماذج الحقيقة للمعدات الدفاعية خاصة المصنعة محليًا منها، والتي كان من بين أبرزها المدافع المحمولة، والعربات الخفيفة المدرعة، والرادارات، والطائرات بدون طيار، وكاشفات الألغام، واللانشات البحرية.

لذلك استطاع المعرض في دورة عام 2021 أن يحقق عددًا من النجاحات، والتي من بينها حضور 30 ألف زائر لمتابعة فعالياته بنسبة زيادة 60% عن نسخة 2018، بالإضافة إلى توقيع العشرات من الاتفاقات بين مؤسسات محلية ودولية لزيادة التعاون في مجال الصناعات الدفاعية؟

وقد كانت كافة مخرجات EDEX 2021 مبشرة لما يُنتظر أن تكون عليه نسخة عام 2023؛ إذ يتوقع المختصون زيادة أعداد الشركات المحلية والدولية المشاركة فيه، وأيضاً زيادة مساحة العرض الإجمالية سواء المغلقة منها أو المكشوفة، بالإضافة إلى تنويع وزيادة عدد فعاليات المعرض المُنعقدة، فلن تقتصر على عرض المعدات الدفاعية أو نماذجها المصغرة، بل ستتعدى ذلك إلى عمل عروض وتجارب حية عليها لإظهار قدراتها أمام الجمهور، فضلًا عن عمل عروض جوية تكتيكة واستعراضية، لإظهار قدرات القوات الجوية المحلية والدولية، وهو ما سيساعد في الاجمال على رفع مستوى معرض مصر للصناعات الدفاعية EDEX إلى قمة المستويات العالمية، لينافس بذلك ما تنظمه كافة الدول الكبرى من معارض دفاعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى