مصر

علامة فارقة: خطوات مصرية جادة على طريق التحول الرقمي ومكافحة الفساد

تشهد مدينة شرم الشيخ اليوم وعلى مدى أربعة أيام أعمال الدورة التاسعة للدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد. وتكمن أهمية الدورة الحالية في أنها ستخرج بصيغة وجدول نهائي لأعمال مكافحة الفساد في السنوات القادمة، بجانب أن المؤتمر الذي ينعقد في شرم الشيخ هو الثاني من نوعه الذي تستضيفه القارة السمراء ويشهد اجتماع الدول الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد. 

ومن ضمن أعمال المؤتمر على مدار أيامه الأربعة مراجعة تنفيذ اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وهي الوثيقة القانونية العالمية الوحيدة الملزمة التي تمثل أداة فعالة لمكافحة الفساد، إضافة إلى بحث سبل التعافي بـ “نزاهة” من كوفيد-19، ودور المرأة في تعزيز النزاهة، وجهود مكافحة الفساد في أفريقيا.

أما الحضور فسيشهد مشاركة خمسة رؤساء دول عن طريق تقنية الفيديو كونفرانس بجانب 50 وزيرًا، منهم 30 سيحضرون بشخصهم، و30 رئيس هيئة من هيئات مكافحة الفساد، إلى جانب 268 منظمة مجتمع مدني دولية لديها صفة الاستشارية بالأمم المتحدة، و257 جمعية أهلية عادية، و47 مركزًا بحثيًا، بإجمالي عدد مشاركين يصل إلى حوالي   2700 مشارك.

أهمية مكافحة الفساد

تعد محاصرة الفساد في مصر هدفًا مهمًا بالنسبة للحكومات المتعاقبة لما له من عوائد مهمة تمس حياة المواطنين بشكل مباشر، ومن أبرزها جذب الاستثمارات الأجنبية؛ لأن المستثمر الأجنبي يهرب من الدول التي يرتفع فيها مؤشر الفساد وتتراجع فيها مؤشرات الشفافية، مما يؤدي إلى قلة فرص العمل وارتفاع معدلات البطالة. ويعد تصنيف الدول على مؤشر الشفافية والفساد العالمي هو أحد عوامل تدفق الاستثمارات في الدول.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\مكافحة الفساد.PNG

وفي السنوات الأخيرة برز على السطح توجه مفاده أنه كلما قل تدخل العامل البشري كلما تراجعت مؤشرات الفساد وتعالت معدلات الشفافية، ومن هنا كان لابد من العمل بوتيرة سريعة في مجالات التحول الرقمي أو “الرقمنة” والتي تشير بشكل مبسط إلى تحويل كافة المعاملات والخدمات إلى التقنيات الرقمية. بشكل يمثل إتاحة للبيانات بشكل أفضل لأجهزة الدولة الرقابية ويفعل مبدأ المحاسباتية. وفي هذا السياق فقد رصدت مصر في ميزانية 2020-2021 نحو 13 مليار جنيه لتدعيم جهود التحول الرقمي ومكافحة الفساد.

وللتحول الرقمي فوائد لا حصر لها فضلًا عن مكافحة الفساد، تتضمن توفير الوقت والجهد وإنجاز أضعاف المعاملات في وقت أقل، مما يعني حالة من الرضا لدى متلقي الخدمة، وهو ما يتم العمل عليه بالفعل من خلال ربط 5300 مبنى حكومي بشبكة ألياف ضوئية. علاوة على أن الأمر يسهل تطبيق مظلة الشمول المالي.

ووفقًا لتصريحات وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، تعمل الحكومة على إتاحة الخدمات الرقمية من خلال 4 حزم للخدمات وهي المرور، والتقاضي والخدمات النيابية، والتموين، والاستثمار. إذ تشمل هذه الحزم حوالي 36 خدمة حكومية رقمية في جميع محافظات الجمهورية، وذلك عن طريق بوابة الحكومة الإلكترونية وكذلك مكاتب البريد وتطبيقات الهواتف المحمولة.

موقع مصر

تأكيدًا على الجهود المصرية فقد أصدر برنامج النزاهة والشفافية بملتقى الحوار للتنمية وحقوق الإنسان تقريرًا لفت فيه إلى جدية الجهود المصرية في مكافحة الفساد، وذلك ضمن الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد. خصوصًا وأن أحد أهم البنود التي تنص عليها الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد هي “الرقمنة” أو “التحول الرقمي”.

ويمكننا رصد الجهود المصرية لمكافحة الفساد من خلال تسليط الضوء على أهم الخطوات المصرية في هذا المجال، والتي تضمنت إصدار الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد في عام 2014 طبقًا للاتفاقيات الدولية الموقعة من قبل الدولة المصرية، بحيث تضمنت الاستراتيجية مراحل كان أولها في الفترة من عام 2014 وحتى عام 2018 –إذ إن المرحلية مهمة لإعادة تقييم الخطة وتسليط الضوء على مواقع الإخفاق– وقد تم تلافي أسباب الإخفاق في المرحلة التالية من الخطة في الفترة من عام 2019-2022 مع وضع مؤشرات قياس واضحة للاطلاع على مدى تحقيق كل هدف.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\Financial Inclusion PRL_0.jfif

وبالعودة للتقرير الصادر عن برنامج النزاهة والشفافية، فقد أشار إلى أن “الرقمنة” تعد من أهم العوامل التي تصب في إطار مكافحة الفساد. ومن هنا تم العمل على إنشاء إدارة المعلومات المالية الحكومية لربط جميع الوحدات المالية للمؤسسات الحكومية تحت مظلة “منظومة إدارة المعلومات المالية الحكومية”، بحيث يمر عبر هذه المنظومة المستحدثة دفع رواتب الموظفين العموميين وتنفيذ ميزانية الدولة، بالإضافة لشمول المظلة مصلحتي الضرائب والجمارك.

مواقع التواصل الاجتماعي

على جانب آخر، تستهدف الدولة المصرية ربط قواعد بيانات جميع الوحدات الإدارية من أجل تسهيل التبادل المعرفي بينها، وكذلك تحديث قاعدة بيانات هيئة الرقابة الإدارية للسماح برقابة أفضل وهي المشاريع التي تم البدء في تنفيذها بالفعل خلال عام 2020.

وضمن هذا الطرح، سعت الوزارات والهيئات والمؤسسات الحكومية إلى تدشين صفحات لها على مواقع التواصل الاجتماعي للتأكد من إتاحة المعلومات والبيانات وتسهيل وصول المواطنين إليها. وكانت تجربة النيابة العامة المصرية من التجارب الرائدة في هذا المجال؛ إذ يتم طرح البيانات بشكل عاجل وتجنب إثارة أي حالة من الجدل والبلبلة خصوصًا فيما يتعلق بالقضايا التي تجتذب اهتمام الرأي العام. ومن التجارب المهمة أيضًا في هذا المجال تجربة هيئة الرقابة الإدارية والتي سهلت عمل منظومة الشكاوى من خلال بوابتها الإلكترونية مما أتاح أيضًا نوعًا من الخصوصية والتأمين للمبلغين.

ومن نقاط التحول في ملف مكافحة الفساد إطلاق الأكاديمية الوطنية لمكافحة الفساد في عام 2018 والتي تستهدف بشكل أساسي التدريب ووضع الخطط والبرامج التي تؤهل الموظفين العموميين في قطاعات الدولة المختلفة لمكافحة الفساد، بحيث تتبع الأكاديمية هيئة الرقابة الإدارية. 

وقد تمكنت الأكاديمية حتى الآن من عقد 288 دورة تدريبية، إضافة إلى المنح التي يتم فيها إيفاد المتدربين للخارج. وشملت البرامج التدريبية موظفين من الوزارات والهيئات والأزهر والكنيسة والجامعات والنقابات. إلى جانب ذلك، شملت الدورات المتدربين من هيئات إنفاذ القانون في النيابة العامة وهيئة الرقابة الإدارية وكذلك الجهاز المركزي للمحاسبات.

مدينة ضد الفساد

ربما يشير البعض إلى أن العاصمة الإدارية الجديدة ستصبح من أقل المدن من حيث نسبة الفساد في مصر؛ لأن المدينة تم تجهيزها ببنية تحتية رقمية قادرة عل تسهيل مكافحة الفساد. ومن أضخم المشاريع الرقمية هناك المجمع المتكامل لإصدار الوثائق المؤمنة والذكية والذي يعد الأحدث في تصنيع وإصدار كافة الوثائق والمحررات المؤمنة والذكية والبيومترية ومكوناتها، والنظم المعلوماتية للوزارات والهيئات والمصالح وكافة الأجهزة الحكومية وهيئاتها.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\2021_4_12_10_12_22_842.jpg

وتتمكن الدولة من خلال الهوية الرقمية المؤمنة من إنشاء علاقة فردية مع المواطنين للتأكد من حصولهم على حقوقهم كاملة وفقًا لمجتمع “رقمي آمن” يستخدم أحدث الأدوات التكنولوجية لضمان جودة وكفاءة الخدمات الحكومية المقدمة، مما يعزز الثقة في المجتمع.

على جانب آخر تم إطلاق ما يعرف بمدينة العدالة بالعاصمة الإدارية الجديدة أيضًا، حيث تقع في محيط الحي الحكومي والبرلمان ومجلس الشيوخ، بما يحمل رمزية لتكامل السلطات الثلاثة؛ التنفيذية والتشريعية والقضائية، في نطاق جغرافي واحد ترسيخًا لأركان الجمهورية الجديدة بكافة مكوناتها. لكن هذه ليست المرة الأولى التي تُطرح فيها فكرة إنشاء مدينة قضائية في العاصمة الإدارية.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\193fb0ace284056dc41d672fb2a978d1.jpg

وذلك ضمن الاستراتيجية التي تهدف إلى تفعيل دور المجلس الأعلى للهيئات القضائية والتقريب بين الهيئات القضائية، بالتزامن مع إحداث طفرة في البنية التحتية لمنظومة القضاء وخدمات وزارة العدل اعتمادًا على “الرقمنة” والميكنة، بحيث أصبح متاحًا أمام المواطنين تحريك الدعوى إلكترونيًا ومتابعتها عن بُعد، فضلًا عن تحديث مصلحة الشهر العقاري ليشمل تقديم العديد من الخدمات التي يتم إتاحتها عن بُعد، إضافة إلى ميكنة ورقمنة الخدمات من خلال مكاتب التوثيق والشهر العقاري بمختلف المحافظات. وتزامن مع ذلك، تطوير مهارات العاملين في تلك القطاعات ورفع كفاءهم للتعامل مع التطبيقات الحديثة.

من منظور آخر، ورغم الآثار الجانبية السيئة لتفشي فيروس كورونا إلا أن الوباء كان له أثر كبير في تسريع وتيرة التحول الرقمي في العديد من القطاعات، وخاصة تلك التي تقوم بتقديم خدمات للمواطنين والتي تشمل إنهاء التراخيص والمدفوعات الإلكترونية، بجانب حزمة إجراءات تضم حوافز للمعاملات الإلكترونية من قبل البنوك، وهي عوامل تحد من المعاملات اليدوية. وساهم الجائحة أيضًا في إدراك المواطنين لضرورة وأهمية التحول الرقمي، ليس فقط لمواجهة الفساد ولكن في تجاوز الأوضاع الكارثية والأزمات الطارئة.

نحن إذًا أمام تجربة فريدة ورائدة في مكافحة الفساد في القارة الأفريقية؛ إذ كانت مصر من أوائل الدول التي صادقت على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وكان لها السبق في دعم هيئات وأجهزة إنفاذ القانون وتفعيل دورها في مكافحة الفساد، خصوصًا أن الشأن أصبح شأنًا دوليًا يعرض جهود التنمية المستدامة في أي دولة للتقويض ويؤخر من مؤشرات حقوق الإنسان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى