مصر

هل تسهم “حياة كريمة” في تحسين ترتيب مصر في المؤشرات العالمية؟

تسعى الدولة المصرية إلى تنمية الريف المصرى، نتيجة ما عاناه من إهمال وتهميش في كافة الخدمات على مدار السنوات السابقة، فبالرغم من وضع العديد من الخطط التنموية التي تهدف إلى تحسين أحوال المواطنين في قرى مصر إلا أنها لم تُطبق على أرض الواقع. لذا بدأت الدولة خلال العامين الماضيين توجه الاهتمام نحو المواطنين الأكثر احتياجًا، وبالأدق المناطق الأكثر فقرًا والتي ترتكز في الريف عمومًا، وريف الصعيد بوجه خاص. لذلك تبنت الدولة المشروع القومي لتنمية الريف المصرى”حياة كريمة”، باستهداف 4741 قرية، وباستثمارات تفوق 700 مليار جنيه على مدار ثلاث سنوات.

وقد أدى عدم تطبيق الخطط الموضوعة لتنمية الريف على مدار السنوات الماضية إلى وصول المواطنين إلى حالة من اليأس نتيجة عدم تلبية احتياجاتهم الأساسية. وإذا نظرنا إلى وضع الريف قبل البدء في تفعيل مبادرة حياة كريمة نجد بعض المؤشرات القوية التي ترشدنا إلى أن هناك تدهورًا شديدًا كان من الضروري التعجيل بمعالجته.

  • زيادة معدلات الفقر:

تشير الإحصائيات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء إلى أن نسبة الفقر في ريف الوجه القبلى بلغت 51.4% في عام 2011،وارتفعت لتصل إلى 56.7% في عام 2015، وانخفضت لتصل إلى 42.7% في عام 2020، أما نسبة الفقر في ريف الوجه البحري فبلغت 17% في عام2011، وارتفعت إلى19.7% في عام2015، وواصلت الارتفاع لتصل إلى 23.1% في عام 2020. ومقارنة بنسب الفقر في المناطق الحضرية نجد أن نسبة الفقر في حضر الوجه القبلي بلغ 29.5% في عام 2011، وانخفض إلى 27.4% في عام 2015، وواصل الانخفاض ليصل إلى 12% في عام 2020، أما نسبة الفقر في حضر الوجه البحري فبلغت 10.3% عام 2011، وانخفضت إلى 9.7% عام 2015، وواصلت الانخفاض لتصل إلى 4.4% عام 2020.

وكشفت قائمة المحافظات الأكثر فقرًا في الجمهورية بأن محافظة أسيوط أعلى المحافظات في نسب الفقر حيث بلغت نسبة الفقر فيها 66.7%، وتلتها محافظة سوهاج بنسبة 59.6%، ثم الأقصر 55.3%، والمنيا 54%، ثم قنا41%. وكانت محافظات بورسعيد والغربية ودمياط هي المحافظات الأقل فقرًا.

وطبقا لإحصائية الجهاز المركزي للتعبئة والاحصاء أيضًا فإن 46 قرية في محافظتي أسيوط وسوهاج بصعيد مصر تتراوح نسبة الفقر فيها بين %80 إلى 100 %، فضلا عن معاناة 236 قرية في سوهاج من الفقر، وهي نسبة بلغت 87% من قرى المحافظة، ما جعلها تسجل النسب الأعلى بين أفقر 1000 قرية في مصر.

  • ارتفاع نسبة الأمية: 

ارتفعت معدلات الأمية في المناطق الريفية نتيجة زيادة عدد السكان وارتفاع معدلات الفقر بالمحافظات، فقد بلغت نسبة الأمية في الريف 32% ونسبة الأمية في الحضر17.7%.

  • تدهور الخدمات الصحية

يتضح عدم جودة الخدمات الصحية المقدمة في الريف سواء في الوجه البحري أو الوجه القبلي، بجانب أن بعض الوحدات الصحية غير مجهزة بالشكل الكافي، والأخرى لا تتوافر فيها كوادر بشرية (أطباء أو ممرضيين).

  • زيادة نسبة التطرف الدينى

تزداد نسبة المتطرفين والمتشددين دينيًا نتيجة زيادة نسبة الفقر في الريف المصري عمومًا وخاصة الريف القبلي، بجانب زيادة معدلات الأمية وعدم الاهتمام بالجانب الثقافي في تلك القرى سواء من خلال توفير مراكز شباب أو مسارح والتي تعتبر أحد أدوات القوة الناعمة والتي يمكن من خلالها بث رسائل لتصليح مفاهيم مغلوطة.

هنا بدأت الدولة توحيد كافة مجهوداتها للعمل على تحسين معيشة المواطنين في الريف، لذلك أطلق الرئيس السيسي في يناير 2019 مبادرة حياة كريمة، والتي تعد بمثابة ملحمة وطنية تتشارك فيها مؤسسات الدولة والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدنى.

وقد حددت المبادرة أهدافها والتي تتمثل في أربعة أهداف استراتيجية وهي: بناء الإنسان المصري، وتحسين جودة حياة المواطنين، وتحسين مستوى معيشة المواطنين الأكثر احتياجًا، وتوفير فرص عمل. وقبل البدء في تحديد القرى تم وضع خطة مدروسة ومحددة لاختيار القرى والتي تقوم على عدد السكان ومعدل الفقر في كل قرية، وذلك بالتعاون مع وزارة التنمية المحلية ووزارة التضامن الاجتماعي.

وتعمل المبادرة على عدة محاور بهدف الارتقاء بالريف المصري ككل، وتتمثل هذه المحاور فى:

  •  البنية التحتية: والتي تهدف من خلاله إلى عمل وإصلاح شبكات المياه والصرف الصحي وإدخال الغاز الطبيعي والكهرباء.
  • الخدمات العامة: من خلال إنشاء وحدات صحية وتوفير كوادر بشرية، بالإضافة إلى إنشاء العديد من المدارس وزيادة عدد الفصول، كذلك توفير مجمعات خدمات، وإنشاء مراكز شباب لتعزيز الجانب الثقافي والرياضي.
  • الحماية الاجتماعية: توفير فرص عمل للمرأة أو للشباب من خلال تنمية الحرف اليدوية والتشجيع على المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
  • التطوير المؤسسي والمشاركة المجتمعية :من خلال إشراك المواطنين في تنفيذ وتشغيل وضمان استدامة هذه المشروعات، والعمل على زيادة الوعي والثقافة.

ويتم تنفيذ المبادرة على ثلاث مراحل: المرحلة الأولى تشمل القرى ذات نسب الفقر من 70% فيما أكثر؛ أي القرى الأكثر احتياجًا وتحتاج إلى تدخلات عاجلة. أما المرحلة الثانية فهي للقرى ذات نسب الفقر من 50% إلى 70%؛ أي القرى الفقيرة التي تحتاج لتدخل ولكنها أقل احتياجًا من المجموعة الأولى. وأخيرًا المرحلة الثالثة، القرى ذات نسب الفقر أقل من 50% أي تحديات أقل لتجاوز الفقر.

وعلاوة على ذلك، أدرجت الأمم المتحدة مبادرة حياة كريمة ضمن سجل منصة “الشراكات من أجل تحقيق أهداف التنمية المستدامة” وذلك نظرًا إلى أن المبادرة لديها مستهدفات كمية واضحة، وقابلة للقياس وتتبع مستوى الإنجاز، وتوافر الموارد التي تضمن تنفيذها، ولها نطاق زمني محدد، وتتلاقى مع العديد من أهداف التنمية المستدامة.

حياة كريمة والمؤشرات العالمية

لمبادرة حياة كريمة العديد من الآثار الاقتصادية والاجتماعية التي تعود على مواطني الريف بصورة مباشرة أو على الدولة المصرية بشكل عام؛ إذ إنه من المتوقع أن تسهم المبادرة بشكل كبير في خفض نسب الفقر في العديد من القرى، وما يترتب على ذلك من تحسين مستوى معيشة المواطنين، ومن ثم تحسين ترتيب مصر في المؤشرات العالمية.

  • النهوض برأس المال البشرى: 

من أهداف مبادرة حياة كريمة بناء الإنسان وتوفير فرص عمل، وتساعد المبادرة في النهوض برأس المال البشري، بحيث لا يقتصر عمل المبادرة فقط على تطوير خدمات البنية التحتية أو خدمات التعليم والخدمات الصحية، وإنما يمتد الاهتمام إلى الشباب والمرأة، وذلك من خلال عمل ندوات تتعلق بنشر الثقافة الرقمية وذلك بالتعاون بين وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ومؤسسة حياة كريمة لبناء قدرات المواطن المصري وتنميته، بالإضافة إلى إنشاء العديد من مراكز الشباب في القرى وما يترتب عليه من تشجيع على ممارسة الرياضة ونشر الثقافة.

هذا بجانب أن المبادرة تهدف إلى توفير فرص عمل للشباب والمرأة لتمكنهم من تحقيق الدخل المادي المناسب لهم، وذلك من خلال الدعم المقدم من جهاز المشروعات الصغيرة. وضمن مخططات المبادرة عمل مجمعات خدمات صناعية والتي ستسهم بشكل كبير في توفير فرص عمل للمواطنين في القرى. كل ذلك من المتوقع أن يسهم بشكل كبير في مواصلة تحسن ترتيب مصر عالميًا في مؤشر التنمية البشرية، والذي احتلت فيه الترتيب 102 لعام 2020، ارتقاءً من الترتيب 116 عام 2019.

  • تحسين معيشة المواطنين: 

تتجه الدولة نحو العدالة في تحقيق التنمية بين الريف والحضر للقضاء على الفقر والارتقاء بأحوال المواطنين في إطار مبادرة “حياة كريمة”، وذلك من خلال العمل على تحسين الخدمات الصحية سواء من خلال القوافل الطبية للعلاج بالمجان، أو إجراء العمليات الجراحية على نفقة الدولة، أو شن حملات التوعية التي تستهدف الحفاظ على صحة المرأة والطفل.

وكذلك، وضعت مصر من ضمن أولويات مبادرة حياة كريمة الارتقاء بالخدمات التعليمية، من خلال إنشاء مدارس جديدة في بعض القرى، ورفع كفاءة المدارس القائمة لكي تتلاءم مع متطلبات العملية التعليمية، وهو ما يؤدي بالتبعية إلى رفع كفاءة مخرجات العملية التعليمية وهم الطلاب، ومن ثم النهوض برأس المالي البشري.

كل هذا من المتوقع أن ينعكس بالتبعية على ترتيب مصر في المؤشر العالمي المتعلق بالرخاء، والذي احتلت فيه مصر الترتيب 121 عام 2020، مقارنة بالترتيب 124 لعام 2019؛ إذ إن هذا المؤشر يعتمد بشكل أساسي على تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، وهو ما تسعى الدولة إليه من خلال مبادرة حياة كريمة.

  • تعزيز الأمن الغذائي: 

بالإضافة إلى خدمات البنية التحتية والصحية والتعليمية، فإن مبادرة حياة كريمة تسهم بشكل كبير في العمل على الحد من الفقر الغذائي لتضاف إلى جهود الدولة القائمة في هذا المجال. وقد أسهمت مبادرة حياة كريمة في توفير قوافل غذائية للعديد من المحافظات خلال جائحة كورونا والكوارث المتعلقة بالأمطار والسيول التي ضربت بعض المحافظات ومنها محافظة أسوان.

ولم يقف دور المبادرة عند هذا الحد، بل أسهمت في عمل العديد من المشاريع التي تخدم المزارعين سواء من خلال إنشاء مجمعات للخدمات الزراعية أو مشاريع مراكز تجميع الألبان، ودعم “مشروع البتلو”، وتوفير الأسمدة الزراعية.

كل ذلك يساعد بشكل كبير في تهيئة الجو العام للمزارع مما يعود بالإيجاب على تحقيق الاكتفاء الغذائي من بعض المحاصيل. بالإضافة إلى الاتجاه نحو عمل أول منصة إلكترونية ضمن الشبكة الزراعية الرقمية المصرية، نتاجًا للمشروع القومي لكارت الفلاح الذك ، مما يسهم بشكل في تحسين ترتيب مصر في مؤشر الأمن الغذائي والذي احتلت فيه الترتيب 55 في عام 2019، مقارنة بالترتيب 61 عام 2018.

منى لطفي

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى