دول الخليج العربيأوروبا

لماذا تسعى فرنسا إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي في الخليج العربي؟

أوضحت الجولة الخليجية التي قام بها الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” في الثالث من ديسمبر 2021، -وشملت كلًا من الإمارات العربية المتحدة وقطر والمملكة العربية السعودية، واستمرت لمدة يومين، واصطحب خلالها وفدًا مكونًا من مجموعة من الوزراء والنواب الفرنسيين بجانب مسؤولين من كبرى الشركات التجارية والدفاعية ورجال الأعمال- مدى عمق العلاقات بين فرنسا وحلفائها في المنطقة، وسعي باريس إلى تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي في المنطقة لما له من تداعيات على فرنسا.

وعكست الزيارة عددًا من الرسائل الإيجابية والتوافق حول إدارة بعض الملفات والقضايا الاستراتيجية محل الاهتمام المشترك بين الرئيس “ماكرون” وقادة دول الخليج العربي خلال لقائه مع كل من ولي عهد أبو ظبي الشيخ “محمد بن زايد آل نهيان”، وأمير قطر الشيخ “تميم بن حمد آل ثاني”، وولي العهد السعودي الأمير “محمد بن سلمان”. 

وتجلى ذلك أيضًا في كلمة الرئيس الفرنسي على “تويتر” إذ كتب أن “الاستقرار الإقليمي، ومكافحة التطرف، وتعزيز جاذبية فرنسا هذه ثلاث أولويات أحملها إلى الإمارات العربية المتحدة وقطر والمملكة العربية السعودية”. واستكمل “جزء من أمننا موجود في الشرق الأوسط، ولذلك نعمل على حل الأزمات التي تولد عدم الاستقرار والإرهاب والمعاناة، ويجب أن نواصل، ونعمق، ونوضح ما يجب أن يكون، ونتحدث إلى كل من يستطيع المساهمة”. 

أولويات مُلحة

أصبح إقليم الشرق الأوسط ميدانًا للتنافس بين القوى الدولية والإقليمية التي تسعى إلى التمركز وإعادة الانتشار فيه لحماية مصالحها وترسيخ نفوذها وفقًا لأولوياتها الوطنية، الأمر الذي دفع فرنسا إلى توسيع مشاركتها ودورها في خفض التوتر في المنطقة، علاوة على طمأنة الحلفاء والتأكيد على استمرار دورها الداعم لمصالحهم؛ بهدف ضمان الاستقرار الإقليمي، وهو ما تجسد في مناقشة بعض الملفات المحورية خلال الزيارة على النحو التالي: 

  • تعزيز التعاون العسكري: ساهمت الزيارة في توطيد العلاقات بين الجانبين على الصعيد العسكري عبر توقيع عدد من الصفقات؛ إذ أعلنت باريس عن شراء الإمارات 80 طائرة من طراز “رافال” بقيمية حوالي 16 مليار يورو (18 مليار دولار) -ومن المُحتمل أن تحل “رافال” محل 60 طائرة من طراز “ميراج 2000”- لتعد بذلك أكبر عقد تصدير للأسلحة الفرنسية على الإطلاق. هذا بجانب 12 طائرة هليكوبتر مقاتلة من طراز “كاراكال” من شركة إيرباص للإمارات، وذلك وفقًا لما أوضحته وزارة الدفاع الفرنسية، وستتم عملية التسليم خلال الفترة من 2027 وحتى 2031. 

فيما أبرمت “إيرباص” صفقة لبيع 26 مروحية لشركة الطائرات السعودية، 20 منهم من طراز “إتش 145” و6 من طراز “إتش 160″، دون الإعلان عن تكلفة الصفقة. في المقابل انتقد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية “سعيد خطيب زاده”، هذه الصفقة خلال مؤتمر صحفي قائلًا: “يجب ألا يتم تجاهل دور فرنسا في زعزعة استقرار المنطقة”. واستكمل: “نتوقع أن تبدي فرنسا مسؤولية أكبر، فعسكرة منطقتنا غير مقبولة والأسلحة التي يبيعها الفرنسيون هي أصل الاضطرابات التي نشهدها”.

  • عقود تجارية: لم تقتصر الصفقات على الجانب العسكري، وإنما تضمنت عددًا من المجالات المختلفة مثل التجارة والاستثمار والمياه؛ إذ أبرمت شركة “فيوليا” المُتخصصة في إدارة المياه والنفايات صفقة يتم بموجبها إدارة خدمات مياه الشرب والصرف الصحي في الرياض و22 مدينة مجاورة لمدة سبع سنوات، فضلًا عن عقد اتفاق مع وزارة الاستثمار السعودية لتطوير الأداء التشغيلي والتجاري في مجال الطاقة لقطاع المياه في المملكة، وتوسيع شراكتها مع مجموعة “أرامكو” لمعالجة نفاياتها الصناعية والعادية.
  • الانسحاب الغربي من أفغانستان: تزامنت الجولة الخليجية للرئيس “ماكرون” مع تنامي تداعيات الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، وسقوط “كابول” في يد حركة طالبان، وحدوث أزمة في عملية اللجوء وعودة ظهور التنظيمات الإرهابية مثل “ولاية خراسان” التابعة لتنظيم “داعش” في أفغانستان التي أعلنت مسؤوليتها عن التفجير الانتحاري في مطار كابول، وراح ضحيته العشرات. 

لذا فقد احتلت أفغانستان أولوية خلال الزيارة، خاصة أن فرنسا تعطي اهتمامًا خاصًا بعمليات الإجلاء، وتجنب تفاقم الوضع الإنساني، ومكافحة الإرهاب. وقد سبق أن صرحت فرنسا بأنها ترفض أن تكون أفغانستان ملاذًا للإرهابيين، كما ناقش هذا الملف مع أمير قطر. وعليه فقد فرض هذا الملف نفسه على زيارة “ماكرون” لقطر قائلًا: “أشكر قطر على الدور الذي لعبته منذ بداية الأزمة والذي أتاح تنظيم العديد من عمليات الإجلاء”. 

ويذكر في هذا السياق أن فرنسا تعاونت مع قطر لإيصال ما يقرب من 40 طنًا من الأدوات الطبية والأغذية والاحتياجات الشتوية للمنظمات الدولية في أفغانستان في 2 ديسمبر 2021. علاوة على تعاونهما في تنظيم رحلة إجلاء استثنائية لما يقرب من 258 أفغانيًا معرضين للخطر على خلفية القيام بعملهم، مثل: الصحفيين والموظفين المدنيين السابقين في الجيش الفرنسي العاملين بموجب عقود محلية، بجانب 11 فرنسيًا، وما يقرب من ستين هولنديًا في نفس الرحلة.

  • تهدئة الأزمة اللبنانية: عمل “ماكرون” خلال الزيارة على خفض التوتر وتسوية الخلافات بين لبنان والسعودية؛ إذ أجرى اتصالًا هاتفيًا مشتركًا خلال لقائه بالأمير “محمد بن سلمان” مع رئيس الوزراء اللبناني “نجيب ميقاتي”، أوضحا خلاله التزامهما نحو لبنان، ولكنه لم يتطرق إلى موقف السعودية وباقي دول الخليج من الإجراءات العقابية الأخيرة التي تمت تجاه لبنان، على خلفية حالة التوتر بينهم، إلا أن الاتصال نوه إلى أن فرنسا والسعودية سيعملان لتقديم المساعدات الإنسانية للبنان، وهو ما يعد مؤشرًا إيجابيًا على حلحلة الأزمة، وعدّه بالفعل “ميقاتي” خطوة مهمة في مسار استئناف العلاقات التاريخية مع المملكة.
  • الطموح النووي الإيراني: تطرق “ماكرون” خلال الزيارة إلى البرنامج النووي الإيراني في محاولة لطمأنة الحلفاء في المنطقة، والتعبير عن أنه يشاركهم نفس المخاوف المشروعة في حالة امتلاك طهران للسلاح النووي، لأنها لم تعد قاصرة على المنطقة فقط، لذا فإن التعاطي مع هذا الملف لا يكون ذا جدوى إلا من خلال تحقيق الاستقرار الإقليمي، بجانب إشراك “أصدقاء فرنسا” في المباحثات النووية، موضحًا: “ليس هناك حلّ سريع وسهل فيما يخص الملف النووي الإيراني، إنما هناك طريق مُتفق عليه حيث لا وجود لسلاح نووي إيراني ولا تصعيد في المنطقة على المدى القصير”. 

سياق مُحفز

تزامنت الجولة الخليجية للرئيس “ماكرون” مع عدد من التحولات المتلاحقة التي كان لها تداعيات على مكانة فرنسا في النظام العالمي، وعلاقاتها بحلفائها، ومن المحتمل أن تؤثر على محورية دورها في بعض المناطق وخاصة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وشراكاتها المستقبلية مع دول المنطقة. لذا فقد دفع هذا السياق الذي يمكن توضيح أهم ملامحه فيما يلي، فرنسا لترويج لنفسها بأنها ما زالت قوة محورية لديها طموحات ومقدرات تمكنها من تعزيز نفوذها على كافة الأصعدة بالرغم من التحديات التي تواجهها. 

  • التحول الأمريكي: تشهد المنطقة عددًا من التحولات في ميزان القوى بين الدول الكبرى، وهو ما تمثل في محاولة الولايات المتحدة عدم الانزلاق في أزمات المنطقة، ومع إعادة نشر نفوذها في عدد من المناطق ذات الأولوية لها في سياق مواجهتها للصعود الصيني، والنفوذ الروسي دون حدوث صدام معهم بشكل مباشر، وخاصة في آسيا وذلك من خلال إقامة تحالفات أمنية ودفاعية، بجانب تعزيز تحالفاتها القائمة بالفعل من خلال الاعتماد على حلفائها الذين يتوافقون معها في نفس التوجهات السياسية وذلك لدعم تحركاتها الخارجية. وعليه تشعر دول المنطقة بالتراجع التدريجي للنفوذ الأمريكي، وهو ما قد ترغب فرنسا في توظيفه لخدمة مصالحها؛ عبر تقديم نفسها كوسيط وفاعل دولي يُمكن الاعتماد عليه في تسوية الأزمات الإقليمية.  
  • تحالف “أوكوس”: واجهت فرنسا في الشهور الأخيرة حالة من التوتر مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا على خلفية إبرامهم تحالفًا دفاعيًا وأمنيًا في منطقة المحيطين الهندي والهادئ دون معرفتها، والذي أُلغي بموجبه اتفاق مُسبق قد تم إبرامه مع استراليا في عام 2016 بتكلفة (65.88 مليار دولار أمريكي) ويتم بمقتضاه بناء 12 غواصة هجومية تقليدية تعمل بالديزل والكهرباء متفوقة إقليميًا بأداء استثنائي من قبل Naval Group  الفرنسية، وذلك على خلفية تحالف “أوكوس” الذي كان نتاج للمناقشات بين القادة الثلاث إبان قمة الدول السبع التي عقدت في يونيو 2021، ومهدت لهذا التحالف. 

الأمر الذي انتقدته فرنسا لكونه سلوكًا غير مقبول بين الحلفاء، وتم العمل عليه بدون استشارتها، وبناءً على ذلك قام الرئيس الفرنسي باستدعاء سفيري بلاده من الولايات المتحدة وأستراليا في خطوة تصعيدية غير مسبوقة للتشاور حول الوضع الراهن، ووصف وزير الخارجية “جان إيف لودريان” الاتفاقية بإنها “طعنة في الظهر”، وانتقد الولايات المتحدة في بيان مشترك مع وزيرة الدفاع لاستبعادها القوى الأوروبية من الاتفاقية، وهو ما ينتج عنه إثارة لقضية الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي، علاوة على إلغاء اجتماع كان من المقرر عقده نهاية شهر سبتمبر بين وزراء دفاع البلدين. 

وعليه فقد سعت فرنسا إلى تعزيز مكانتها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ من خلال إقامة شراكات جديدة مع دول غرب آسيا؛ إذ تعد فرنسا الدول الأوروبية الوحيدة التي تمتلك وجودًا عسكريًا مستدامًا في المنطقة وترغب في الحفاظ عليه. 

  • استئناف المفاوضات النووية: كان الحديث عن البرنامج النووي الإيراني خلال الجولة بعد الاستعدادات غير الرسمية التي تم بمقتضاها عودة الجولة السابعة من المفاوضات في فيينا التي تأتي بعد تولي الرئيس الإيراني “إبراهيم رئيسي” في أغسطس 2021، وفشل الجولات الست التي بدأت من شهر أبريل 2021 وحتى يونيو من هذا العام دون التوصل لتوافق بشأن كيفية التعاطي مع البرنامج النووي بعد انسحاب الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” في عام 2018، وعودة العقوبات مرة ثانية على طهران. 

وبالنطر إلى دور فرنسا في هذه المفاوضات فإنها من أهم الدول الفاعلة فيها، بجانب أنها تتوافق مع المملكة المتحدة وألمانيا حول ضرورة التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران بشأن البرنامج النووي الإيراني لخفض أي تصعيد محتمل في المنطقة، وتلعب دور الوساطة لتقريب وجهات النظر بين الجانبين لتسوية الأوضاع؛ إذ تصر طهران على رفع العقوبات مقابل رفض واشنطن لهذا النهج. 

  • اقتراب موعد انتخابات الرئاسة الفرنسية: تأتي الزيارة قبل ما يقرب من خمسة أشهر على إجراء الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي من المُقرر عقدها في العاشر من شهر أبريل 2022. وبالرغم من أن “ماكرون” لم يعلن عن ترشحه بشكل رسمي إلا إنه من المُتوقع أن يخوض هذه الانتخابات للتنافس على فترة رئاسية ثانية، الأمر الذي يجعله يواجه عددًا من التحديات يأتي في مقدمتها التعاطي مع أزمة “كوفيد-19″، وتوسيع نطاق عمليات التلقيح، بالتوازي مع تنامي حالات المقاومة ضد اللقاحات، بجانب ضرورة طرح برنامج انتخابي يستطيع دعم شعبيته الداخلية التي كانت قد تأثرت على خلفية إصلاحاته الاجتماعية والاقتصادية. مع تبنيه سياسة خارجية فعالة وخاصة أن فرنسا بحلول العام القادم ستتولى رئاسة مجلس الاتحاد الأوروبي لمدة ستة أشهر.

 وهنا لابد من الإشارة إلى المنافسين المحتملين لمواجهة “ماكرون” الذين تأتي في مقدمتهم “فاليري بيكريس” -الرئيسة السابقة لمنطقة إيل دو فرانس- مرشحة الحزب الجمهوريون المحافظ، لتكون أول سيدة تخوض السباق الانتخابي الرئاسي ممثلة للحزب، فمنذ أن تم الإعلان عن ترشحها احتلت “بيكريس” مكانة مُتقدمة في استطاعت الرأي التي رجح بعضها أنها قد تصل إلى الجولة الثانية من الانتخابات، وقد صرحت في أول خطاب لها بأنها ستجعل فرنسا القوة الأهم في أوروبا، وستعمل على وقف الهجرة غير النظامية، وانتقدت اليمين المتطرف. 

ختامًا؛ مثّلت التحركات الفرنسية في المنطقة تفهمًا واضحًا للمتغيرات الإقليمية، ومدى تداعياتها الممتدة على أمن واستقرار فرنسا، بل العواصم الأوروبية، وذلك تجنبًا لإعادة سيناريو تنامي الدول الهشة واستمرار حالة الفوضى في لبنان، والتخوف من عدم احتواء تداعيات الانسحاب الغربي من أفغانستان، وكبح الطموح النووي لإيران. وذلك مع الرغبة في بناء شراكات جديدة مع الحلفاء في المنطقة بما يقوي مكانة فرنسا. لذا يرغب “ماكرون” في لعب دور الوساطة لتسوية الأزمات المُثارة لاحتواء الوضع الراهن بعيدًا عن سياسة الصدام، للحفاظ على مكانة فرنسا الدولية بوصفها فاعلًا محوريًا في سياق التحولات التي تشهدها بنية النظام العالمي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى