الاقتصاد المصري

الصناعات الغذائية في مصر.. الواقع والتحديات

تشهد القاهرة اليوم الأحد الموافق الثاني عشر من ديسمبر افتتاح معرض “فود أفريكا” الذي يُعد أحد أكبر المعارض التجارية الدولية المتخصصة في الصناعات الغذائية والزراعية على مستوى القارة الأفريقية، ويمثل بوابة تتيح للشركات فرصة الوصول إلى القطاع الزراعي في مصر وأفريقيا. ويأتي ذلك بالتزامن مع الإعلان عن توقعات المجلس التصديري للصناعات الغذائية بشأن ارتفاع صادرات الأغذية المصرية خلال العام الجاري بنحو 14.2% على أساس سنوي لتتجاوز 4 مليارات دولار.

وفي هذا السياق، يتناول المقال الآتي استعراضًا لأهمية قطاع السلع الغذائية للاقتصاد المصري من حيث مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي وتوفير فرص العمالة، فضلًا عن عرض أهم الجهود المصرية لتعزيز الأمن الغذائي وتقوية الصناعات الغذائية.

أداء قطاع الصناعات الغذائية خلال 2021

تمثل صادرات الصناعات الغذائية نحو 14% من إجمالي القطاع التصديري المصري، ويسهم قطاع الصناعات الغذائية بنسبة 24.5% في الناتج المحلي الإجمالي، ويوفر حوالي 23.2% من حجم العمالة المباشرة وغير المباشرة في مصر بحوالي 7 ملايين عامل، ويبلغ عدد الشركات العاملة بقطاع الصناعات الغذائية نحو 14 ألف منشأة، فيما تقدر استثمارات القطاع الغذائي بنحو 500 مليار جنيه، كما يتبين من الشكل الآتي:

وخلال العام الماضي، احتل قطاع الصناعات الغذائية المركز الثالث فيما يتعلق بحجم الصادرات المصرية لتبلغ صادراته نحو 3.419 مليار دولار، وفيما يلي عرض لتطور الصادرات القطاعية المصرية خلال الفترة يناير – ديسمبر 2020:

الشكل 1- تطور صادرات القطاعات المصرية خلال 2020

يتبين من الرسم السابق أن صادرات قطاع مواد البناء والصناعات المعدنية احتل المركز الأول حيث بلغت نحو 6.149 مليار دولار، فيما احتل قطاع المنتجات الجلدية المركز الثانى عشر فى حجم الصادرات المصرية التي سجلت نحو 52 مليون دولار.

ووفقًا لبيانات المجلس التصديرى للصناعات الغذائية، بلغت صادرات القطاع نحو 3.1 مليار دولار خلال 9 أشهر من 2021 مقابل مستويات نفس الفترة من العام الماضي المسجلة عند 2.6 مليار دولار. وجاءت الدول العربية في المركز الأول من حيث أهم المجموعات الدولية المستوردة للسلع الغذائية المصرية خلال الفترة التي تتراوح بين يناير إلى سبتمبر من العام الجاري حيث تستحوذ على حوالي 51% من إجمالي الصادرات الغذائية بقيمة 1.6 مليار دولار، ليليها الاتحاد الأوروبي بقيمة 492 مليون دولار بنسبة نمو تبلغ 33%، لتأتي الدول الأفريقية غير العربية في المركز الثالث بقيمة 300 مليون دولار ممثلة نحو 10% من إجمالي الصادرات الغذائية، فيما احتلت الولايات المتحدة المركز الرابع بقيمة 166 مليون دولار لتمثل 5% من إجمالي الصادرات، في حين ارتفعت الصادرات لباقي المجموعات الدولية بقيمة 429 مليون دولار، بنسبة نمو تبلغ حوالي 19%. ويُمكن الاستعانة بالشكل الآتي لعرض صادرات وورادات السلع الغذائية شهريًا: 

الشكل 2- صادرات وواردات السلع الغذائية شهريًا

يتبين من الرسم السابق وجود عجز في الميزان التجاري للسلع الغذائية حيث تتجاوز قيمة الواردات نظيرتها من الصادرات بفارق بلغ 347.238 مليون دولار في أغسطس من العام الحالي، ويتضح أيضًا ارتفاع صادرات مصر من السلع الغذائية من 296.509 مليون دولار خلال يناير لتسجل 352.449 مليون دولار بحلول أغسطس بما يمثل ارتفاعًا بنحو 18.8%، في حين تراجعت الواردات منها بنحو 8.87% من 767.814 مليون دولار في بداية العام لتصل إلى 699.687 مليون دولار.

الموجة التضخمية في السلع الغذائية

تجتاح العالم موجة تضخمية حادة في ضوء تراجع إمدادات العديد من السلع بالتزامن مع زيادة الإقبال عليها، ولهذا شهدت غالبية الدول حول العالم ارتفاعًا غير مسبوق في معدلات التضخم لاسيما أسعار المواد الغذائية. وقفز مؤشر أسعار الغذاء الشهري لمنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) خلال نوفمبر للشهر الرابع على التوالي مسجلًا أعلى مستوياته منذ يونيو 2011 عند 134.4 نقطة بزيادة قدرها 1.2% على أساس شهري، ونحو 27.3% على أساس سنوي.

ولعبت العديد من الأسباب دورًا مهمًا في اجتياح الموجة التضخمية العالمية منها؛ التغيرات المُناخية المتمثلة في حالات الجفاف الشديد، والأعاصير، والفيضانات الموسمية وغيرها من الظواهر الطبيعية والتي تؤثر على الإنتاج الزراعي، ونقص الإنتاجية الزراعية لبعض المحاصيل، ومساهمة الإجراءات الاحترازية الناجمة عن انتشار فيروس كورونا حول العالم في إغلاق المصانع وتوقف النشاط الاقتصادي والعملية الإنتاجية، واتجاه الأفراد إلى تخزين المواد الغذائية والاستهلاكية المهمة خلال فترة الوباء مما أسفر عن ارتفاع الطلب في وقت يعاني فيه العالم من تناقص معروض تلك السلع.

هذا بالإضافة إلى اضطرابات قطاع الشحن وسلاسل التوريد؛ إذ ارتفعت أسعار الشحن البحري بحوالي 2-3 مرات في الأشهر الماضية، بينما أدى ارتفاع أسعار البنزين ونقص سائقي الشاحنات في بعض المناطق إلى ارتفاع تكلفة خدمات النقل البري، وكذلك، ارتفاع أسعار منتجي الأغذية العالمية لتصل إلى أعلى مستوياتها في عدة سنوات، وقد قام بعض المنتجين بنقل هذه الزيادة إلى المستهلك. فضلًا عن انتقال تداعيات أزمة الطاقة ونقص إمدادات الغاز الطبيعي إلى الصناعات المهمة للقطاع الغذائي كالأسمدة؛ إذ أجبرت الأزمة العديد من المصانع والشركات على خفض إنتاجها أو إغلاق مصانعها، وأخيرًا، سعي الدول إلى إنتاج الوقود الحيوي المنتج من مواد نباتية لمحاربة تهديدات التغيرات المناخية، وهو ما يزيد من الضغوطات المفروضة على المحاصيل الزراعية.

وبطبيعة الحال، ليست مصر بمعزل عن هذه التطورات؛ كونها أكبر مستورد للقمح حول العالم ويقطن بداخلها أكبر عدد للسكان في الوطن العربي، حيث يمثل بند الأغذية والمشروبات نحو 35.87% من مؤشر أسعار المستهلكين لإجمالي الجمهورية، ولذا، من المرجح أن يؤثر ارتفاع أسعار السلع الغذائية عالميًا على مستوى الأسعار محليًا انطلاقًا من مبدأ “التضخم المستورد” الذي ينشأ بسبب اعتماد الدولة على السلع والخدمات المستوردة من الخارج. ويوضح الشكل الآتي تطور مؤشر الأغذية والمشروبات منذ بداية العام:

الشكل 3 – مؤشر الطعام والشراب شهريًا

يبين الشكل السابق ارتفاع أسعار الطعام والشراب بنحو 13.4% خلال عشرة أشهر من 97.7 نقطة خلال يناير 2021 إلى 110.8 نقطة بحلول أكتوبر الماضي.

تحديات وجهود حثيثة

تواجه الصناعات الغذائية في مصر تحديات جمة –إلى جانب ارتفاع الأسعار- متمثلة في العجز المائي البالغ قدره 20 مليار متر مكعب سنويًا في المتوسط، وفقًا لتصريحات وزير الري المصري “محمد عبدالعاطي”، إذ تبلغ احتياجات مصر من المياه نحو 80 مليار متر مكعب، فيما سجل مجموع المياه العذبة المتاحة حوالي 60 مليار متر مكعب. ونظرًا لارتباط إنتاج الغذاء بالمياه تطبيقًا لمفهوم “مثلث الغذاء- المياه- الطاقة”، فإن نقص المياه من شأنه أن يعيق القدرة على إنتاج السلع الزراعية والغذائية.

وإلى جانب ذلك، تتراجع الرقعة الزراعية في مصر بالتزامن مع نمو السكان المتزايد مما أدى إلى الضغط على الإنتاج الغذائي وجعله ينمو بمعدلات لا تتواكب مع معدلات النمو في الاحتياجات الغذائية للسكان. ومن المتوقع أن تتأثر السلع الغذائية بالتغيرات المناخية حيث تضرر الإنتاج في الدول المصدرة للغذاء مما يعني مزيدًا من الضغوط على الدول المستوردة للغذاء مثل مصر، وهو ما شهدناه بعد صدور القرار الروسي بفرض رسوم على صادرات القمح للخارج.

وفي ظل العوائق التي تواجه الصناعات الغذائية، حاولت الدولة المصرية أن تعزز الأمن الغذائي عن طريق إطلاق العديد من المشروعات القومية خلال الفترة الماضية كمشروع المليون ونصف مليون فدان ومشـــروع الدلتـــا الجديـــدة، وافتتاح المدينة الغذائية “سايلو فودز”، فضلًا عن إطلاق مشروع 100 ألف صوبة زراعية ومشروعات الثروة الحيوانية والاستزراع السمكي وعودة تصدير الدواجن. وخلال الجائحة، سارعت مصر إلى التأكد من تدبير احتياطيات القمح الاستراتيجية لمدة ستة أشهر على الأقل، ورفعت التمويلات الموجهة لشراء السلع الاستراتيجية بصفة عامة لضمان تأمين الاحتياجات المحلية بأسعار جيدة.

وفي الختام، يبنغي الإشارة إلى اهتمام الحكومة المصرية بقطاع السلع الغذائية والزراعية بشكل واضح نظرًا لأهميته الاقتصادية من حيث الإسهام في الناتج المحلي الإجمالي أو خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة أو توفير مصدر للنقد الأجنبي، وأخيرًا تعزيز الأمن الغذائي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى