الأكثر قراءةمقالات رأي

كيف ذاب الجليد بين «الراين» و«النيل»؟

قلما يودع رئيس دولة، نظيرًا له في دولة أخرى عند تركه منصبه، بتصريح، أو مكالمة، أو رسالة، تحمل عبارات مجاملة، ففي الأغلب «يُنسى المغادر، ويُكتفى بتوجيه التهاني للوافد الجديد إلى كرسي الحكم، مقرونة بتمنيات بالتوفيق.

لكن الرئيس السيسي لم يدخر مناسبة مع اقتراب موعد اعتزال المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ميدان السياسة والحكم في بلادها بعد ١٦ عامًا أمضتها في السلطة، إلا وعبر فيها عن تقديره البالغ لدورها في الساحة الدولية، وعلى صعيد تعزيز علاقات التعاون المصري الألماني. حدث هذا في تصريحات للصحفيين، وفى مكالمة تليفونية، وفى رسالته الأخيرة التي نشرها عبر حسابه على موقع التغريدات «تويتر»، في نفس اليوم الذي غادرت فيه مبنى المستشارية منذ ٣ أيام.

لم تكن رسالة الرئيس نابعة من رغبة في مجاملة، بقدر ما كانت مدفوعة باحترام عميق للمستشارة ميركل التي وصفها الرئيس بأنها «شخصية عظيمة ذات نمط قيادي فريد يجمع بين الحكمة والقوة، وأنجزت طوال مسيرتها البراقة الكثير تجاه وطنها وشعبها وأوروبا والعالم».

وقال الرئيس: «إن مصر حكومة وشعبًا لن تنسى ما قامت به المستشارة أنجيلا ميركل لصالح العلاقات المصرية الألمانية ودورها في تعزيز أواصر الصداقة بين البلدين والشعبين الصديقين».

ولقد أسعدني الحظ على مدار سبع سنوات مضت أن أتابع مسار انتقال العلاقات المصرية الألمانية من التدهور وسوء الفهم، إلى التفهم وإزالة الجمود، ثم إرساء قواعد متينة للعلاقات على المستوى الثنائي وللتنسيق إزاء قضايا الشرق الأوسط وأوروبا، ثم الانطلاق بالعلاقات إلى مرحلة غير مسبوقة من التعاون المشترك وتطابق وجهات النظر إزاء أزمات المنطقة وقضايا مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية.

معروف عن الرئيس السيسي اهتمامه الكبير بالمعجزتين الألمانية واليابانية، في تحقيق نهضة صناعية واقتصادية هائلة، رغم الدمار الذي حاق بالبلدين في الحرب العالمية الثانية. وكان الرئيس منذ البداية حريصًا على الاستفادة من تجربة البلدين، خاصة ألمانيا الأقرب لنا في الجوار الجغرافي، وبوصفها مع فرنسا قلب وعقل ومحرك الاتحاد الأوروبي، من أجل الاستنارة بهذه التجربة الرائدة، ونحن نتأهب لبناء الدولة المصرية الحديثة، بعد زلازل ثورتين وخرائب خلفها نظام الإخوان في عام الردة الوطنية والفشل المزرى في كل نواحي الإدارة…!

لكن كانت الأجواء غير صافية، بل غائمة، وكانت الطرق غير مُعبَدة، بل تكتنفها عوائق وعراقيل بين القاهرة وكل من برلين وطوكيو، بالأخص العاصمة الألمانية في أعقاب ثورة ٣٠ يونيو. ووسط غياب إعلامي مصري خارجي في ذلك الحين، راجت الأكاذيب، ورعت الأباطيل في وسائل الإعلام الألمانية تحديدًا، في ظل حملات محمومة من جانب جماعة الإخوان التي كانت تنشط في الدوائر السياسية والإعلامية هناك، تصور للرأي العام الألماني، أن ما جرى في ٣٠ يونيو هو انقلاب، وأن السيسي على غرار حكام شموليين حكموا في هذه المنطقة وأوردوا دولهم موارد التهلكة، وأن جماعة الإخوان هي «قوة سياسية معتدلة»، أطيح بها من سدة الحكم خلافًا لإرادة الشعب…!

وكان لتلك الصورة الزائفة أثرها على توجهات الحكم في ألمانيا إزاء ثورة يونيو…! أولى الإشارات على انكسار الجفوة في علاقات البلدين، جاءت في مكالمة تليفونية أجرتها المستشارة ميركل مع الرئيس السيسي بعد ٣ أشهر من توليه منصبه. تناولت المكالمة مسار الانتقال الديمقراطي في مصر والمستجدات في أوروبا والعالم، ثم وجهت ميركل الدعوة إلى السيسي لزيارة برلين، كما وجه لها الرئيس دعوة مماثلة لزيارة القاهرة. 

لكن نقطة التحول في العلاقات المصرية الألمانية لم تكن في برلين أو في القاهرة، وإنما كانت في قرية سويسرية صغيرة هي «دافوس»، مقر انعقاد المنتدى الاقتصادي العالمي…! في يوم ٢٣ يناير ٢٠١٥، جرى اللقاء الأول بين السيسي وميركل في «دافوس»، بطلب من المستشارة الألمانية. تم اللقاء بعد سويعات، من جلسة عقدها المنتدى الاقتصادي العالمي باسم «السيسي»، وحرص على حضورها جمع حاشد من الزعماء وكبار الشخصيات الدولية ورؤساء الشركات الكبرى، ليستمعوا إلى أفكار ورؤى الرئيس المصري الجديد.

في كلمته خلال هذه الجلسة، قال الرئيس في عبارة مركزة بليغة، أوجز فيها حقيقة ما جرى في ٣٠ يونيو ٢٠١٣: «إن الشعب المصري أزال حكم الفرد عندما تجاوز الشرعية، ولم يتردد في نزع الشرعية ذاتها عمن أرادوا أن يستأثروا بها وأن يسخروها لتطويع الهوية المصرية». كان مقدرًا أن يستغرق لقاء السيسي وميركل نحو ٢٠ دقيقة، لكنه طال إلى ضعف الزمن المقرر.

في أعقاب الاجتماع، التقيت مع الرئيس السيسي، في مقابلة سريعة، كان الرئيس سعيدًا بمجريات اليوم، وبالأخص بلقائه الأول مع ميركل. قلت للرئيس: كيف ترى نتائج المباحثات، «قال: كانت ناجحة جدًا. قلت: هل تغير الموقف الألماني مما جرى في مصر بإرادة الشعب يوم ٣٠ يونيو؟.. أجاب: هناك تفهم ألماني للأوضاع في مصر، وهناك ارتياح للخطوات التي تستكمل في خارطة المستقبل وإجراء الانتخابات البرلمانية قريبًا، وتقدير للدور المصري في تحقيق الاستقرار بالشرق الأوسط.

وعلمت أن الرئيس لم يشأ أن يترك مناسبة اللقاء دون أن يشرح للمستشارة الألمانية التي تبنت موقفًا متعارضًا مع إرادة الشعب المصري، ملخصًا للأوضاع التي عاشتها مصر منذ ثورة ٢٥ يناير، والجهود التي بذلها طيلة عام حكم الإخوان، والنصائح التي وجهها لهم ليعدلوا عن سياسة نظام الإخوان الإقصائية ومسعاهم لتغيير الهوية المصرية.

أنصتت ميركل باهتمام إلى كلام الرئيس.. ثم قالت: «إن نظام الإخوان كان يقود مصر إلى طريق آخر، والحقيقة أنهم أخفقوا في أشياء كثيرة، أهمها إدارة الدولة». استمعت ميركل إلى رؤية الرئيس لبناء دولة حديثة في مصر، وإلى رؤاه بشأن أزمات منطقة الشرق الأوسط. وقالت له: سيادة الرئيس.. أنا متفائلة بمستقبل مصر. انتهى اجتماع دافوس، تحت ثلوج شتاء سويسرا، بذوبان الجليد الذي امتد على طول الطريق بين نهري «الراين» و«النيل»…! 

بعد أقل من ٦ أشهر.. جاء موعد الزيارة الأولى التي قام بها الرئيس السيسي إلى برلين، وكانت دون أي مبالغة، هي زيارة إطلاق العلاقات المصرية الألمانية إلى أفق غير مسبوق في تاريخ التعاون بين البلدين. كان الرئيس يتابع قبل بدء الزيارة، الحملات الإعلامية التي تشنها جماعة الإخوان عبر بعض وسائل الإعلام في ألمانيا، والتي أرادت تسميم الآبار قبل مباحثات السيسي وميركل.

لذا.. قال الرئيس السيسي في ختام جلسة المباحثات الثنائية مع المستشارة الألمانية: «إنكم هنا لا تدركون حتى الآن معنى أن يخرج ٣٠ مليون مصري من منازلهم، وأن يقفوا في الشوارع والميادين يوم ٣٠ يونيو، يريدون التغيير وإنقاذ بلدهم من شبح حرب أهلية يخيم على رؤوس المصريين.

بهدوء وحسم ردت المستشارة الألمانية ميركل قائلة: «سيادة الرئيس، لو لم نكن قد أدركنا هذه الحقيقة، ما كنا نستقبلك هنا اليوم» …! أرادت ميركل أن تطوى نهائيًا الصفحة التي ظلت تخيم على علاقات البلدين. ولعلها في قرارة نفسها، كانت تدرك أن الشعب المصري استشعر مبكرًا الكارثة التي كان يقتاده إليها نظام الإخوان، خلال عام واحد من حكمه، وتمنت لو كان الشعب الألماني استشعر مبكرًا الكارثة التي اقتاده إليها الحكم النازي…!

وكان الرئيس السيسي في أوج تألقه خلال المؤتمر الصحفي الذي أعقب المباحثات بدار المستشارية، عندما نحى كلمته المكتوبة جانبًا، وارتجل كلمة استبق بها أسئلة الصحفيين، وكان أهم ما قاله فيها: «لستم وحدكم الذين تؤمنون بالحريات والديمقراطية، وإذا كنتم أنتم حريصين على حق الإنسان فنحن دولة ذات حضارة عريقة، ولا تستكثروا علينا أن نكون أحرص على حقوق الإنسان المصري، وأن نكون حريصين على الحياة والإنسانية». ذروة نتائج تلك المباحثات، كانت توقيع ٤ عقود واتفاقات، أهمها عقد إنشاء ٣ محطات كهرباء عملاقة بالتعاون مع شركة «سينمس»، الألمانية في البرلس وبنى سويف والعاصمة الإدارية الجديدة.

على مدار السنوات التالية، تعددت لقاءات القمة بين السيسي وميركل لتتخطى أكثر من ١٠ لقاءات، في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال السنوات التالية وفى مدينة هانغشو الصينية أثناء قمة العشرين، ثم في القاهرة مطلع مارس عام ٢٠١٧، وفى قمة برلين الأولى للشراكة بين مجموعة العشرين وأفريقيا في يونيو من نفس العام، وفى قمة برلين الثانية في أكتوبر ٢٠١٨، ثم مؤتمر ميونخ للأمن في فبراير ٢٠١٩، ومن بعده قمة فرنسا للدول السبع الصناعية أغسطس من نفس العام والتي حضرها السيسي بوصفه رئيسًا للاتحاد الأفريقي وأخيرًا.. قمة برلين حول ليبيا في يناير من العام الماضي التي دشنت لخارطة الانتقال السياسي في ليبيا.

ربما توقفت الزيارات المتبادلة خلال قرابة عامين بسبب ظروف وباء كورونا، إلا أن الاتصالات التليفونية، والمداولات عبر الفيديو كونفرانس ظلت متواصلة، من أجل تبادل الرأي والتنسيق بشأن قضايا مكافحة الإرهاب واحتواء أزمات المنطقة واستعادة الدولة الوطنية في البلدان التي أصابتها الحروب الأهلية، لاسيما في ليبيا. وكانت ميركل في كل قمة تبدى إعجابها بسلامة رؤية الرئيس وتطلب منه الاستزادة.

أما التعاون الثنائي، فقد انطلق على مساره الطموح الذي وضعه السيسي وميركل، وكانت أبرز علاماته محطات الكهرباء الثلاث العملاقة، ومشروع القطار الكهربائي السريع الذي تم تدشين مرحلته الأولى من العين السخنة إلى العلمين، وتعزيز التعاون العسكري ممثلًا في صفقة الغواصات المتطورة طراز «٢٠٩»، التي تسلمتها مصر وغيرها.

يوم الخميس الماضي، غادرت ميركل دار المستشارية، لتدخل صفحات تاريخ ألمانيا وأوروبا، كشخصية عظيمة -على حد وصف الرئيس-. فهي ابنة أسرة متوسطة، نشأت في ألمانيا الشرقية، ودرست الكيمياء الفيزيائية وحصلت على درجة الدكتوراه في هذا التخصص. ثم دخلت ميدان السياسية، ولم تكن حينئذ حين تولت منصب نائب المتحدث للحكومة في ألمانيا الشرقية تحلم بأنها ستصبح ذات يوم مستشارة لألمانيا التي وحدها أستاذها في الحزب «الديمقراطي المسيحي»، المستشار هيلموت كول.

كانت ميركل شخصية فريدة تجمع بين القوة والحكمة -على حد قول الرئيس- وبين الإنسانية أيضًا. فالمستشارة التي وقفت بصلابة في مواجهة مواقف أمريكية وروسية، رأتها لا تتفق مع مصالح أوروبا، وظلت صوتًا حكيمًا داعيًا لإنهاء نزاعات جنوب المتوسط بالحوار، وناهضت الإرهاب والهجرة غير الشرعية، رأت أن من واجب بلادها من أجل الإنسانية السماح بدخول أكثر من مليون لاجئ من الشرق الأوسط، وتحملت في ذلك موجات الاحتجاج التي ووجهت بها من جانب الأحزاب اليمينية المتشددة.

تغادر ميركل مكتبها، ولعل معها صورتها الخاصة عند سفح الأهرامات. التي قالت عنها إنها تسجل أغلى ذكرى في حياتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى