مصر

فلسفة الدفاع المصرية: الانتقال من النهر إلى البحر

لطالما عُرف التاريخ العسكري المصري القديم بالأسلوب الدفاعي الهجومي في محطاته المتوالية التي أظهرت سمات الشخصية العسكرية المصرية. فقبل ثلاثة آلاف عام انطلقت الجيوش المصرية من طيبة باتجاه الشطر الشمال الشرقي من مصر لطرد قبائل الهكسوس التي احتلت هذا الجزء من البلاد طيلة قرن ونيف من الزمان. 

وعلى قدر قيادة الملك المحارب أحمس الأول للفيالق المصرية في عملية التحرير الأولى وهو في سن التاسعة عشر؛ فإن عملية التحرير هذه استندت في صميمها إلى شقين رئيسين كانا عاملا النصر.

الأول: تطوير قدرات التصنيع الذاتي للتقنية العسكرية –آنذاك- لعنصر المركبات الحربية “المدرعات”.

الثاني: الابتكار في قيادة الفيالق بأسلوب الدفاع الهجومي.

ولما دفع هذان العنصران إلى انتصار الجيش المصري تحت قيادة الملك المحارب أحمس الأول، بعدما فقد كل من أخيه الأكبر “كاموس الأول”، ووالده “سقنن رع” في معارك التحرير؛ بدأ أول فصول أقوى مرحلة في تاريخ الأمة المصرية منذ عصر الاتحاد الأول، حيث بدأت الأسرة الثامنة عشر صاحبة السجل العسكري المشرف لملوكها وخاصة الملك المحارب تحتمس الثالث، إذ كان هذا الملك أول امبراطور في التاريخ العسكري، وخاض بالجيش المصري 17 حربًا أو حملة عسكرية خارج الحدود وانتصر في جميعها.

وكان يستند في قوته العسكرية تلك إلى نفس العنصرين السابقين “التطوير الذاتي للتكنولوجيا العسكرية”، و”الابتكار في فنون القيادة”. بيد أن العنصرين انطلقا من أسلوب قتالي سرعان ما تحول إلى عقيدة قتالية مفادها “الدفاع الهجومي”. فعلى الرغم من مبلغ القوة العظيمة التي امتلكتها الدولة المصرية قبل ثلاثة آلاف عام، إلا انها لم تكن معتدية بنموذج المحتل أو المستعمر الحالي، فما تلبث الحملة العسكرية أن تنتهي حتى تعود قوات الجيش المصري مرة أخرى إلى طيبة من دون أن تؤسس لوجود مصري دائم خارج الحدود الحالية لمصر.

وأبقت الأمة المصرية كـ “أمة نهر” بامتياز، وأبقت كذلك على الوحدة السياسية والتجانس الطبيعي للمكون البشري. إلا أن بعض التطورات اللاحقة في مدارك الشخصية المصرية قد أثبتت مرونة تجاه العوارض الطارئة؛ فعلى سبيل المثال، هضمت مصر غالبية الغزوات العسكرية التي تعرضت لها، ولم تتسبب تلك الغزوات وموجات الاحتلال بإحداث تغيير يُذكر في نسيج الشعب المصري وتركيبته الجينية والأنثروبولوجية.

فمن بين نحو 40 موجة دخيلة مرت بالتاريخ المصري، نجد 3 هجرات حقيقية لمصر هي الهكسوس والإسرائيليين والعرب، فالموجتان الأوليان طُردتا تمامًا، وسُحقتا عسكريًا، بينما انصهرت الموجة الأخيرة في البوتقة المصرية من دون تزاوج داخلي كبير (In breeding) يضفي تغييرات في الشكل والصفات الجسمانية للشعب المصري.

بل أن أغلب الدراسات الأنثروبولوجية تشير إلى مصر القديمة تعد أبرز مثال معروف في التاريخ حتى الان لمنطقة معزولة طبيعيًا –صحراوان شرقية وغربية تحمي وادي النيل– ما منح الأنواع الجنسية المحلية فرصة لأن تمضي في طريقها لعدة آلاف من السنين دون أن تتأثر إطلاقًا باتصالات أجنبية. وتضيف دراسات الأنثروبولوجيا لـ كرواتشلي كون أن التغيرات التي لحقت النمط الجنسي في أي جزء من أوروبا خلال السنوات الخمسمائة الأخيرة كانت أكبر منها في مصر خلال خمسة آلاف سنة متصلة.

ويمكننا القول إن صفة النقاوة الجينية للشعب المصري الحالي التي كانت اتساقًا مع نتيجة كونه “أمة نهر” ترفض الترحال بعيدًا عن حدود الوطن، إلا أن شواهد التحركات العسكرية المصرية الأخيرة تشي بأن ثمة انقلابًا في هذا الجانب من مدارك الشخصية المصرية، فهناك تحول وانتقال يحدث للدولة المصرية؛ انتقال من النهر إلى البحر، على الساحة الدولية. فكيف يجري هذا الانتقال وكيف يختلف عن سابقه؟ وخاصة أن التحركات العسكرية المصرية في المجال الحيوي لطالما كانت تُصاحب بتغيير في ثقل موضع مصر بين الأمم، وما علاقة ذلك بفلسفة الدفاع الحالية؟

محفزات الانتقال من النهر إلى البحر

بانتهاء الحرب البادرة، قُدمت منظومة العولمة الاقتصادية بوصفها روح النظام العالمي الجديد “أحادي القطب”، وعلى الرغم من خلقها لكيانات تجارية واقتصادية متعددة الجنسيات أضعفت دور “الدولة”، وأنهت احتكارها لتمثل “الوحدات الدولية”؛ إلا أنها –أيّ العولمة الاقتصادية– مكّنت العديد من الدول والشعوب من تقاسم إنتاج أهم السلع الاستراتيجية عبر العالم، وتباعًا تزايد أهمية الشحن البحري وتعاظم قيمة خطوط الملاحة والمضائق ومناطق الاختناق المروري البحري.

هذا الأمر أفضى إلى تحول أعالي البحار والمضائق إلى ساحة من المواجهة ومسرح للتكتلات الأمنية والاقتصادية. ولمّا كانت مصر في القلب من التحولات السياسية والأمنية في الشرق الأوسط، علاوة على إشرافها على بحرين “الأحمر – الأبيض المتوسط” من أهم البحار الإقليمية في الاستراتيجية العسكرية والصراع على خطوط الطاقة، تحتم على مصر إيلاء اهتمام نوعي لقدراتها البحرية العسكرية لضمان نوع من الردع يمكنها من:

  1. الدفاع عن ثرواتها الطبيعية الواقعة على خطوط التماس مع قوى إقليمية مناوئة.
  2. حماية تحالفاتها وشراكاتها الاستراتيجية مع الدول والشركات متعددة الجنسيات.

ما شواهد الانتقال من النهر إلى البحر؟

الانتقال من النهر إلى البحر يعني رمزيًا الانعتاق من العزلة والانكفاء على الذات منذ العام 1981 ونمط الدفاع الهجومي والخروج إلى فضاءات أوسع للسياسة الخارجية المصرية تقوم على أساس منظومات الردع البحرية والهجوم المعزز.

ويلاحظ ذلك من عملية التحديث الشاملة التي طالت القوات البحرية المصرية، حيث هدفت في مجمل استراتيجيتها إلى تحويل البحرية المصرية من بحرية تأمين سواحل، إلى بحرية قادرة على ارتياد أعالي البحار، من خلال:

  1. إكساب البحرية المصرية قدرة النقل التعبوي الاستراتيجي للقوات خارج الحدود الدولية.
  2. تأمين قدرات التصنيع المحلي للتكنولوجيا العسكرية البحرية.

ولتحقيق النقطتين السابقتين، أدخلت القيادة المصرية إلى ترسانة القوات البحرية عدد (2) حاملة مروحيات وسفينة هجوم وإنزالي برمائي “ميسترال” في العام 2016، وبدء مرحلة تغيير ثوري على المستوى التخطيطي والعملياتي والتدريبي للقوات المسلحة، فللمرة الأولى من مائتي عام دشنت القيادة السياسية أسطولين بحريين الأول: الأسطول الجنوبي، والثاني: الأسطول الشمالي.

منح الأسطولان البحرية المصرية القدرة على النقل التعبوي الاستراتيجي خارج الحدود الدولية، فكل حاملة مروحيات يمكنها استيعاب 900 مقاتل بكامل تجهيزات إعاشتهم قتاليًا، وتوجد قمرة للقوات المحمولة تسع 481 فردًا بإقامة كاملة لمدة تصل إلى 6 أشهر.  أما حظائر المركبات المدرعة في بدن الحاملة فيمكنها استيعاب حتى 70 مركبة مدرعة أو 40 دبابة إبرامز، أو خليط من 13 دبابة إبرامز + 58 مركبة مدرعة. أما حظيرة الطيران أسفل السطح فيمكنها استيعاب 12 -20 مروحية متوسطة ثقيلة أو 35 مروحية خفيفة، أما السطح العلوي فيمكنه استيعاب 6 مروحيات من كل الأنواع على 6 نقاط هبوط.

ناهيك عن قدرات الحاملة الواحدة في قيادة المعارك وإدارة التعامل مع الكوارث وموقعها في معركة الأسلحة المشتركة، والمهام الدولية المشتركة ما يعزز من أدوات وفرص مصر في تدشين آليات للدفاع المشتركة في النطاق المتوسطي والعربي. 

هذا فضلًا عن امتلاك الحاملة لوصلات بيانات وأنظمة اتصالات مختلفة تعمل عبر نظام الاتصال بالأقمار الصناعية، ويصبح بذلك لدى القيادة المصرية قدرة الاتصال والربط مع الحاملة في المهام بعيدة المدى، هذا بالتوازي مع قدرة الحاملة على قيادة تشكيلات قتالية من قطع السطح والغواصات.

وبالأحرى، فإن قدوم حاملتي المروحيات الميسترال للترسانة البحرية المصرية قد فرض علي القيادة ضرورة تشكيل مجموعة قتالية مرافقة لكل حاملة، وتتكون من فرقاطات شبحية ولانشات صواريخ وغواصات هجومية تؤمن الأعماق، فالميسترال وحدها وعبر المروحيات القتالية العاملة على سطحها يمكنها فرض دائرة تأمين نصف قطرها 300 كم في أي نقطة. ويمكن للميسترال شن عمليات هجوم بحري ونقل عتاد مدرع خفيف وثقيل للمعركة، بالاشتراك مع القوات المحمولة جوًا، وظهرت بيان عملية لتدريبات اقتحام في المناورات “قادر 2020”. 

أما النقطة الثانية الدالة على حتمية الانتقال من النهر للبحر، كانت في تأمين قدرات التصنيع المحلي للتكنولوجيا البحرية، وفي هذا الصدد أصر المفاوض العسكري المصري على الفوز بعقود نقل تكنولوجيا التصنيع للفرقاطات والكورفيتات التي بدأ في التعاقد عليها. على سبيل المثال:

  1. كورفيتات الجويند2500 الفرنسية.

حيث تم التعاقد مع مجموعة نافال جروب الفرنسية لشراء 4 كورفيتات شبحية من طراز جويند2500، بإجمالي مليار يورو، على أن يتم بناء ثلاثة منها في ترسانة الإسكندرية البحرية بعد نقل تكنولوجيا تصنيعها وتدريب الكوادر الفنية المصرية، لتصبح مصر قادرة على صنع ال3 كورفيتات المتبقية محليًا بنسبة 100%. وتم تدشين الكورفيت المصنع محليًا بورسعيد 976، في يناير الماضي، فيما تم الانتهاء من الكورفيت الثالث المعز والكورفيت الرابع الأقصر في مايو من العام 2019، ومايو من العام 2020. 

  1. كورفيت “ميكو 200” الألماني:

وقّع الجانب المصري مع الألماني “شركة تيسين كروب” عقدًا لبناء 6 كورفيتات شبحية من طراز “ميكو إيه 200″، متعددة المهام في سبتمبر 2018 بقيمة 2 مليار يورو. وفي أبريل 2019 عدّلت مصر في العقد ليشمل بناء 6 كورفيتات شبحية “ميكو 200” المجهزة بـ 16 خلية إطلاق لصواريخ اكسوسيت المضادة للسفن، لصالح البحرية المصرية على أن يتم بناء ثلاثة منها محليًا في ترسانة الإسكندرية بعد نقل تكنولوجيا التصنيع. 

  1. توطين الصناعات البحرية “لورسين جروب”: 

كشفت مصر في معرض إيديكس عن أحدث مشاريعها التصنيعية في المجال البحري، وذلك حين عرضت قطع سطح خفيفة تختص بمهام الدورية وتأمين السواحل:

  • (Compact Compatant CC-60):

مجهز بـ 4 خلايا إطلاق للصواريخ المضادة للسفن لمهام الهجوم والضرب، مع 8 خلايا إطلاق لصواريخ “ميكا” سطح جو، لمهام الدفاع الجوي ما يجعل من هذه القطع الخفيفة أنسب الخيارات لتأمين الأهداف البحرية عالية القيمة.

  • (PV-43 HRM):

لم يتم تحديد أنواع المعدات والأسلحة التي سيتم تثبيتها على PV-43 OPV لأنها تعتمد على ما ستطلبه البحرية المصرية، لكن يُرجح أن يتم تثبيت أنظمة مضادة للسفن كمنصات إطلاق صواريخ “اكسوسيت”.  واللافت كان في الاجتماعات التي عقدها الرئيس السيسي مع ممثلي من شركة لورسين كروب، حيث اتخذت الشركة قرارًا بإنشاء مكتب إقليمي لها في القاهرة تحت اسم (NVL Egypt). 

تشير المؤشرات السابقة إلى انتقال مصري لأعالي البحار في النطاق الإقليمي، حيث نجحت في أولى اختباراتها في تثبيت منظومة ردع دفعت إلى عدم لجوء القوى الإقليمية إلى تجاوز الخط الأحمر البحري المتمثل في اتفاقات ترسيم الحدود البحرية مع كل من قبرص واليونان، لكن مازالت هناك تحديات لهذا الانتقال يتمثل في استمرار الفجوة الكبيرة بين القدرات التصنيعية المحلية للتكنولوجيا العسكرية ومتطلبات القوات المسلحة أو بالأدق متطلبات انعتاق مصر من عزلتها “1981-2013″، وتحولها إلى قوة إقليمية تشتبك مع التهديدات في البحر قبل أن تصل مجددًا لوادي النيل، بما يحويه من رمزية للوحدة السياسية والتجانس البشري. 

فللمرة الأولى تنطلق مصر خارجيًا من نفس ثوابت حضارتها القديمة، (مكون التصنيع العسكري والابتكار في القيادة)، ولكن هذه المرة صوب البحر وليس صوب نهري دجلة والفرات كما فعل تحتمس الثالث، أو صوب الشلال الثاني جنوبًا كما فعل سنوسرت الثالث، بل صوب البحار الإقليمية التي تحازي وادي النيل، فيما يترك هذا الانتقال الأسئلة مفتوحة عما قد يحدثه في سجل مصر العسكري، فقد قال التاريخ كلمته بأن ما من انتقال في مصر سواء سياسي أو عسكري إلا واتبع بجملة من الاستحقاقات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى