الأكثر قراءةآسيا

حروب الجوار الروسي.. موسكو تسيطر على طوق الأزمات

حينما القى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خطابه التاريخي الخاص بقبول عودة شبه جزيرة القرم إلى الدولة الروسية عام 2014، استخدم مصطلح “العالم الروسي”، في إشارة إلى تلك الدوائر الجغرافية التي تحكمت فيها روسيا القيصرية ثم روسيا السوفيتية عبر مئات السنين.

ورغم تفكيك الوحدة المركزية داخل “العالم الروسي”، وتحول بعض تلك الجمهوريات إلى دول مستقلة في عالم ما بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكيك الاتحاد السوفيتي وإنهيار سور برلين وتفكك الكتلة الشرقية، ظلت أغلب تلك الدول تحت النفوذ الروسي برغبة من حكامها قبل أي عامل آخر. ثم بدأ  الغرب في تدبير سلسلة من التفاعلات السياسية بغية اخراج الجمهوريات السوفيتية السابقة من العالم الروسي.

ولقد نجح الغرب في نقل مسرح العمليات إلى دول الجوار الروسي أو الجمهوريات السوفيتية السابقة، إلى جانب استثمار بعض المشاكل في الداخل الروسي، والتي يمكن أن نعرضها في النقاط التالية:

1 – الأزمة الداخلية في بيلاروسيا:

مع اندلاع الثورة الشعبية في 24 مايو 2020، والدعم الغربي الواضح لإسقاط نظام الرئيس ألكسندر لوكاشينكو، اعترف الأخير أن بيلاروسيا بحاجة إلى دستور جديد وجمهورية جديدة، ولولا الدعم الروسي الواضح داخل بيلاروسيا لكانت الجمهورية السوفيتية السابقة قد سقطت في يد الأحزاب الموالية للغرب.

لم تكن تلك هي الثورة الملونة الأولى ضد الرئيس الموالي للكرملين، بل هي الخامسة، وفى 25 مارس 2021 اخمدت الثورة بانتصار ساحق للرئيس وهو انتصار لم يكن ليحدث لولا الدعم الشخصي من زعيم الكرملين فلاديمير بوتين.

وأدى انتصار المحور الروسي على المحور الغربي في بيلاروسيا إلى نقل خطوط اللعبة من العاصمة البيلاروسية مينسك إلى الحدود مع بولندا. ولكن هل أنتهت الازمة في بيلاروسيا؟ الإجابة هي لا .. فالمعارضة في الجمهوريات السوفيتية السابقة لا تتوقف عن التحرك بسبب المليارات التي تتدفق عليهم من كل حدب وصوب من أجل الوصول للحكم وتحويل دفعة الدولة من العالم الروسي إلى العالم الغربي.

2 – أزمة الحدود بين بيلاروسيا وبولندا:

يحكم في وارسو حكومة وطنية تدرك أن بولندا تنتمي إلى العالم الروسي وليس العالم الأوروبي، رئيس الوزراء ياروسلاف كاتشينسكى يتفهم جيدًا هذه الحقيقة ويعمل على دمج بولندا بمؤسسات الاتحاد الأوروبي دون الاخلال بالهوية القومية البولندية. بينما تحاول المعارضة اسقاطه بالتظاهرات، خاصة حينما علق بعض قوانين الاتحاد الأوروبي الخاصة باللاجئين على ضوء قيام هؤلاء اللاجئين بالإغارة على بولندا عبر الحدود مع بيلاروسيا.

البصمات الروسية في تنظيم إغارة اللاجئين على الحدود البولندية واضحة، من أجل إعطاء ذريعة للحكومة القومية للابتعاد عن قوانين الاتحاد الأوروبي، وأيضًا من أجل تهديد أوروبا بموجة من اللاجئين مثل التي جرت عام 2015 وأدت إلى زلزال في الداخل الأوروبي لم تستفيق منه مؤسسات الاتحاد الأوروبي حتى اليوم.

كما أن موافقة بيلاروسيا على تنفيذ المخطط الروسي هو رسالة من منسيك إلى الغرب بأن بيلاروسيا قادرة بدورها على تصدير المشاكل إلى الداخل الأوروبي. الاتحاد الأوروبي بدوره اتهم صراحة بيلاروسيا بشن “هجوم هجين” على الاتحاد من خلال تشجيع المهاجرين على عبور الحدود.

3 – أزمة شرق أوكرانيا:

منذ انتهاء الحرب الأهلية الأوكرانية عام 2014، تم الإعلان عن قيام جمهوريتين في شرق أوكرانيا تحت الحماية الروسية، وحاليًا يقوم الغرب بمحاولة حشد جيوش الناتو على حدود واحدة من تلك الجمهوريتين ألا وهي جمهورية دونباس. وأصبح عنوان “حرب جنوب شرق أوكرانيا” جاهزًا، حيث يسعى الغرب لاستدراج الجيش الروسي إلى غرب أوكرانيا حيث الحكومة الأوكرانية المناهضة للنفوذ الروسي.

هذه الجولة يعد لها الغرب منذ تنصيب الرئيس الأمريكي جو بايدن في البيت الأبيض يناير 2021، بنفس أسلوب استدراج الجيش السوفيتي إلى أفغانستان عام 1979، حيث يصدر الغرب المشاكل إلى موسكو عبر إحدى دول الجوار، ثم يقود حملة إعلامية للترويج بأن موسكو هي التي بدأت الحرب.

ورغم المصيدة والخدعة إلا أنه لا يستبعد أن تقوم موسكو بحملة تأديبية حيال كييف، على نمط الحملة الروسية في جورجيا عام 2008 والتي مهدت لسيطرة روسية هادئة على الجمهورية السوفيتية السابقة حتى اليوم.

4 – الموقف في قيرقيزستان:

رغم نجاح الثورة القيرقيزية الثالثة (5 أكتوبر 2020 – 5 أكتوبر 2020) في اسقاط الرئيس سورونباي جينبيكوف الموالي لموسكو، الا أن انتخابات الرئاسة المبكرة في يناير 2021 قد أسفرت عن فوز الزعيم صدير جاباروف الموالي لموسكو أمام المرشح الموالي للغرب، ثم عضد المعسكر الموالي لروسيا موقفه بالظفر بالأغلبية في الانتخابات البرلمانية المبكرة في 28 نوفمبر 2021 لتستعيد موسكو السيطرة في بلاد القرقيز، وسبق للشعب القيرقيزي أن صوت لصالح عودة النظام الرئاسي بدلًا من النظام البرلماني خلال الاستفتاء على دستور جديد للبلاد في 11 أبريل 2021.

5 – توقف مشروع السيل الشمالي الثاني بين روسيا وألمانيا:

خط نورد ستريم الثاني Nord Stream 2 بين روسيا وألمانيا عبر بحر البلطيق هو خط غاز لا يمر بأوكرانيا كما الحال مع خط الغاز الروسي الرئيسي إلى أوروبا، ما همش أوكرانيا جيوسياسيًا وفتح الباب أمام فكرة تخلي الغرب عنها لصالح روسيا أو فكرة قيام روسيا بعمل عسكري في غرب أوكرانيا دون مخاوف من العقوبات الأوروبية.

السيل الشمالي أو نورد ستريم الثاني هو انقلاب جيوسياسي حقيقي في حروب الطاقة، لذا سعت الولايات المتحدة الأمريكية في زمن إدارة جو بايدن إلى فرملة المشروع، ولم تقبل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ذلك، ولكن ما أن أعلن عن فوز الاشتراكيين بالانتخابات البرلمانية الألمانية 2021 حتى قام وزير المالية والمستشار الألماني المقبل أولاف شولتس بقيادة الوزراء الاشتراكيين في حكومة ميركل منتهية الصلاحية بدعم فكرة وقف المشروع حتى حدث ذلك بالفعل، وتنتظر موسكو أن ينهي شولتس إجراءات أداء اليمين الدستوري في 8 ديسمبر 2021 لاستئناف التفاوض في هذا الملف.

6 – التطورات في أفغانستان:

قامت روسيا بإنزال عسكري محدود في طاجكستان، الجمهورية السوفيتية السابقة الواقعة بين أفغانستان وروسيا، وذلك كإجراء استباقي لفكرة قيام الإرهاب في أفغانستان بتفجير طاجكستان بوجه جمهورية روسيا الفيدرالية.

تنفست موسكو الصعداء عقب الانتقادات الدولية والأمريكية لإدارة جو بايدن، وتسمية بعض الصحف الأمريكية ما جرى بأنه مسرحية فاشلة لتسليم الحكم إلى طالبان والمعارضة إلى داعش. ولا تزال هنالك مخاطر جمة يمكن أن تنطلق من أفغانستان بحق روسيا والعالم الروسي، وتسابق روسيا – مع الصين – الزمن داخل أفغانستان من أجل لجم تلك المخاطر التي يمكن أن تصدر من أفغانستان أو “مقبرة الإمبراطوريات” كما هو معروف عنها في كتب التاريخ.

7 – دائرة أوراسيا  بين أرمينيا وأذربيجان:

على ضوء نجاح الغرب في السيطرة على أرمينيا، وتنصيب حكومة موالية للغرب، بل والتعاون مع تركيا في أذربيجان ضد روسيا، فإن بوتين يحتفظ بكارت التواجد العسكري الروسي على أراضي أرمينيا وأذربيجان باعتبارها قوات حفظ للسلام، وأيضًا استخدام العلاقات مع أنقرة لردع التمدد الإيراني في أذربيجان.

إيهاب عمر

باحث سياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى