القضية الفلسطينيةدول المغرب العربي

زيارة عباس إلى الجزائر.. دفع للزخم وتوطيد للعلاقات الجزائرية الفلسطينية

للمرة الأولى منذ توليه منصبه، قام الرئيس الفلسطيني “محمود عباس” بزيارة الجزائر في زيارة رسمية تستمر ثلاثة أيام؛ لبحث التحضيرات للقمة العربية المقررة بالجزائر في مارس القادم، والتنسيق لوضع القضية الفلسطينية على رأس أولوياتها. وتأتي الزيارة في إطار التحركات الفلسطينية المكثفة لحشد الدعم الإقليمي والدولي للقضية الفلسطينية، حيث قام الرئيس الفلسطيني بتلك الزيارة بعد أيام من قيامه بجولة خارجية شملت كلًا من روسيا وقطر وإيطاليا والفاتيكان؛ بهدف وضع حد لممارسات إسرائيل في الأراضي الفلسطينية. 

وتأتي الزيارة كذلك في توقيت شديد الأهمية، حيث تسعى الجزائر لتقديم الدعم والمساندة للقضايا الرئيسية في المنطقة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، التي لطالما تبنت موقفًا ثابتًا تجاهها، وهو الموقف الذي خطّ أساسه الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين بمقولته: “نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة”.

فلطالما آمنت الجزائر أن القضية الفلسطينية هي أساس الاستقرار في المنطقة ككل، وبعد تولي تبون رئاسة الجزائر في 2019، أكد أن القضية الفلسطينية هي أم القضايا في الشرق الأوسط وجوهرها، واستبعد أن تكون هناك أي حلول في المنطقة دون حل هذه القضية من خلال الإعلان عن فلسطين دولة مستقلة وفق حدود 67 وعاصمتها القدس الشريف. 

لذلك فإن أهمية الزيارة تنبع من كونها تأتي في ظل العديد من التطورات الإقليمية، فضلًا عن استضافتها للقمة العربية في مارس المقبل واستعدادها لعضوية مجلس الأمن الدولي عام 2024-2025. لذلك، يرجح أن تأخذ العلاقات الجزائرية الفلسطينية منحنى الصعود خلال الفترة القادمة بما يصب في صالح القضية الفلسطينية.

تفاصيل المباحثات

خلال الزيارة، قام الرئيس الفلسطيني بإطلاع نظيره الجزائري على آخر التطورات السياسية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، وممارسات الاحتلال التي تقوض فرص السلام وحل الدولتين. وأكد عباس أن القضية الفلسطينية تمر بتحديات غير مسبوقة، في ظل تعنت الحكومة الإسرائيلية وإعلان رئيسها “نفتالي بينيت” أنه لا يؤمن بحل الدولتين، وسعيه إلى تعميق الاستيطان والاحتلال، وخنق الاقتصاد الفلسطيني وسرقة أراضي الفلسطينيين والموارد الطبيعية والمالية الفلسطينية. 

وأعلن الرئيس الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون عن تقديم الجزائر “مساهمة مالية” للفلسطينيين في إطار الجامعة العربية بقيمة 100 مليون دولار، بحسب ما جاء في بيان للرئاسة الجزائرية. وأشار تبون خلال مؤتمر صحفي مع محمود عباس إلى أن القرار جاء “وفاءً لتاريخِ الجزائر الثوري والالتزام الثابت للشعب الجزائري برمته، بمساندة القضية الفلسطينية العادلة في كل الظروف”. وأضاف: “لا شكَ أن بلورةَ موقف موحد ومشترك حول دعمِ حقوقِ الشعب الفلسطيني عبر إعادة التمسك الجماعي بمبادرة السلامِ العربية لعام 2002، سيكون له الأثرُ البالغُ في إنجاح أعمالِ هذه القمة العربية القادم”. أيضًا، اتفق الرئيسان الفلسطيني والجزائري على استضافة الجزائر ندوة جامعة للفصائل الفلسطينية قريبًا، بالإضافة إلى تخصيص 300 منحة دراسية لفائدة الطلبة الفلسطينيين.

وفي بيان مشترك تم إصداره في أعقاب القمة، أكد الرئيسان الجزائري عبد المجيد تبون والفلسطيني محمود عباس تطلعهما إلى أن تكون القمة العربية في مارس المقبل قمة موحدة وجامعة تهدف إلى لم الشمل العربي وتوحيد الصف حول القضايا المصيرية للأمة العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية، ورفع التحديات التي تواجه الشعوب العربية خاصة في هذه الظروف الحساسة والمحملة بالمخاطر والتهديدات.

وأوضح البيان، أن الرئيسين أجريا محادثات معمقة على انفراد توسعت بعدها إلى الوفدين، تناولت مجمل القضايا العربية والدولية التي تهم البلدين الشقيقين وعلى رأسها القضية الفلسطينية، حيث أكد الرئيس تبون على تضامن الجزائر الحازم مع الشعب الفلسطيني ودعمها الكامل لحقوقه المشروعة وعلى رأسها الحق الثابت غير القابل للتصرف في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. وذكر البيان أن القضية الفلسطينية مسألة تهم كافة الشعوب العربية والإسلامية والمحبة للسلام والعدل وتخاطب الضمير الإنساني الحي لنصرة الشعب الفلسطيني. كما شجب الممارسات القمعية التي تمارسها إسرائيل ضد أبناء فلسطين.

بدوره، أثنى الرئيس عباس على المواقف الجزائرية الداعمة للقضية الفلسطينية في المحافل العربية والإفريقية والدولية وبخاصة تصديها لمحاولات إسرائيل الأخيرة اختراق الاتحاد الإفريقي بمساعدة بعض الدول الحليفة لها، مستعرضًا الانتهاكات التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني من قبل قوات الاحتلال. وتناول الرئيسان مسألة الوحدة الوطنية الفلسطينية، واتفقا على ضرورتها وإنجازها في أقرب وقت.

وبحسب البيان، أبدت الجزائر استعدادها لاحتضان مؤتمر جامع لمختلف الفصائل الفلسطينية لتجسيد هذا الهدف النبيل وتوحيد الصف الفلسطيني تحت راية منظمة التحرير الفلسطينية. وثمّن الرئيس محمود عباس عاليًا هذه المبادرة التي تشكل استمرارية لمبادرات مماثلة تقدمت بها الجزائر وأفضت إلى قرارات فلسطينية مصيرية على غرار إنشاء دولة فلسطين المستقلة في نوفمبر 1988 بالجزائر العاصمة.

وفيما يتعلق بالتعاون بين الشعبين الشقيقين، اتفق الرئيسان على تكثيفه والرفع من مستواه، وتوجه أبو مازن بالشكر لتبون على قراره تقديم مساعدة مالية بمبلغ 100 مليون دولار لفلسطين والرفع من عدد المنح المقدمة للطلبة الفلسطينيين لتصل إلى 300 منحة. وكلف الرئيسان وزيري الخارجية في البلدين بمتابعة موضوع إنشاء لجنة مشتركة. وخلال الزيارة، قام الرئيس تبون بتقليد الرئيس عباس بوسام “أصدقاء الثورة الجزائرية”، فيما قام عباس بتقليد تبون بــ”القلادة الكبرى لدولة فلسطين”، وهي أرفع وسام فلسطيني.

دلالات توقيت الزيارة

تتجسد أهمية الزيارة في كونها تأتي في إطار تحضيرات الجزائر لاستضافتها للقمة العربية في شهر مارس المقبل، وهو ما ‏يستدعي التنسيق مع الجانب الفلسطيني لوضع القضية الفلسطينية على أولوية أجندة القمة ولكون القمة فرصة لاستعادة زخم ‏مبادرة السلام العربية. ويأمل كلا الجانبين أن تشكل القمة محطة لتوحيد المواقف العربية تجاه القضية الفلسطينية‏، وتأتي في وقت تمر فيه القضية الفلسطينية بتحديات غير مسبوقة، في ظل تعنت الحكومة الإسرائيلية وإعلان رئيسها “نفتالي ‏بينيت” أنه لا يؤمن بحل الدولتين، وسعيه لتعميق الاستيطان والاحتلال، وقد أكد على ذلك الرئيس الفلسطيني خلال زيارته.‏

من جانب آخر، ترتبط الزيارة بمساعي الجانب الفلسطيني لتعزيز الحشد الدولي للقضية من خلال من عضوية الجزائر في مجلس ‏الأمن الدولي في عامي 2024-2025، خاصة مع ما تحظى به العضوية من دعم عربي وأفريقي، خاصة مع تركيز الجزائر من ‏خلال عضويتها على دعم السلم والأمن الدوليين. فضلًا عن ذلك، تأخذ زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى الجزائر حيزًا ‏واسعًا من الاهتمام الدولي، نظرًا لتزامنها مع تفاقم التوتر في العلاقات الجزائرية المغربية جراء التقارب العسكري ‏بين ‏الرباط وتل أبيب.‏

من جانب آخر، تبدي الجزائر اهتمامًا كبيرًا بالقضية الفلسطينية، وقد ظهر ذلك من خلال قيام الرئيس الجزائري بدعوة جميع رؤساء البعثات الدبلوماسية المعتمدين لدى الجزائر لحفل استقبال الرئيس الفلسطيني، في خطوة تحمل دلالات بمدى أهمية تلك القضية للجزائر.

سياق الزيارة ومحددات العلاقات الجزائرية الفلسطينية

خلال الفترة الأخيرة، أظهرت التصريحات المختلفة للمسؤولين الجزائريين وعلى رأسهم الرئيس الجزائري، ثبات موقف الجزائر من القضايا العادلة بالمنطقة وخاصة القضية الفلسطينية التي تساندها وتبدي دعمها لها في كل المناسبات الدولية، معتبرة إياها بأنها أم القضايا نظرًا لقدسيتها من جهة ولأنها من القضايا الجوهرية التي ينبغي للمجتمع الدولي الانتفاض من أجلها، على اعتبار أنها مفتاح الحل لكل قضايا النزاعات التي تعرفها منطقة االشرق الأوسط. وجدير بالذكر أن زيارة الرئيس الفلسطيني للجزائر تأتي في سياق العديد من التطورات التي ترتبط بإجرائها في الوقت الراهن وتؤثر تأثيرًا مباشرًا على العلاقات الفلسطينية الجزائرية.

فمن جانب، يشكل احتضان الجزائر للقمة العربية في مارس المقبل، عاملًا رئيسًا لإجراء الزيارة، حيث من المقرر أن تتناول القمة الموقف العربي من القضية الفلسطينية وكذا إصلاح الجامعة العربية. وكذا، تعد بمثابة الفرصة الأخيرة، لاستعادة زخم مبادرة السلام العربية، التي أطلقها الملك السعودي الراحل “عبد الله بن عبد العزيز” عام 2002، حيث وضعت المبادرة شروطًا لحل القضية الفلسطينية لا تختلف حولها الدول العربية من ناحية الشكل مقابل السلام مع إسرائيل. ويعول على القمة المقبلة أيضًا أن تكون محطة لتوحيد المواقف العربية تجاه القضية الفلسطينية ولدعم نضال الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي.

من جانب آخر، تأتي زيارة الرئيس الفلسطيني بعد أقل من أسبوعين من زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي “بيني جانتس” إلى المغرب، والتي شهدت توقيع الدولتين اتفاقًا غير مسبوق للتعاون الأمني، في خطوة أثارت غضب الفلسطينيين والجزائريين. وقد اعتبرت الجزائر، التي قطعت علاقاتها مع المملكة المغربية منذ أغسطس الماضي، أنها هي المستهدفة بزيارة الوزير الإسرائيلي، وتخشى الجزائر من تغلغل إسرائيل في المنطقة بصورة أكبر وتتخوف من تأثير التقارب مع المغرب على أمنها القومي في ظل ما تشهده من مخاطر بسبب استمرار الأزمة الليبية على حدودها.

ختامًا، فالعلاقات الفلسطينية الجزائرية مبنية على ثوابت ساهمت في تبادل الثقة بين الجانبين، وعلى مدار عقود، لم تتوان الجزائر عن مواقفها الداعمة للفلسطينيين والرافضة للممارسات الإسرائيلية التي تنتهك كافة المواثيق والأعراف الدولية. وعلى الأرجح، ستشهد الفترة المقبلة مزيدًا من التقارب الفلسطيني الجزائري الذي قد يتزامن معه تقديم المزيد من الدعم للقضية الفلسطينية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى