الاقتصاد المصري

تطوير مجمع التحرير: دلالات متعددة

مجمع التحرير.. مكان ومكانة 

مجمع التحرير هو ذلك المبنى العملاق الذي يقبع في قلب القاهرة أمام المتحف المصري القديم في وسط الميدان الأشهر عالميًا في مصر “ميدان التحرير”، صمم ذلك المبنى العملاق المعماري المصري الدكتور المهندس محمد كمال إسماعيل في عام 1948 وتم الانتهاء من بناءه في عام 1951، وقد استوحى تصميمه من الطراز المعماري الحديث الذي يعتمد على الأشكال الهندسية الخالية من الزخارف الخارجية، ذلك الطراز المعماري الفريد ليس جديدًا على المهندس محمد كامل إسماعيل فهو نفس العقل المصمم لدار القضاء العالي، والمشرف على التوسعات التي تمت في الحرمين الشريفين بتكليف من خادم الحرمين الراحل الملك فهد بن عبد العزيز.

تم إنشاء مجمع التحرير منذ 70 عامًا تقريبًا بموجب تكليف ملكي كأول مبنى إداري يضم دواوين الحكومة المصرية بالكامل وحمل اسم “مجمع الحكومة” في ذلك الوقت، تغير اسمه لاحقًا لمجمع التحرير، يبلغ ارتفاع المبنى 13 طابقًا عن الأرض بمساحة بنائية 58 ألف متر مربع ويحتوي على 1356 غرفة وفقًا للوضع الحالي للمبنى، وهو مقر لقرابة 30 ألف من موظفي الحكومة في الوقت الحالي، ويتردد عليه يوميًا أكثر من 100 ألف مواطن لقضاء مصالحهم الحكومية. 

يوثق ذلك المبنى الذي يتخذ من نصف دائرة شكلًا له حقبة تاريخية تعد جزءًا من التراث، ويأتي الارتباط الثقافي الوثيق بين مجمع التحرير وبين المصريين في كون أنه لا يوجد تقريبًا مصري لم يذهب في حياته ولو مرة على الأقل لإنهاء بعض الأوراق في ذلك الكيان البيروقراطي العملاق، وانطلاقا من أهميته ظهر المبنى عدة مرات في عدد من الأفلام السنيمائية الشهيرة نظرًا لأن المبنى يحمل دلالات اجتماعية وسياسية كبيرة ترتبط بذهن المصريين. 

أما عن مكان المجمع فإنه يقع في قلب القاهرة في أشهر ميادين مصر “ميدان التحرير” الذي شهد أحد أهم الأحداث التي مرت بها مصر في تاريخها الحديث في عام 2011، وكان محط أنظار للمتابعين والمهتمين بالشأن المصري، يطل ذلك المبنى على المتحف المصري القديم ويحيط به عدد من سلاسل الفنادق المشهورة وبالقرب من النيل، وهو ما يجعل تحويله الي فندق أمر مُحتمل، خاصة أن تحويله إلى فندق لن يتسبب في أزمة كبيرة مثل التي كان يسببها في الماضي عندما كان مقرًا لعشرات الجهات الحكومية وقرابة 30 ألف موظف ويقدم خدماته لحوالي 30 ألف مواطن سنويًا. لكن تحويله إلى فندق ليس بتلك السهولة، حيث أن تصميم الفنادق يختلف كليًا عن تصميم مبنى إداري من حيث البنية الهندسية له حيث تحتوي كل غرفة على خدمات مثل دورات المياه وهو ما يجعل من تطويره أمرًا ليس سهلا بل ومكلف أيضًا.

تطوير مأمول

أعلن مجلس الوزراء المصري، أن صندوق مصر السيادي قد اختار تحالف أمريكي مكون من ثلاث شركات (مجموعة جلوبال فينشرز، ومجموعة أوكسفورد كابيتال، وشركة العتيبة للاستثمار) لإسناد عملية تطوير مجمع التحرير لهم، وتم اختيارهم وفقا للعروض الفنية والمالية وبعد التحقق من خبرات الشركات التي فازت بتلك الصفقة، حيث تم طرح المشروع الذي استهدف جذب المستثمرين من جميع أنحاء العالم ثم تصفيتهم إلى ثلاثة تحالفات ليفوز التحالف الأمريكي بأفضل عرض فني ومالي بالإضافة إلى خبرة فنية في الحفاظ على أثرية المشروعات التي يتم تطويرها تمتد لتشمل الولايات المتحدة الامريكية وعدد من الدول بالقارة الأوروبية.

تشمل سابقة أعمال مجموعة جلوبال فينشرز مجمع مالدون كورت، وبيكون بارك التاريخين، أما عن شركة أوكسفورد كابيتال فهي تعد أحد أكبر المجموعات المتخصصة في تطوير وإدارة الفنادق ذات الطابع التاريخي وتشتمل سابقة أعمالها على فندق كينج جورج بكاليفورنيا، ولندن هاوس ورينساس بشيكاغو، أما شركة العتيبة فهي شركة متخصصة في تعزيز الاستثمارات في مختلف القطاعات من خلال عقد نماذج شراكات ناجحة وخلف حلول تنموية رائدة، تبلغ الاستثمارات الإجمالية المزمع ضخها بالمشروع أكثر من 200 مليون دولار وهو ما يقترب من 3.5 مليار جنيه مصري من خلال التحالف الفائز.

نموذج الشراكة مع الصندوق السيادي هو الميزة الأهم في المشروع، حيث أن النموذج المالي يشمل أن يمول ذلك التحالف استثمارات إعادة التطوير، والحصول على عقد يتيح لهم حق الانتفاع طويل الأجل بإدارة المبنى لأغراض فندقية بعد التطوير فيما يعرف باسم Adaptive Reuse، وهو مصطلح يعني إعادة الاستخدام التكيفي لمبنى ما بعد إعادة تهيئته للاستخدام الجديد ليكون قادر على تلبية الوظائف الجديدة التي عادة ما تختلف عن تلك التي كان يتم القيام بها سابقًا. 

ويأتي ذلك الاتفاق ليكون أحد الطرق التي يتبناها صندوق مصر السيادي لجذب الاستثمار الأجنبي لمصر، مع الحفاظ على تاريخية وعراقة مجمع التحرير الأثري وجذب شريحة من السائحين التي تهتم بالإقامة في مثل ذلك النوع من المباني التي عادة ما يتم تسميتها Design lifestyle Hotel، ومن ثم فإن مجمع التحرير بعد التطوير سيكون مبنى متعدد الاستخدامات، فندقي، تجاري، إداري وخدمي.

مكاسب مصرية متعددة

لكننا نري أن الفوائد التي تجنيها مصر أكبر بكثير من الحفاظ على عراقة المبنى وجذب استثمارات أجنبية مباشرة، حيث أنه عقب طرح المشروع تهافتت كبرى الكيانات المحلية والعالمية للتقدم والحصول على المشروع للدخول الي السوق المصري، يأتي ذلك الإقبال الكبير على الرغم من الظروف السيئة التي يمر بها الاقتصاد العالمي، وهو ما يعكس ثقة دولية في مناخ الاستثمار المصري وخطط واضحة من جانب صندوق مصر السيادي ليكون أحد البوابات المصرية لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر بما يحقق التنمية المستدامة، ويقرب مصر خطوة أخرى نحو تحقيق أهداف رؤية واستراتيجية مصر 2030.

نتوقع ألا يكون تطوير مجمع التحرير هو المشروع الأخير للصندوق السيادي المصري، حيث أنه النموذج الأول والأقرب إلى وجدان المواطن المصري نظرًا لمكانة ومكان مجمع التحرير، لكن من المحتمل أن تشهد قلب القاهرة مشروعات شراكة أخرى وتغير جذري في المباني واستخداماتها، خاصة بعد نقل موقع عمل الحكومة لتمارس عملها من المدينة الجديدة الأكثر ذكاء، من قلب العاصمة الإدارية الجديدة، لتترك المباني الحالية في قلب العاصمة التاريخية كرموز تعبر عن التراث الحضاري لمصر، والعاصمة الإدارية لتكون النموذج المستقبلي الذكي للدولة المصرية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى