مصر

“البصمة المصرية”.. العلامة المميزة لمشاريع الدول الصديقة

تؤمن الحكومة المصرية بأهمية انتهاز الفرص وخاصة عندما تكون قابعة في القارة السمراء تنتظر من يشير إليها، وهذا ما نراه اليوم، عندما تحققت الفرصة على أرض الواقع ونجحت بالعمل يدًا بيد، وبالتعاون الكامل بين “مصر وتنزانيا”، ليتم افتتاح أكبر سد مصري في الأراضي التنزانية “سد جوليوس نيريري”، في إشارة قوية على مدى عمق العلاقات والتعاون والصداقة بين البلدين، ودلالة على دعم مصر حقوق الدول الأفريقية ودول حوض النيل في تحقيق الاستغلال الأمثل لمواردها المائية، بما لا يؤثر سلبًا على حقوق الآخرين.

مشروع قومي اقتصادي لخدمة الشعب التنزاني

سد “جوليوس نيريري” في تنزانيا، هو المشروع القومي الأهم لأبناء الشعب التنزاني، يتم من خلاله توليد الطاقة الكهرومائية للبلاد بسعة تخزينية تصل إلى 34 مليار متر مكعب داخل بحيرة مستحدثة، يقع في نطاق محمية غابة “سيلوس” داخل مقاطعة “موروجورو”، على بعد 200 كيلو متر جنوب غرب مدينة دار السلام، العاصمة التجارية وأكبر المدن في تنزانيا، تم وضع حجر الأساس لهذا السد في 27 يوليو عام 2019، ويقوم بتنفيذه العملاقان المصريان” المقاولون العرب” و “السويدي إليكتريك” ضمن اتفاقية بين حكومتي مصر وتنزانيا بتكلفة 2.9 مليار دولار.

السد التنزاني تم بناؤه على مساحة تبلغ نحو 1200 كيلو متر مربع ويبلغ متوسط التدفق السنوي نحو 28 مليار متر مكعب، ومن المخطط أن ينتج السد كهرباء بطاقة سنوية تقدر بنحو ستة ملايين كيلو وات ساعة من محطة توليد الطاقة النظيفة بقدرة 2115 ميجا وات وتقع عند سد “جوليوس نيريري” على جانب نهر روفيجي، وستكون هذه المحطة هي الأكبر في تنزانيا بطاقة كهربائية 6307 آلاف ميجا وات / ساعة سنويًا، وسيتم نقل الطاقة عبر خطوط نقل الكهرباء بجهد 400 كيلو فولت إلى محطة ربط كهربائية فرعية، لييتم دمج الطاقة الكهربائية المتولدة مع شبكة الكهرباء العمومية بتنزانيا.

ولم يقتصر المشروع على الاستفادة الكهربائية وحسب، بل امتد ليشمل إنشاء 4 سدود تكميلية لتكوين الخزان المائي، سدين مؤقتين أمام وخلف السد الرئيسي لعمل “التجفيف والتحويل” أثناء تنفيذ السد الرئيسي، بالإضافة إلى مفيض للمياه بمنتصف السد، ومفيض طوارئ ونفق بطول 660 متر لتحويل مياه النيل، و3 أنفاق لمرور المياه اللازمة لمحطة الكهرباء، وكوبري خرساني دائم، و2 كوبري مؤقت على نهر روفيجى، وسيتم خدمة منطقة المشروع بإنشاء طرق مؤقتة وطرق دائمة لتسهيل الحركة، وربط مكونات المشروع ومعسكرات دائمة ومؤقتة، وبالطبع كل هذا مع متابعة الالتزام بالإجراءات الوقائية والاحترازية لحماية وضمان صحة وسلامة العاملين بالمشروع. والمكونات الرئيسية لمشروع سد جوليوس نيريري هي:

  • السد الرئيسي بالمشروع بطول 1025 مترًا عند القمة بارتفاع 131 مترًا، وسعة تخزينية حوالي 34 مليار متر مكعب، وبه 7 مخارج للمياه.
  • أعمال المأخذ وأنفاق المياه المؤدية إلى مبنى التوربينات.
  • محطة التوليد الكهرومائية ومحطة ربط للكهرباء.
  • كوبري خرساني دائم على نهر روفيجى.
  • بالإضافة إلى نفق تحويل مسار النهر بطول 703 أمتار، وعرض 12 مترًا وارتفاع 17 مترًا.

ويهدف المشروع أيضًا بجانب توليد الطاقة التي ستكفي حوالي 17 مليون أسرة تنزانية إلى:

  • أن يتم السيطرة على فيضان نهر روفيجي والحفاظ على البيئة من مخاطر السيول والمستنقعات.
  • ضمان توفر المياه بشكل دائم على مدار العام لأغراض الزراعة.
  •  الحفاظ على الحياة البرية المحيطة في واحدة من أكبر الغابات في قارة أفريقيا والعالم.
  •  مساعدة تنزانيا في التحول نحو التصنيع، وبالتالي تعزيز الاقتصاد التنزاني وتحسين معيشة المواطنين، فالسد بالنسبة لتنزانيا المشروع القومي الأهم.
  • توفير فرص عمل للتنزانيين، وفرص عمل للعمال المصريين والأجانب من الدول الأخرى.

ملحمة مصرية على الأراضي التنزانية

تهتم القيادة السياسية المصرية وتتابع عن قرب المشروعات القومية الأفريقية وتحرص أن يتم تنفيذها بأيادٍ مصرية، ويأتي هذا الاهتمام الشديد بتوجيهات مستمرة من سيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي يحرص أن يبذل التحالف المصري قصارى جهده لتحقيق حلم الأشقاء للدولة المصرية، وعن سد “جوليوس نيريري” الحلم الذي يتمنى الأشقاء التنزانيين تحقيقه منذ سنوات، فقد اهتم رئيس الوزراء بزيارة موقع المشروع للتأكد من سير العمل على أعلى جودة، ووفقًا لأعلى المعايير الإنشائية العالمية لتعود بمصر إلى أحضان القارة الأفريقية.

وفي فرصة ثمينة أمام الشركات المصرية لإثبات نفسها والتوسع بشكل أكبر في قطاعي المقاولات الطاقة داخل الأسواق الأفريقية، حتى يتم التأكيد على قدرة وإمكانيات الموارد المصرية داخل مصر وخارجها، تم توقيع عقد تنفيذ مشروع “سد جوليوس نيريري” عام 2018، في دار السلام بتنزانيا، بحضور رئيس جمهورية تنزانيا الاتحادية آنذاك “ماجوفولي” ورئيس مجلس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، بتنفيذ التحالف المصري المكون من شركتي المقاولون العرب والسويدي إليكتريك.

إذ ستقوم شركة المقاولون العرب بتنفيذ الأعمال الإنشائية بنسبة 55%، وستقوم شركة السويدى إليكتريك بتنفيذ الأعمال الكهربائية للسد بنسبة 45%، على أن تعمل الشركتان تحت إشراف الهيئة الهندسية للقوات المسلحة في إطار ائتلاف موحد متكامل لإدارة المشروع وبمسئولية مشتركة، وبلغ قيمة العقد 2.9 مليار دولار، وتم إسناد هذا العقد بعد مناقصة دولية طرحتها وزارة الطاقة التنزانية عام 2017 وتنافست عليها كبرى شركات العالم الصينية، والتركية، والبرازيلية، واللبنانية ليفوز بها العملاقان المصريان.

وغطى هذا العقد جميع الأعمال الهندسية والمدنية، بالإضافة إلى جميع المعدات الهيدروليكية والميكانيكية والكهروميكانيكية والكهربائية، كما يشمل المشروع بناء سد ثقيل «Gravity Dam» باستخدام الخرسانة المدموك«RCC»، وشهد المشروع أعمال تفجيرات للصخور وحفر بها بلغت كميتها 2.5 مليون متر مكعب وتم صب 50 ألف متر مكعب خرسانة لمبنى الباور هاوس.

واعتمد الشعب التنزاني على الائتلاف المصري القوي، وعلى القيادة المصرية العظيمة التي تعهدت والتزمت بتحقيق التنمية المستدامة بتوسع مشاريعها في أفريقيا القارة الأم، وبالتأكيد لم يتخيل التنزانيون أن مصر بها شركات قادرة على تقديم هذا العمل بإتقان، ولكن مصر وأبناءها كانوا على قدر كبير من المسؤولية والالتزام.

كما حرص الدكتور عاصم الجزار، وزير الإسكان والمرافق العمرانية، والوفد المصري المرافق له، أمس الثلاثاء، على تفقد سير العمل لمشروع سد” جوليوس نيريري”، مؤكدًا حرص الرئيس عبد الفتاح السيسي وتوليته الاهتمام الخاص بهذا المشروع لإنجازه في أقل وقت ممكن، وتم استقبال الوفد المصري بحضور وزير الطاقة التنزاني، جانيورى ماكامبا، وبفرق الاحتفالات الشعبية التي أدت الأغنيات والرقصات المحلية، احتفالًا بقدوم المسؤولين المصريين إلى موقع السد، لمتابعة تنفيذ هذا المشروع التنزاني القومي الضخم.

وأعرب وزير الطاقة التنزاني عن سعادته لقيام الوفد المصري بزيارة موقع السد، وفخره بالمشروع الذي جعلته الأيادي المصرية حقيقة ممكنة، وتقديره للقيادة السياسية في البلدين على التزامهم بسرعة تنفيذ المشروع واعتباره أولوية قصوى بالنسبة لهما، وهو ما يحمل رسالة طمأنينة من الشعب المصري للشعب التنزاني، مفادها أن أي تحديات قد تواجهنا سوف ننجح في تخطيها.

“مجمع السويدي الصناعي”… المزيد من التوسع والانتشار

انعقد يوم الأحد الماضي بمدينة دار السلام أكبر المدن التنزانية، منتدى الأعمال المصري التنزاني، وأكد وزير الاستثمار التنزاني” جيفري مومبي” من خلاله، أن تنزانيا لديها فرص واعدة في مجال تصنيع الكابلات الكهربائية والعدادات الإلكترونية، وأن شركة السويدي قامت بإنشاء عدد من المصانع لهذا الغرض، كما نوه بأن بلاده تتمتع بفرص واعدة للاستثمار في مجالات مختلفة، أبرزها قطاعات: الزراعة، والتصنيع الزراعي، والطاقة المتجددة من الشمس والرياح، واستخراج الغاز الطبيعي، وإنتاج الأسمدة، موضحًا أنه يمكن للمصريين الاستفادة من الموقع المهم لتنزانيا وسط مجموعة كبيرة من الدول الأفريقية، تضم ملايين السكان.

من ناحيته، أكد أحمد السويدي، الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لمجموعة “السويدي إليكتريك”، أن الحكومة التنزانية تعمل مع المستثمرين المصريين على قدم وساق من أجل إتاحة بيئة ملائمة للاستثمار، بالإضافة أن “مجمع السويدي الصناعي” في تنزانيا هو الأكبر والأول من نوعه للشركة خارج مصر، وسيتمكن من خلاله خدمة الدول الثمانية المجاورة لتنزانيا في مجالات التصنيع والصادرات وتطوير العمالة وتحسين مهاراتهم بكل ما يخدم المستثمرين. 

وفي يوم الاثنين 7 ديسمبر، قامت رئيسة تنزانيا، سامية حسن، بمشاركة الوفد المصري بافتتاح ” مجمع السويدي الصناعي” ووضع حجر الأساس لـ “المدينة الصناعية المصرية EIC” في منطقة “كيجامبوني” على حدود مدينة دار السلام.

 وكان على رأس الوفد المصري الدكتور عاصم الجزار وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، والمستشار محمد عبدالوهاب رئيس الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة، والسفير محمد جابر أبو الوفا سفير مصر في تنزانيا، واللواء محمد عصام مساعد وزير الإسكان، واللواء محمود نصار رئيس الجهاز المركزي للتعمير ورئيس لجنة متابعة مشروع سد “جوليوس نيريرى”، والمهندس أحمد السويدي الرئيس التنفيذي والعضو المنتدب لمجموعة “السويدي إليكتريك”، وممثلي تحالف “المقاولون العرب – السويدي” المنفذ لسد ومحطة “جوليوس نيريري” ونحو خمسين من كبار المستثمرين ورجال الأعمال والصناعة المصريين.

 كما حضر الاحتفال من الحكومة التنزانية، وزراء الشؤون الخارجية والتعاون الدولي والاستثمار والتجارة والصناعة ونائب وزير الطاقة، وعدد كبير من مسؤولي المقاطعات المحلية، وممثلي البرلمان والقيادات الدينية.  

ونقلت الرئيسة التنزانية تحياتها وتقديرها للرئيس عبد الفتاح السيسي، وشكرها لتوجيهاته الدائمة من أجل تعزيز فرص التعاون بين البلدين، وتوجهت بالشكر لممثلي الشركات المصرية الذين حرصوا على زيارة تنزانيا وحضور هذا الافتتاح الضخم لاستكشاف الفرص وضخ الاستثمارات جديدة في شرايين الاقتصاد التنزاني، واعتبار هذا الأمر كواجب وطني واعدةً إياهم بتذليل أي عقبات من الممكن أن تواجههم فيما يتعلق بتسهيل الإجراءات والتراخيص وإتاحة الأراضي، مطمئنةً رجال الأعمال على استثماراتهم في تنزانيا، مؤكدةً أن بابها مفتوح لهم حال مواجهة أية صعوبات.

“مجمع السويدي الصناعي”، مجمع يقع على مساحة تتجاوز120 ألف متر مربع، يضم عدة مصانع للكابلات والأسلاك والمحولات والعدادات، وأيضاً مادة البولي فينيل كلورايد ” PVC”، بالإضافة إلى مركز لوجستي مبني على مساحة 4800 متر مربع.

ويعمل هذا المجمع على إنتاج الحلول والمعدات اللازمة لإنجاح استراتيجية التصنيع في تنزانيا بحلول 2025، كما يتعهد بخلق أكثر من 50 ألف فرصة عمل للشباب الموهوبين والمهندسين والتقنيين في المرحلة الأولى التي تشمل مصنع الكابلات والأسلاك، كما تحرص الشركة على النهوض بمسؤوليتها الاجتماعية أيضًا من خلال العمل على تنمية المجتمع ونقل الخبرات وتدريب الكوادر التنزانية، ليتم نقل الخبرات المصرية إلى إفريقيا والعالم كله.

“مشروع المدينة الصناعية المصرية EIC”، يقع في منطقة “كيجامبوني Kigamboni “على حدود مدينة دار السلام والتي تبلغ مساحتها 2.2 مليون متر مربع، وهي منطقة صناعية من المتوقع أن تستوعب الصناعات كثيفة العمالة بداية من الأدوية، مرورًا بالسيارات، إلى المنسوجات والصناعات الزراعية، وتعمل على استهداف استثمارات تتجاوز 400 مليون دولار من 4100 مستثمر في جميع أنحاء المنطقة.

ختامًا، أثبتت تجربة بناء سد “جوليوس نيريري” على أن شركات المقاولات المصرية قادرة على تنفيذ أكبر المشروعات التنموية وأنه أينما وجدت الطاقة وجدت التنمية، وأن ما حدث من إنجاز مصري في تنزانيا يشير إلى أن علاقة مصر بالقارة السمراء تشهد طفرة غير مسبوقة تشير إلى عودة القاهرة إلى ريادتها الأفريقية بعد سنوات من النسيان. 

مي صلاح

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى