مصر

المونوريل وتحقيق النقل المستدام

شهد قطاع النقل في مصر مجموعة من المشروعات القومية منذ 2014. وتمثل هذه المشروعات جزءًا من الخطة الشاملة التي وضعتها وزارة النقل لتقديم خدمات مميزة للمواطنين في قطاع المواصلات والطرق والسكك الحديدية، ومن أولويات هذه الخطة كان التوسع في شبكات الطرق والكباري وتطوير وتجديد كافة عناصر منظومة السكك الحديدية، وتطوير مترو الأنفاق. لذا بدأت تتجه الدولة إلى النقل المستدام من خلال تنفيذ مشروعات نقل بمواصفات عالمية صديقة للبيئة ومستدامة، ومن أبرز هذه المشروعات “المونوريل” والذي يعد من المشروعات المهمة التي تمثل طفرة نوعية وحضارية في قطاع النقل.

خطوات جادة… للتوجه نحو النقل المستدام

بلغ عدد السكان في مصر 103 مليون نسمة ومن المتوقع أن يصل إلى 119.8 مليون نسمة بحلول عام 2030، وارتفع معدلات الهجرة من الريف إلى المناطق الحضرية، فبدأت الدولة تتجه خلال السنوات الاخيرة نحو النقل المستدام، بوصفه الحل الأمثل للدول التي تعاني من الازدحام المروري. وللنقل المستدام العديد من المميزات من أهمها توفير وسيلة تنقل سريعة وصديقة للبيئة، وتقليل الازدحام المروري. وقد قامت الدولة باتخاذ خطوات فعلية في هذا السياق، تتمثل في:

  • تحويل مركبات قطاع النقل العام إلى الغاز الطبيعى: بدأت الدولة منذ عام 2004 الاتجاه نحو تحويل المركبات قطاع النقل العام إلى الغاز الطبيعي بدلًا من البنزين والسولار، وتسعى الدولة حاليا في تحويل 2262 حافلة تابعة لهيئة النقل العام في محافظتي القاهرة والإسكندرية للعمل بالغاز الطبيعي.
  • تحويل وإحلال السيارات للعمل بالغاز الطبيعي: ويهدف المشروع إلى إحلال 250 ألف سيارة، ويتم تنفيذ المشروع على مراحل، المرحلة الأولى تستهدف 70 ألف سيارة، منها 55 ألف سيارة أجرة وملاكي و15 ألف سيارة “ميكروباص”.
  • التعاقد على أول قطار كهربائي فائق السرعة: والذي يربط بين العين السخنة على ساحل البحر الأحمر، ومدينة مطروح على ساحل البحر المتوسط. 
  • مبادرات للتشجيع على ركوب الدراجات: من أجل تحقيق النقل المستدام نفذت الدولة مبادرات للتشجيع على ركوب الدراجات، وذلك من خلال مبادرة “دراجتك.. صحتك” والتي بدأت بـ 1000 دراجة في المرحلة الأولى، وصولًا في المرحلة الثالثة إلى 7200 دراجة نتيجة الاقبال الشديد من جانب المواطنين؛ فقد تجاوز عدد المسجلين على موقع وزارة الشباب والرياضة للحصول على دراجة أكثر من 2 مليون مواطن. وكذا أطلقت محافظة القاهرة مبادرة “سكتك خضراء” بهدف تشجيع المواطنين على استخدام الدراجات كنوع من وسائل النقل.

ومن أهم الخطوات التي اتخذتها الدولة في مجال النقل المستدام هو مشروع “المونوريل” ويعد وسيلة نقل جماعي أحادي السكة، ويسير على “كمرة” خرسانية معلقة ويعمل بالكهرباء، وتلجأ إليه الدول التي تعاني من الازدحام، وكذلك بهدف تحقيق التكامل بين وسائل النقل المختلفة كمترو الأنفاق والسكك الحديدية والنقل العام.

المونوريل…يربط القاهرة بالمدن الجديدة

يعد “المونوريل” من المشروعات التي تساهم بشكل كبير في تيسير حركة نقل المواطنين، ويربط القاهرة الكبرى بالمدن الجديدة وعلى رأسها العاصمة الإدارية ومدينة السادس من أكتوبر، وبدأت الدولة في أغسطس 2019 التعاقد مع شركات مصرية وأجنبية للقيام بأعمال تصميم وإنشاء وصيانة خطي المونوريل (العاصمة الادارية- 6أكتوبر). وستقوم هذه الشركات أيضًا بتشغيل وإدارة المشروع لمدة ثلاثين عامًا من تاريخ تنفيذ المشروع.

وكان التحالف بين شركة “بومباردييه الكندية” والقائمة على نظم الإشارات والاتصالات، بالإضافة إلى توريد القطارات، وشركتي “أوراسكوم للإنشاءات والمقاولون العرب” اللتين ستنفذان الأعمال المدنية الخاصة بالمشروع، أما بالنسبة للأعمال الاستشارية والإشرافية تتولاها “شركة هيل إنترناشيونال” الأمريكية وشركة “ججي جروب” المصرية.

ومن المتوقع أن تكون تكلفة قطار المونوريل 55 مليار جنيه، وتعد هذه التكلفة مناسبة مقارنة بالمشروعات المماثلة على مستوى العالم، تتحمل الدولة 25% منها عن طريق قروض ميسرة من خلال من “جي بي مورجان” وقد حصلت على ثلاث دفعات، ويتم سدادها من إيرادات المونوريل وكذلك من الفرص الاستثمارية.

  • خط مونوريل العاصمة الادارية

يربط الخط الأول من مشروع المونوريل محافظة القاهرة بالعاصمة الإدارية، مما يساهم في تيسير حركة نقل الموظفين من القاهرة إلى العاصمة الإدارية في 60 دقيقة فقط، وذلك لتكامله مع الخط الثالث لمترو الأنفاق عند محطة “الاستاد” بمدينة نصر، ومع القطار الكهربائي بمحطة “مدينة الفنون” بالعاصمة الإدارية، وبهذا فإنه يربط شرق القاهرة والقاهرة الجديدة والعاصمة الإدارية بخط قطار معلق، ويستهدف هذا المشروع نقل 450 ألف راكب يوميًا.

ويضم المشروع 22 محطة بطول 56.5 كم والمحطات هي (الاستاد – هشام بركات – نوري خطاب – الحي السابع – ذاكر حسين – المنطقة الحرة – المشير طنطاوي – كايرو فيستيفال – الشويفات – المستشفى الجوي – حي النرجس – محمد نجيب – الجامعة الأمريكية – إعمار – ميدان النافورة – البروة – الدائري الأوسطي – محمد بن زايد – الدائري الإقليمي – فندق الماسة – حي الوزارات – العاصمة الإدارية). وبلغ إجمالي نسبة تنفيذ هذا الخط حتى الآن نحو 26.9%، وبلغت نسبة الأعمال المدنية 30% تشمل التنفيذ والتوريدات والتصميم، وبلغت نسبة تنفيذ الأعمال الكهروميكانيكية 24%.

  • خط مونوريل 6 أكتوبر

أما المشروع الثاني مونوريل 6 أكتوبر فإنه يربط مدينة 6 أكتوبر والشيخ زايد بالقاهرة والجيزة، ويتكامل “مونوريل 6 أكتوبر” مع الخط الثالث لمترو الأنفاق عند محطة “بولاق الدكرور” بالمرحلة الثالثة من الخط الثالث الجاري تنفيذها، وبالتالي فإن المشروع يخدم التوسعات الكبيرة بمدينة 6 أكتوبر، ويحقق ربطًا مباشرًا مع مشروعات التنمية التي تحدث في جنوب أكتوبر والتوسعات الجنوبية، ويتكامل أيضًا مع نهاية المرحلة الأولى من الخط الرابع لمترو الأنفاق. وتبلغ الطاقة الاستيعابية لهذا الخط 300 ألف راكب يوميًا.

ويضم المشروع 12 محطات بطول 42 كم هي (وادي النيل – الطريق الدائري – المريوطية – المنصورية – التقاطع مع طريق القاهرة / الإسكندرية الصحراوى- هايبر وان – جهينة – هيئة المجتمعات العمرانية – الحصري – دار الفؤاد – المنطقة الصناعية – القطار السريع).

ومع البدء في مشروع المونوريل، قامت الدولة باستيراد مصنع من إيطاليا، وتم إنشاء المصنع في مدينة المستقبل على مساحة 180 ألف متر، ويتكون من 15 خط إنتاج، ويتمثل دور المصنع في إنتاج “الكمرات” الخاصة بمشروع المونوريل فقط، وينتج حوالي 250 “كمرة” شهريًا، وقد تم عمل العديد من الاختبارت لهذه “الكمرات”. ويحقق هذا المصنع استفادة علمية كبيرة في مجال صناعة “الكمرات” الخاصة بالمونوريل والتي من الممكن أن تجعل لمصر دورًا قويًا في هذا المجال سواء عربيًا أو أفريقيًا، بالإضافة إلى الخبرات العلمية التي يكتسبها العاملون في المصنع.

وإلى جانب أن المونوريل يمثل نقلة نوعية وحضارية في قطاع النقل، فإن الدولة أخذت في الحسبان “ذوي الهمم” و”فاقدي السمع “، وذلك من خلال تخصيص أماكن لمساعدتهم في عملية التنقل، وكذلك تزويد العربات بخرائط أعلى أبواب الركوب من الداخل تبين المسار عن طريق لمبات مضيئة، وكذلك تركيب “Screen Doors” على الأرصفة أمام أبواب القطار للحفاظ على سلامة الركاب وتقليل الطاقة، علاوة على وجود ممرات آمنة تسمح بإنتقال الركاب بين العربات لمزيد من الراحة في ظروف التشغيل العادية وتسهيل عمليات الإخلاء في حالات الطوارئ، وأيضًا تم تزويدها بشاشات LCD لاستخدامها لتزويد الركاب بالمعلومات، والتي يمكن أيضا استخدامها في الأنشطة التجارية وذلك ببث الإعلانات التجارية مدفوعة الأجر.

الأهمية الاقتصادية والاجتماعية لمشروع المونوريل

بما أن المونوريل هو أحد وسائل النقل المستدامة، فإن له جدوى اقتصادية واجتماعية تتمثل في الآتي:

  •  ربط العاصمة الإدارية الجديدة بمحافظتى القاهرة والجيزة: مما يساعد على تقليل التزاحم وسرعة تنقل الموظفين بين المدن الجديدة؛ إذ أن مونوريل 6 أكتوبر يربط تجمعات غرب القاهرة بالمحور الخدمي ثم بميدان الحصري، وبالتالي يخدم قطاعًا كبيرًا جدا من الاحياء السكنية بهذه المنطقة، ويؤدي إلى توفير الكثير من الوقت لدى المواطنين، إذ إن التنقل من محطة الاستاد إلى العاصمة الادارية يستغرق ساعة واحدة فقط.
  • تعظيم القيمة الاستثمارية لمشروعات العاصمة الإدارية: إذ إن مشروع المونوريل يرفع من القيمة الاستثمارية للمشروعات القائمة بالعاصمة نتيجة سهولة التنقل بين محافظات القاهرة الكبرى والعاصمة. 
  •  إشراك الشركات المحلية في مشروع المونوريل: من خلال إسناد تنفيذ الأعمال المدنية وأعمال الإنشاءات وتركيب القضبان لشركات المقاولات المصرية، وهو ما يوفر الآلاف من فرص العمل للشباب خلال فترة التنفيذ والتشغيل والصيانة، وتنشيط وتنمية الصناعات المحلية المتاحة بالسوق المصري، وكذلك اكتساب العديد من الخبرات العلمية في هذا المجال.
  • إنشاء مصنع “كمرات” المونوريل: والذي يعد خطوة هامة في طريق التنمية والاستثمار، وقد يفتح للدولة المصرية خطوات في التوسع وعمل شراكات عربيًا أو أفريقيا، بجانب توفير الآلاف من فرص العمل للشباب.
  • تقليل استخدام الآلاف من السيارات الخاصة للمواطنين يوميًا: إذ سيبدأ المواطنون الاتجاه نحو المونوريل، وبالتالي يقلل استخدام السيارات الخاصة والتي يترتب عليها بشكل مباشر تقليل استهلاك الوقود، وكذلك المساهمة فيحل أزمة الازدحام المروري.
  •  تقليل الانبعاثات والتلوث البيئي: إذ إن المونوريل يعمل بالكهرباء وبالتالي يقل من التلوث البيئى، لانه يقلل الانبعاثات الناجمة عن الوقود المستخدم، بجانب أن اتجاه المواطنين للمونوريل بوصفه صديقًا للبيئة يقلل من عدد المركبات التي تعمل بالبنزين والسولار، مما يجعله خطوة في طريق مجابهة التغيرات المناخية. هذا علاوة على أن النقل المستدام عمومًا يخفض التلوث ويقلل المخاطر الصحية الناتجة عن استخدام الوقود التقليدي.

منى لطفي

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى