مصر

إرهاصات تعديل قانون «الإيجار القديم»

«قانون الإيجار القديم» قضية شائكة جديد قررت الحكومة ومجلس النواب اختراق تفاصيلها خلال الفترة الأخيرة، تلبيةً لنداءات واستغاثات الملايين من مالكي الوحدات المؤجرة على مدى عقود لإلغاء قانون رقم 136 لسنة 1981 أو تعديله، بغض النظر عما قد يتبعه من حالة احتقان بالشارع المصري، لما يمثله من تغيير وتأثير على مأوى أكثر من مليون أسرة بأرجاء الدولة. 

الإيجار القديم

نظم العلاقة الإيجارية بين المالك والمستأجر في مصر حوالي 15 قانونًا خلال القرن الأخير، فكانت البداية من عام 1920م، وكان ينص على عدم جواز إخراج المالك للمستأجر إلا بحكم محكمة. ثم جاء قانون عام 1941م خلال فترة الحرب العالمية الثانية، ليمنع المالك من رفع قيمة الإيجار أو طرد المستأجر. وبعد ثورة 23 يوليو 1952م، صدرت العديد من القوانين التي تلزم المالك بخفض قيمة الإيجار نظرًا لاتباع سياسات جديدة للدولة، ثم جاء قانون رقم 49 لعام 1977م وألغى جميع قوانين الإيجار السابقة واستحدث أحكام جديدة منها تنظيم إيجار الأماكن المفروشة. 

إلى أن صدر قانون رقم 136 لسنة 1981م – وكان الأول من نوعه حينها- في تحديد بعض ضوابط العلاقة بين المالك والمستأجر، خاصة فيما يخص قيمة الإيجار للوحدات السكنية بألا تزيد على 7% من قيمة الأرض والمباني (وفقًا للمادة الأولى)، كذلك اشتراك المالك مع المستأجر في صيانة وترميم المبنى. 

وتوالت القوانين والتعديلات والقرارات ومن أبرزها قانون الإيجار الجديد، والذي لم يحل هذه المشكلة بل عقدها، لأنه لم يجبر أصحاب الشقق المغلقة على الاستفادة منها وإفادة من يحتاج إلى وحدات سكنية، الأمر الذي يعد إهدارًا للثروة العقارية والتي يمكن ‏أن تدر دخلًا إلى خزينة الدولة، خاصة تلك المتواجدة بالأماكن الحيوية مثل منطقة وسط البلد، وبالتالي كل هذا أدى إلى صراع بين المالك والمستأجر، وكل طرف متمسك بوجهة نظره. ومازالت حتى الآن المشكلة قائمة بوجود عقارات مؤجرة ومازالت تؤجَر بعقود قديمة (بمدة تتجاوز 50 سنة أو لمدى الحياة وفقًا لبعض العقود) تخضع لتلك القوانين السابقة، ولا يتدارك المالك أو ورثته حجم الأزمة إلا بعد فوات الأوان. 

فقد أصبح قانون الإيجار القديم مثار حنق ملايين من مالكي الوحدات المؤجرة بنظام الإيجار القديم – أو ورثتهم- والذين يصفون أنفسهم بأنهم (مُلاك على الورق فقط)؛ فالقانون يعطي المستأجر الحق في المكوث والبقاء في الوحدة ما شاء من العمر، ثم يورثها لأبنائه من بعده وهكذا تصبح شبه ملكية له مقابل دفع مبلغ بسيط يساوي بضعة جنيهات لا تتناسب مع الوضع الاقتصادي الحالي. ولمحاولة استرداد الوحدة مرة أخرى يقوم بعض المستأجرين بمساومة الملاك على الخروج من العقار مقابل مبالغ مالية ضخمة.

وينتظر الملاك حدوث انفراجة في هذه الأزمة، فعلى مدار سنوات طالبوا بضرورة إلغاء العمل بقانون الإيجار القديم أو اجراء تعديلات عادلة تعيد للمالك الحق في التصرف، في المقابل طالب بعض مستأجري الإيجار القديم ببقاء الوضع كما هو عليه، فيما طالب آخرون بتعديلات متوازنة لا تكون عبء عليهم.

وقد أشار الرئيس السيسي إلى ضرورة حل أزمة الإيجار القديم في حفل إفطار الأسرة المصرية حيث قال: «توجد شقق في وسط البلد إيجارها 20 جنيهًا وقيمتها ملايين، من حق المواطن يقعد فيها، لكن من حق صاحبها أيضًا الاستمتاع بقيمتها». فبعض المستأجرين يستغلون ثغرات القانون القديم لتحقيق مصالح شخصية على حساب الملاك الأصليين للوحدات السكنية. فبعضهم أصبحوا يملكوا عقارات أخرى دون أن يتركوا الوحدة المؤجرة، لانخفاض قيمة الإيجار وتواجد الوحدة في مكان مميز. 

كذلك من ثغرات القانون عدم ثبوت أحقية الزوجة في الاحتفاظ بالوحدة السكنية حال زواجها من آخر. أو تحديد مدى قانونية توريث الشقق المستأجرة للأبناء والأحفاد، فوفقًا للفقرة الأولى من المادة 29 من القانون رقم 49 لسنة 1977م تستمر العلاقة الإيجارية بين المالك والمستأجر حتى الجيل الأول فقط ويمثله الأبناء، وبالتالي يظل عقد الإيجار القديم قائمًا للزوجة والأبناء أو الوالدين بعد وفاة المستأجر الأصلي- إلا إذا استطاع المؤجر إثبات عدم إقامة زوجته أو أبنائه معه وقت الوفاة أو قبلها بسنة على الأقل- بل يحق للحفيد الاستفادة أيضًا من الوحدة السكنية، في حال تم إضافة أسماء الأبناء والوالد باعتباره المستأجر الأصلي للوحدة السكنية في عقد الإيجار، وبالتالي يصبح جميعهم مستأجرين للشقة فيعاملون كأول درجة، ويتمّ معاملة الأحفاد باعتبارهم هم الجيل الأول بشرط الإقامة فيها. 

وعلى الرغم من أن الحكومة أصدرت قرارًا في شهر مارس من عام 1996م بوقف العمل بتلك المادة إلا في حالات استثنائية. إلا إنه لا تزال هناك عقارات ووحدات بعقود قديمة تخضع لتلك القوانين السابقة. وحتى الآن مازال الكثيرون من الملاك وورثتهم لا يستطيعون الاستفادة أو التمتع بممتلكاتهم لأن قانون الإيجار القديم لا يعطيه الحق في إخلاء العقار ولو انتهت المدة المتفق عليها في العقد إلا لأسباب محددة، تنظمها المادة 18 من القانون، وهي:

  • الهدم الكلي أو الجزئي للمنشآت الآيلة للسقوط والإخلاء المؤقت لمقتضيات الترميم والصيانة وفقا للأحكام المنظمة لذلك بالقوانين السارية. 
  • إذا لم يقم المستأجر بالوفاء بالأجرة المستحقة خلال خمسة عشر يومًا من تاريخ تكليفه بذلك بكتاب موصى عليه مصحوب بعلم الوصول دون مظروف أو بإعلان على يد محضر ولا يحكم بالإخلاء إذا قام المستأجر قبل إقفال باب المرافعة في الدعوى بأداء الأجرة وكافة ما تكبده المؤجر من مصاريف ونفقات فعلية. 

ولا ينفذ حكم القضاء المستعجل بطرد المستأجر من العين بسبب التأخير في سداد الأجرة إعمالًا للشرط الفاسخ الصريح إذا ما سدد المستأجر الأجرة والمصاريف والأتعاب عند تنفيذ الحكم وبشرط أن يتم التنفيذ في مواجهة المستأجر. فإذا تكرر امتناع المستأجر أو تأخر. في الوفاء بالأجرة المستحقة بدون مبررات تقدرها المحكمة حكم عليه بالإخلاء أو الطرد بحسب الأحوال.

  • إذا ثبت أن المستأجر قد تنازل عن المكان المؤجر، أو أجره من الباطن بغير إذن كتابي صريح من المالك للمستأجر الأصلي، أو تركه – للغير بقصد الاستغناء عنه نهائيا وذلك دون إخلال بالحالات التي يجيز فيها القانون للمستأجر تأجير المكان مفروشا أو التنازل عنه أو تأجيره من الباطن أو تركه لذوي القربى وفقا لأحكام المادة 29 من القانون 49 لسنة 1977. 
  • إذا ثبت بحكم قضائي نهائي أن المستأجر استعمل المكان المؤجر أو سمح باستعماله بطريقة مقلقة للراحة أو ضارة بسلامة المبنى أو بالصحة العامة أو في أغراض منافية للآداب العامة. 
  • ومع عدم الإخلال بالأسباب المشار إليها لا تمتد بقوة القانون عقود إيجار الأماكن المفروشة. وتلغى المادة 31 من القانون رقم 49 لسنة 1977 وذلك اعتبارا من تاريخ العمل بهذا القانون.

لغط مستمر

أزمة الإيجار القديم ليست وليدة اللحظة وإنما تمتد لسنوات طويلة ولازالت قائمة حتى هذه اللحظة، حيث تعتبر هي إحدى أكبر التحديات التي تواجه السوق العقارية في مصر. وبين الفينة والأخرى، تتردد أحاديث عن تعديل قانون الإيجار القديم، وعلى إثرها تتزايد الإشاعات وتثار البلبلة حول مصير ملايين المستأجرين وفق هذا القانون رقم 136 لسنة 1981، وتتناثر مسودات قانون وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي. للضغط بالتراجع عن التعديل.

وزاد الجدل لغطًا بإعلان مجلس الوزراء قبل أسابيع الموافقة على مشروع قانون بشأن بعض أحكام الإخلاء، التي شملت الأماكن المؤجرة للأشخاص الاعتبارية – مثل الشركات والهيئات والأحزاب والمصالح الحكومية، والجمعيات الأهلية – لغير غرض السكنى، ليتم الخلط بأن هذه التعديلات تشمل الشقق السكنية، والادعاء بأن ملايين السكان أصبحوا مهددين بالتشريد قريبًا. 

فبحسب مشروع القانون الذي أعلنت الحكومة الموافقة عليه، فقد جاء قاصرًا على الأماكن المؤجرة للأشخاص الاعتبارية لغير غرض السكنى، وفقا لأحكام القانونين رقمي 49 لسنة 1977 و136 لسنة 1981 في شأن تأجير وبيع الأماكن وتنظيم العلاقة بين المؤجر والمستأجر. حيث أوضحت التعديلات إنه يجب إخلاء الأماكن المؤَجرة خلال مدة لا تجاوز خمس سنوات من تاريخ العمل بالقانون، وحددت المادة الثالثة القيمة الإيجارية بـ 5 أمثال القيمة القانونية السارية، وتُزداد هذه النسبة سنويًا وبصفة دورية بنسبة 15%.

وألزمت المادة الرابعة المستأجر بإخلاء المكان المؤَجر ورده إلى المالك أو المؤِجر بحسب الأحوال في اليوم التالي لانتهاء المدة المبينة بالمادة 2 من هذا القانون، وفي حالة امتناع المستأجر عن ذلك يكون للمالك أو المؤجر بحسب الأحوال أن يطلب من قاضي الأمور الوقتية بالمحكمة الكائن في دائرتها العقار بطرد الممتنع عن الإخلاء، دون الإخلال بالحق في التعويض إن كان له مقتضى.

وجاء قرار الحكومة بعد حكم المحكمة الدستورية عام 2018، وحدد القانون فترة انتقالية لمدة 5 سنوات تبدأ اعتبارًا من 24 نوفمبر 2021. واعتبارًا من تاريخ إقرار القانون تزداد نسبة الأجرة خمسة أمثال، وترتفع قيمة الأجرة مع السنوات التالية بنسبة 15% لمدة خمس سنوات

لكن ورغم حالة اللغط التي صاحبت هذه التعديلات، إلا إنها كانت بمثابة شعاع نور لملاك وحدات سكنية مؤجرة بالإيجار القديم، خاصة وأن أزمة الإيجارات القديمة مستمرة على مدار عقود طويلة، ولابد لها من حلول جذرية وفورية، حتى وإن كان الحل مؤلم بعض الشيء. 

ملامح التعديلات الجديدة

وفي الخامس من الشهر الجاري نشرت جريدة الوطن أول مسودة لتعديل قانون الإيجار القديم للوحدات المؤجرة للغرض السكني، مقدمة من عدد من النواب والسياسيين والأحزاب، استجابة لبعض الدعوات المطالبة بإجراء تعديلات على القانون الذي يمتد لأكثر من 70 عامًا؛ بهدف تنظيم العلاقة الإيجارية بين الملاك والمستأجرين.

وجاءت أبرز ملامح التعديلات الجديدة، ما يلي: 

  • تحديد زيادة تدريجية في قيمة الإيجار الشهري بنسبة 10%، تستمر على مدار 7 سنوات، مع وضع حد أدنى للأجرة 200 جنيه للوحدات السكنية، و300 جنيه للوحدات الإدارية.
  • تحرير العقد الأصلي بعد مرور 50 عامًا على بدء العلاقة الإيجارية الأصلية للعين المؤجرة منذ تاريخ استئجار الوحدة، وتقييد حق توريث العلاقة الإيجارية بعد مرور هذه المدة.
  • وبخصوص الوحدات المغلقة، نصت التعديلات على إضافة حالات لإخلاء الوحدة المؤجرة حال غلقها لمدة تتجاوز 3 سنوات لغير غرض السفر، أو مرور المدة نفسها على استخراج ترخيص بناء جديد باسم المُستأجر أو زوجته أو أولاده القصر، أو استفادته من الحصول على مسكن من برامج الإسكان التي تقدمها الدولة.
  • ولدعم مستأجري الإيجار القديم غير القادرين تضمنت التعديلات إنشاء صندوق لدعم المستأجرين غير القادرين لفترة انتقالية تستمر حتى 5 سنوات، وتكون حصيلته من حصيلة الضريبة العقارية التي تترتب عن الوحدات المُخلاة.

البدائل الممكنة

على الرغم من مطالبة قطاع كبير من المواطنين بتعديل قانون الإيجار القديم، إلا أن نحو 7% من إجمالي أسر الجمهورية يقيمون ‏بوحدات مؤجرة بقانون الإيجار القديم، وفقًا لبحث الدخل والانفاق والاستهلاك 2019/2020، وتزداد النسبة في الحضر عنها بالريف، فحوالي 14.4% من أسر الحضر يقيمون في مسكن إيجار قديم مقابل 0.6% من أسر الريف- فلو سلمنا بجدلية موافقة مجلس النواب على مسودة تعديل قانون الإيجار القديم للغرض السكني– فهناك حوالي 1.64 مليون أسرة تحتاج إلى بديل سكني خلال 5 سنوات منذ إقرار تعديل القانون. 

لكن جاءت كلمة الطمأنة من الرئيس السيسي -من قبل حتى إعداد مسودة القانون – خلال حفل إفطار الأسرة المصرية؛ حيث قال للمواطنين: «هخلي الناس تمشي تتكعبل في الشقق». فقد أقامت الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة ثورة عمرانية مهولة. إذ تم خلال الفترة الماضية وجار تنفيذ نحو 900 ألف وحدة سكنية بمشروعات الإسكان الاجتماعي والمتوسط بتكلفة قدرها 390 مليار جنيه. فمشروعات الإسكان والمرافق طالت 21 مدينة جديدة قائمة بقيمة 160 مليار جنيه بينما يجري تنفيذ 21 مدينة جديدة من مدن الجيل الرابع، هذا إلى جانب شبكة طرق عملاقة تخدم وتيسر سبل الحياة للمواطنين المقيمين فيها.

ويقترح في حال الموافقة على تعديل القانون بأن يتم تكثيف طرح عدد من الوحدات السكنية المدعومة لفئات وحدات الإسكان الاجتماعي والمتوسط وفوق المتوسط بكافة المحافظات، على أن يتم إضافة خيار/ فئة لمستأجري القانون القديم ليكون لهم أولوية الاستلام على غرار فئة المتزوجين وذوي الهمم. على أن يتم مراعاة إيجاد حلول جذرية لإعانة المستأجرين الأكثر فقرًا وغير القادرين على دفع مقدم حجز وحدة سكنية جديدة، من خلال أنظمة تمويل بديلة كالإيجار التمليكي بدون مقدم حجز.

ختامًا، “قانون الإيجار القديم ” واحد من بين الكثير من القوانين التي تحتاج تعديل لعدم صلاحية كل أو بعض موادها في الوقت الراهن. وملف قانون الإيجار القديم هو ملف شائك جدًا وحساس نظرًا لوجود طرفين لديهما مطالب متضادة وكلاها مطالب مشروعة، فطرف يدافع عن حقه في المأوى والسكن بدون تكبد مزيد من المال، وطرف آخر يود الاستمتاع بممتلكاته بعد أن أصبح مالكًا على الورق فقط!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى