إسرائيل

اختبارات الحكومة الإسرائيلية الحالية ووسائل بقائها

 لم يكن ملف الموازنة العامة الإسرائيلية هو الاختبار الحقيقي لقياس استمرار أو سقوط الحكومة الإسرائيلية الجديدة برئاسة زعيم حزب يمينا “نفتالي بينيت” وخلفه القادم وزير الخارجية وزعيم حزب هناك مستقبل “يائير لابيد”، وذلك ببساطة لأن جميع الأطراف المتناقضة في إسرائيل يهمها الوصول إلى اتفاق عام حول شكل الموازنة التي استمر غيابها ثلاثة أعوام متواصلة؛ أقله من أجل إدارة الأزمات الناجمة عن جائحة كورونا.

رغم تمرير الموازنة في وقت قياسي، إلا أن الحكومة تتمثل أمامها مجموعة من التشريعات المطلوبة ما زال الكنيست يؤجلها لعدم الوصول إلى 61 صوتًا إيجابيًا لتمريرها، وهي التي يمكن وصفها بالاختبارات الحقيقية لقياس هشاشة الحكومة أو تمتعها بالصلابة التي تؤهلها للاستمرار.

الصورة العامة

هناك ثلاثة مشاريع قوانين قدمتها الحكومة الائتلافية برئاسة نفتالي بينيت التي تتمتع بـ 61 عضوًا، وهو عدد لا يسمح للحكومة بالاستقرار، وإنما الانتهاج بمبدأ السير الآمن في خضم الأزمات والملفات المتعددة.

هذه المشاريع هي: (1) مشروع قانون المواطنة: الذي قدمته النائبة في حزب يمينا (المحسوب على اليمين المتطرف) ووزيرة الداخلية “آييلت شاكيد” منذ خمسة أشهر تقريبًا، وفي كل مرة يتم التأجيل لعدم الوصول إلى صفة الإجماع داخل الائتلاف.

تم سن قانون المواطنة في 2003 أثناء الانتفاضة الفلسطينية الثانية لدواعٍ أمنية، تحظر وصول الفلسطينيين لأسرهم الذين يحملون جنسية إسرائيلية خارج الضفة الغربية؛ منعًا لارتكابهم عمليات ضد إسرائيل. انتهى العمل بالقانون في يناير 2021، وعليه تقدمت الحكومة الجديدة بطلب تمديده عامًا إضافيًا؛ ولكن يتشكل الائتلاف الحكومي الإسرائيلي الحالي من نواب كنيست منتسبين إلى أحزاب عربية، ولذلك دفعهم الأمر إلى رفض مقترح شاكيد. 

(2) مشروع قانون المساواة: الذي قدمه حزب أزرق أبيض (المحسوب على اليمين الوسط)، لم يصل إلى إجماع داخل الائتلاف بسبب رفض النائبة ووزيرة الداخلية آييلت شاكيد، بل ورفض معظم التيارات اليمينية المتطرفة له. ويمنح قانون المساواة لجميع المواطنين في إسرائيل حق المساواة أمام القانون، وعدم التمييز على أساس الدين أو العرق أو اللون، لذا قدم حزب أزرق أبيض القانون على أنه يحفظ القيم الديمقراطية والليبرالية لإسرائيل؛ مما أثار رضا الأعراق المختلفة في إسرائيل مثل العرب، ويهود الفلاشا.

ولكن لم يحظ القانون بإجماع لدى اليمينيين المتطرفين كونه يحمل تأثيرين بالغي الخطورة في وجهة نظرهم هما (أ) القانون يقوض مشروعية قانون القومية الذي تم سنه في 2018، والذي يكرس لإسرائيل الطابع اليهودي المقدم على الطابع الديمقراطي. (ب) يمنح محكمة العدل العليا في إسرائيل صلاحيات أوسع مما يرتضيها التيار اليميني المتطرف الذي ينظر للمحكمة بوصفها أحد قوى الدولة العميقة التي ترفض الرؤية الصهيونية الدينية التي يتبناها اليمين المتطرف.

(3) مشروع قانون التجنيد: ويقصد هنا تخفيض مدة الخدمة الإلزامية بهدف تشجيع “الحريديم” على الانضمام إلى الجيش الإسرائيلي. يحظى مشروع القانون بإجماع الائتلاف الحكومي من خلال موافقة اللجنة الوزارية للتشريع على القانون، ولكن يواجه رفضًا شديدًا من المجتمع “الحريدي” الذي يراه أداة من أدوات السيطرة على اليهود المتطرفين.

يمكن القول في هذا السياق إن المشاريع القانونية الثلاثة لا تحظى بإجماع إما داخل الائتلاف أو بين المجتمع الإسرائيلي، لذلك تعد اختبارات حقيقية أمام تماسك الائتلاف الحالي الذي يواجهها إما بالتأجيل غير المسمى أجله، أو مواجهتها بوسائل أخرى.

لماذا هي اختبارات؟

تَشكَل الائتلاف الحكومي الإسرائيلي الحالي من أطراف متناقضة أيديولوجيًا وسياسيًا بشكل ظاهر، وكان التحالف الوظيفي بين العناصر المتناقضة لهدفين: (أ) إزاحة نتنياهو من السلطة بسبب مراكمته لقوة ونفوذ هائل تسبب في تماسك تيار متطرف سار باتجاه سياسات أحادية تقصي التيارات الأخرى. (ب) إقرار الموازنة العامة لإدارة أزمة كورونا بنهج رشيد يسمح بترميم الترديات الاقتصادية والاجتماعية التي خلفتها الأزمة وخلفتها سياسات نتنياهو.

وفي الواقع، رغم الرغبة الجماعية لإزاحة نتنياهو إلا أن التقدير لا يشير إلى نهاية نتنياهو السياسية تمامًا. بل على العكس تمامًا؛ إذ تظهر استطلاعات الرأي الحديثة (حسب مراكز رافي سميث، دايركت بالس) تفوق نتنياهو بـ 34 مقعدًا، و41% من الإسرائيليين يفضلونه رئيسًا للحكومة. في حين تراجعت شعبية حزب “يمينا” الحزب الحاكم (حزب نفتالي بينيت) بنسبة تتراوح بين 5 إلى 6 مقاعد. 

وعليه، يدرك زعماء الأحزاب المشكلون للائتلاف أهمية الاحتفاظ بشعبيتهم بين الإسرائيليين لضمان الانضمام إلى الحكومة القادمة في حال جرت انتخابات. وتبقى الوسيلة الوحيدة للاحتفاظ بالشعبية هي تطبيق أجندتهم الحزبية القائمة على اعتبارات أيديولوجية قد تزيد من الصد الأيديولوجي الظاهر على الحكومة الحالية.

ويتركز مفهوم الأيديولوجية في معظم الأجندات الحزبية على أساسين، هما: (أ) وجهة النظر بشأن حل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني والذي ينحصر بين إجابتين إما “حل الدولة الواحدة ذات القوميتين” أو “حل الدولة الواحدة الديمقراطية” التي يتساوى فيها الجميع. (ب) وجهة النظر إزاء شكل العلاقة بين الدولة و”الحريديم”، أي هل يظل الحال كما هو عليه ويبقى “الحريديم” في حياتهم الدينية بعيدًا عن العمل والجيش، أو السعي إلى دمجهم بقوة في الدولة عن طريق توظيفهم وتجنيدهم إلزاميًا.

تنقسم الحكومة حاليًا بين عدة وجهات نظر أيديولوجية، وهي: 

أولًا: تسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي: جميع الأحزاب اليهودية الإسرائيلية ترفض حل الدولتين، وينعكس ذلك (أ) في التشريعات المقدمة للكنيست والتي تم الموافقة عليها مبدئًيا لضمان سيطرة إسرائيل على المنطقة “ج” وتهجير الفلسطينيين من هناك. (ب) رفض فتح قنصلية أمريكية في القدس الشرقية. (ج) بناء المستوطنات في حزام القدس الشرقية تمهيدًا لضمها ضمن مشروع القدس الكبرى. 

أما الأحزاب العربية الإسرائيلية المتمثلة في حزب القائمة الموحدة والقائمة المشتركة فتميل إلى حل الدولتين، وترفض سياسات التهجير في القدس الشرقية والمنطقة “ج”، وترفض سياسات التمييز بين العرب والإسرائيليين داخل المدن اليهودية.

لذلك ستكون قوانين مثل القومية، والمواطنة الذي قدمته آييلت شاكيد هي خطوط حمراء لدى عرب إسرائيل؛ ليس لأنها تهدم فكرة حل الدولتين فقط، بل تهدم فكرة حل الدولة الواحدة الديمقراطية كذلك. وعليه، ستتماس الحكومة مع مطلب حزب القائمة الموحدة (المنضم للائتلاف) بحذر؛ منعًا من سقوطها، وليس أمامها سوى التأجيل.

ثانيا: ملف المجتمع الحريدي: يعد “الحريديم” هم الكتلة الحرجة لمعسكر نتنياهو التي تضمن له الاستمرار واحتمالات الظهور مجددًا كرئيس حكومة. لذا تلتزم الحكومة الحالية الحذر في الاقتراب من ملفات “الحريديم” مثل التجنيد، وقانون المساواة الذي يهدم قانون القومية اللازم لإضفاء الطابع اليهودي على إسرائيل.

ولكن يبقى أمام الحكومة تحدٍ كبير وهو الاحتفاظ بالتماسك الاجتماعي (الصمود المجتمعي) للإسرائيليين الذي لن يتحقق بدون دمج “الحريديم” في شؤون الدولة. تنظر الحكومة أن أنسب الوسائل هي الجيش والتوظيف في الشركات التكنولوجية الكبرى (من أجل إجبارهم على تعلم الإنجليزية والتعليم الفني العالي). وفي الواقع يرفض كبار قادة “الحريديم” الانصياع لهذه السياسات.

وسائل الحكومة في إدارة الاختبارات، هل هي ناجحة؟

تتنوع هذه الوسائل بين سياسية داخلية أو إقليمية، وتشريعية، وأمنية. يمكن توضيح هذه الوسائل بالشكل التالي:

أولًا: مشروع قانون تقييد مدة حكم رئيس الوزراء

وهو مشروع يتم سنه خصيصًا لمنع وصول نتنياهو مرة أخرى إلى الحكم. ولكن بالنظر إلى مضمون المشروع يتبين أن القانون لا يحظر على نتنياهو العودة مرة أخرى، بل يقيده في البقاء في السلطة 8 سنوات أخرى فقط. لن يكون أمام الحكومة الحالية منع نتنياهو من العودة إلا من خلال دفعه في تحقيقات وملاحقات قضائية تثبت تورطه في ملفات فساد أو خيانة أمن قومي، وحتى الآن لم يثبت على نتنياهو شيء يستدعي حتى خلع بدلة زعيم المعارضة في الكنيست.

ثانيًا: الملف النووي الإيراني

لا تخرج التصريحات الإسرائيلية إزاء الملف النووي الإيراني عن سياق التوظيف السياسي من أجل رسم صورة سياسية قوية لدى الإسرائيليين تحفظ لهم شعبية، وهو ما انعكس بالفعل في استطلاعات الرأي التي قالت إن 19% من الإسرائيليين يفضلون بقاء بينيت رئيسًا للحكومة. (يبدو صحيحا أن الفارق بينه وبين نتنياهو كبير 42%، ولكن مقارنة بتدهور حزبه شعبيًا بما يعادل 5 مقاعد يعني أن بينيت كرئيس حكومة يحظى بشعبية أكبر من كونه زعيم حزب يمينا).

ولكن بشكل عام، يبدو أن إسرائيل تفتقد تقارب وجهات النظر بينها وبين الإدارة الأمريكية الحالية، لذا تستمر في التصريح بامتلاكها الإرادة والخطة العسكرية لتنفيذ ضربات أحادية ضد إيران. ولكن في الواقع تفتقد إسرائيل الضوء الأخضر الأمريكي، وعليه لا تمتلك سوى استمرار مسار حرب الظل أي الضربات النوعية البسيطة المخفية ضد الأهداف الإيرانية.

ثالثًا: صفقات التطبيع

نجحت الحكومة في توظيف العلاقات الدبلوماسية مع المغرب إلى مرتبة أكبر يمكن وصفها بالتحالف الاستراتيجي بعد زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي إلى الرباط وتوقيع اتفاقيات دفاعية.

وكذا، وقعت الحكومة الإسرائيلية بوساطة إماراتية بروتوكول تعاون في مجال المياه والطاقة مع مملكة الأردن.  وتدرس حاليًا فرص تطبيع العلاقات مع تركيا التي يلوح رئيسها أردوغان بإمكانية استئناف العلاقات للخروج من العزلة الإقليمية. 

وتتميز العلاقات الإسرائيلية الإماراتية بمستويات متقدمة؛ إذ تعهدت الإمارات في وقت سابق بإقامة صندوق استثمار بقيمة عشر مليارات دولار أمريكي في السوق الإسرائيلية، خاصة في مجال البنية التحتية، والاستثمار في التكنولوجيا الفائقة. واتصالا بسياق التكنولوجيا الفائقة، تخطط إسرائيل دعم المشروعات المتوسطة المشتغلة في مجال التكنولوجيا (الهاي تك) لهدفين: توظيف “الحريديم”، وأن تصبح إسرائيل قبلة الصناعات التكنولوجيا في المنطقة. 

ولكن لا يتبدى في الأفق إنجاز حقيقي لاستثمار أجنبي في هذا القطاع (حتى أن الإمارات انسحبت من مناقصة خصخصة ميناء حيفا)، بل تعتمد إسرائيل حتى الآن على الاستثمار الحكومي الذي يحتاج إلى مخصصات ضخمة تم تخصيص نصفها تقريبًا لرفع مقدرات المجتمع العربي في إسرائيل ودمجه فيها.

ختاما، يمكن القول إن تمرير الموازنة العامة وسط ائتلاف متفكك أيديولوجيًا هو إنجاز محقق، ولكنه لم يكن الاختبار الحقيقي الذي يقيس مدى صلابة الحكومة برئاسة نفتالي بينيت. وهناك مشاريع قانونية تمثل بحق اختبارات أيديولوجية لم تنفك الحكومة إلا أن أجلتها لتماسها مع محاذير أيديولوجية قوية. أما بشأن الوسائل التي تسعى الحكومة تصويرها كنجاحات سياسية فهي لا تزال في طور متواضع تحتاج إلى مزيد من المؤشرات الحقيقية التي تثبت نجاعتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى