آسياروسيا

بعد إتمام صفقة إس 400 مع الهند: نيودلهي وموسكو.. شراكة متنامية تقلق واشنطن

تنعقد اليوم قمة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الهندي “ناريندارا مودي” وهي النسخة الحادية والعشرين من القمم بين البلدين والتي انطلقت في عام 2000. وكانت القمة المقررة عام 2020 قد تم إلغاؤها على خلفية تفشي كوفيد-19. القمة الحالية تهدف إلى رفع مستوى العلاقات بين البلدين من علاقات دفاعية بالدرجة الأولى بسبب اعتماد نيودلهي على السلاح الروسي بشكل كبير إلى قمة ترقى إلى تناول قضايا جيوسياسية وفتح شراكات في هذا المجال.

الأمر الآخر الذي يشير إلى خصوصية العلاقات وأهميتها هو توجه الرئيس الروسي إلى العاصمة الهندية وكذلك المحادثات التي ستعقد قبيل القمة المرتقبة بين وزراء دفاع وخارجية البلدين، وهو نوع من المحادثات لا تجريه الهند إلا مع الولايات المتحدة واليابان وأستراليا. ولذلك فإن وجود موسكو وسط القائمة يوحي بخصوصية العلاقات، ويزيد على ذلك ما أعلنت عنه نيودلهي يوم السبت الماضي بخصوص موافقتها على تصنيع 500 ألف بندقية كلاشينكوف من الطراز الروسي “إيه كيه-203″ تحت شعار “صنع في الهند” الذي تروج له حكومة “مودي”.

دوافع زيارة بوتين

لا شك أن الزيارة التي ستجري اليوم تؤكد على عمق العلاقات، ولكنها تأتي بالدرجة الأولى لتوريد نظام الدفاع الجوي الروسي إس 400 إلى نيودلهي، وهي الصفقة التي كان قد تم إتمامها بين البلدين مسبقًا وتعني الكثير بالنسبة للجانبين؛ بالنسبة للجانب الروسي فإنها تمثل عدم اهتمام بالعقوبات الأمريكية، وتشير فيما تشير إلى أن موسكو قادرة على تقوية علاقاتها بحلفائها دون أن تعبأ بواشنطن؛ فقد قامت مسبقًا بالتعاقد مع تركيا وها هي الهند أحد حلفاء واشنطن تنضم إلى القائمة. في الوقت الذي يرجح فيه مسؤولون في وزارة الدفاع الهندية أن بلادهم ستصبح مؤهلة كذلك لإتمام صفقة ” إس 500″. 

وتدرك موسكو كذلك أن الصدام مع الصين محتمل في ظل توسع الأخيرة في آسيا الوسطى عن طريق مبادرة الحزام والطريق، بجانب أن لبكين أياد خفية في سيبيريا الغنية بالثروات والمعادن. ولذلك فإن الهند “ضرورة روسية” فهي سابع اقتصاد في العالم، وتمتلك القدرة في الانفتاح على الجميع دون أن تدور في فلك أحد عندما تريد. وهي كذلك لديها القدرة على الانكفاء على ذاتها والاكتفاء بذاتها إذا رأت أن ذلك في مصلحتها مثلما حدث في ستينيات القرن الماضي عندما تزعمت حركة عدم الانحياز.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\الهند وروسيا 1.jpg

أما بالنسبة للجانب الهندي، فالأمر يعد إقرارًا لعقيدة مودي بتنويع مصادر اعتمادات السلاح ومناكفة للولايات المتحدة التي انسحبت انسحابًا مزعجًا من أفغانستان ففتحت للهند جبهة اضطراب جديدة، خصوصًا وأن حكومة نيودلهي ليست على وفاق مع الحكومات التي تتسم بالتطرف – بمعنى آخر فإن مودي يعي أن الاعتماد على الولايات المتحدة بشكل مفرط سيضر أول ما يضر بالهند نفسها، خاصة أن الأخيرة تظهر قدرة على التحول في تحالفاتها وشراكاتها في الآونة الأخيرة.

ولكن تترك عقيدة مودي -التي يستهدف منها من زاوية أخرى تقوية علاقاته وشراكاته بالدول الكبرى عن طريق إتمام صفقات الأسلحة– الهند في مرمى عقوبات قانون “كاتسا” الأمريكي خصوصًا وأن واشنطن كانت قد أكدت أن الهند لن يتم استثناؤها من القانون الذي يفرض عقوبات على أي دولة تتعاون من الناحية العسكرية مع روسيا، فما الذي يجعل من نيودلهي حالة فريدة وقد رفعت مستوى صادراتها من الأسلحة الروسية من ثلاثة مليارات إلى عشر مليارات دولار سنويًا.

على حد السيف

نظرًا لتنامي تصدير المعدات العسكرية الروسية إلى الهند والذي يعطي مؤشرًا على متانة العلاقات بشكل عام، تقف موسكو على حد السيف في علاقاتها الثنائية مع الهند والصين. وحسب دراسة أعدها معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي، فإن بكين ونيودلهي هما المستوردان الأكبر للسلاح الروسي، وإن كانت الهند تتقدم على الصين. ففي الفترة من 2015 – 2019 صدّرت روسيا إلى الهند 56% من معداتها العسكرية. وحسب ورقة أخرى منشورة على موقع مركز “ستيمسون” فإن 86% من المعدات العسكرية في الجيش الهندي الآن من أصول روسية.

وتكفي الإشارة هنا إلى أن حاملة الطائرات الهندية الوحيدة والملحق بها من غواصة نووية من صناعة الروس، ولكن هذا لا يعني غياب المعدات العسكرية الأمريكية بشكل كامل لأن هناك قطعًا مهمة في الجيش الهندي من صناعة أمريكية، ولكن بفارق كبير يظهر في أن الواردات الدفاعية الهندية من روسيا منذ عام 2000 وصلت إلى 51 مليار دولار في الوقت الذي ناهزت فيه الواردات الأمريكية 4 مليارات من الدولارات. 

وفي احتفالات الساحة الحمراء في موسكو خلال يونيو الماضي اشتركت 13 وحدة في العرض العسكري منها 4 وحدات أجنبية؛ اثنتين منها للهند والصين. ويعكس ذلك   أن روسيا ستبقى ملتزمة   بـ “علاقات قريبة مع البلدين” دون القيام بأية خطوات طائشة حتى وإن قررت الوساطة الحذرة حيث تبتعد دومًا عن التورط أو الانجرار في قضايا إقليمية غير ذات أهمية.

بث الروح في “كواد”

إضافة إلى ما تقدم، فقد ظهر أن نيودلهي لا تكتفي بعلاقات جيدة مع موسكو ولكنها تسعى إلى علاقات من نوعية خاصة حسب عقيدة “مودي”. وفي هذا الإطار فقد سعت إلى إقناع روسيا بالانضمام لمبادرة “الهندو- هادئ” خصوصًا وأنه من وجهة نظر المبعوث الهندي السابق لروسيا فإن الهدف من المبادرة ليس احتواء الصين فقط بل لتطبيق قانون يحفظ الأمن الإقليمي في هذه المنطقة.

ولكن موسكو التي ليست على وفاق تام مع بكين لا تريد أن تعاديها صراحة بالمبالغة في الاقتراب من “الهند” حليفة واشنطن – التي تصر موسكو على عدم إظهارها بمظهر الحصان الرابح الذي استطاع اقناع روسيا بالتخلي عن الصين والانضمام إلى تحالف الهادئ. وهو أمر غير عقلاني لأن روسيا التي نأت بنفسها عن التورط في أي خلاف بين الهند والصين لن تنضم إلى تحالف يستهدف بالأساس إذكاء الخلافات بين البلدين. ومما يستدل به على ذلك أن واشنطن وبعد إطلاقها لتحالف أوكوس سعت إلى إعادة الحياة لتحالف كواد الذي يضم الهند واليابان وأستراليا.

أصوات تعلو فوق صوت ” كاتسا”

دارت التكهنات حول أن واشنطن بصدد فرض عقوبات على نيودلهي لإتمامها صفقة إس 400 مع روسيا وذلك بموجب قانون كاتسا، واستدل أصحاب هذا الاتجاه بأن واشنطن سبق وفرضت عقوبات على حليفتها تركيا بسبب نفس الصفقة، إلى الحد الذي طردت فيه أنقرة من برنامج مقاتلات “إف 35” – ولكن ما اتضح حتى الآن أن واشنطن ليست في عجلة من أمرها بخصوص فرض العقوبات على الهند.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\WhatsApp-Image-2020-12-15-at-11.32.23-PM-1.jpeg

ذلك أن واشنطن لا تريد خسارة تحالفها مع الهند أو الدفع بها إلى مزيد من الاقتراب من موسكو، أما بالنسبة للتقارب بين موسكو وأنقرة فلم يكن يشكل قلقًا حين فرضت أمريكا عقوباتها على تركيا بسبب تعدد الجبهات الخلافية بين موسكو وأنقرة في سوريا وليبيا، فضلًا عن أن تركيا عضو في حلف الناتو وهو ما سيحد جموح أنقرة إلى حد كبير في الوقت الذي لا تضمن فيه واشنطن كبح جماح الهند إذا ما أقرت العقوبات عليها.

مع الوضع بالاعتبار أن الدولتين الوحيدتين الخاضعتين لكاتسا الآن هما تركيا والصين بسبب شرائهما لمنظومة إس 400، وهو ما يضع إدارة بايدن في موقف محرج إذا فرضت عقوبات على الهند بوصفها حليفتها الأكبر في آسيا. ولكنه من ناحية أخرى يضعها في مأزق الكيل بمكيالين الذي اعتادت عليه بالمناسبة.

 وعلى الرغم من محاولات واشنطن المتكررة بتقليل اعتماد الهند على المعدات الروسية إلا أنها فشلت حتى الآن وبقيت موسكو المورد والمصنع الرئيس للنسبة الأضخم من الأسلحة التي يستخدمها الجيش الهندي. واللافت للنظر أن العلاقات الهندية الروسية كانت من العلاقات التي لم تتأثر جودتها حتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى