دول المشرق العربي

حراك ما بعد استقالة قرداحي.. هل من انفراجة لأزمات لبنان؟

كانت جُل الرؤى والتحليلات التي تناولت الأزمة اللبنانية الخليجية -التي اندلعت (29 أكتوبر) إثر تصريحات وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي حول الحرب في اليمن- مجمعة على أن خيار استقالة قرداحي هو الخيار الحتمي لبدء النظر في إمكانية حلحلة الأزمة بين لبنان ودول الخليج العربي التي تمتد مسبباتها إلى جذور أعمق بكثير من تصريحات قرداحي. ومع تحقق الخيار التوافقي الحتمي بإعلان جورج قرداحي استقالته من حكومة لبنان (3 ديسمبر) اتجهت الأنظار إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي أجرى جولة خليجية ثلاثية كان الملف اللبناني أحد ملفاتها الأساسية.

اختراق الأزمة

تمكن الرئيس الفرنسي من إحداث اختراق في جدار الأزمة بين لبنان ودول الخليج من خلال جولته التي شملت الإمارات وقطر والسعودية. وقد استُبقت هذه الجولة –حسب دوائر لبنانية- بلقاء مباشر جمع قرداحي برئيس الوزراء نجيب ميقاتي اتُخذ على إثره قرار الاستقالة بعد تشاور قرداحي مع حلفائه، وهو لقاء لم يتأت إلا بعد اتصال هاتفي بين ماكرون وميقاتي لمناقشة سبل حل الأزمة والخطوات اللازمة لذلك، وأولها ضرورة استقالة وزير الإعلام.

وتكللت جولة ماكرون بالاتصال الهاتفي الثلاثي الذي جمع كلًا من الرئيس الفرنسي وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان برئيس الوزراء اللبناني (4 ديسمبر) واتُفق خلاله على إنشاء آلية مساعدات إنسانية فرنسية سعودية للتخفيف من معاناة الشعب اللبناني، وجدد خلاله ميقاتي تقدير لبنان للجهود السعودية والفرنسية مؤكدًا التزام حكومته باتخاذ كل ما من شأنه تعزيز العلاقات مع السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، ورفض كل ما من شأنه الإساءة إلى أمنها واستقرارها.

لكن على الرغم من ذلك، ألقى البيان المشترك الصادر عن لقاء ماكرون وابن سلمان مسؤوليات على الحكومة اللبنانية، أهمها ضرورة حصر السلاح بمؤسسات الدولة الشرعية، وألا يكون لبنان منطلقًا لأي أعمال إرهابية ومصدرًا لتجارة المخدرات، بجانب ضرورة القيام بتنفيذ إصلاحات شاملة والالتزام بتنفيذ اتفاق الطائف المؤتمن على الوحدة الوطنية والسلم الأهلي في لبنان، وأهمية تعزيز دور الجيش اللبناني في الحفاظ على الأمن والاستقرار، مع التشديد على أهمية الحفاظ على استقرار لبنان واحترام سيادته ووحدته وفقًا لقرارات مجلس الأمن 1559 و1701 و1680 والقرارات الدولية ذات الصلة.

الانعكاسات والآثار

قد تُرتب هذه الوساطة الفرنسية والحلحلة الجزئية في العلاقات السعودية اللبنانية نتائج على صعيد المشهد اللبناني داخليًا وخارجيًا، إلا أنها في الوقت ذاته قد تبقى غير ذات جدوى حقيقية. 

1 – الأزمة مع دول الخليج

ترتبط الأزمة بين لبنان ودول الخليج بشكل رئيس بمسبباتها الأساسية والتي تتمحور حول نفوذ إيران وحزب الله داخل لبنان؛ إذ لم تكن الخطوات التي اتُخذت حيال تصريحات جورج قرداحي إلا انعكاسًا لحالة نفاد الصبر الخليجي من هذه الحالة اللبنانية بشكل عام. ومن ثم فإن عودة العلاقات اللبنانية-الخليجية سترتبط ارتباطًا وثيقًا بما يمكن أن تتلمسه دول الخليج وفي مقدمتها السعودية من خطوات لبنانية تصب في سياق تقويض هذا النفوذ المتنامي لحزب الله، وبالتبعية لإيران.

ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة البيان المشترك الصادر عن لقاء ماكرون-ابن سلمان بوصفه محددًا عامًا لما يتعين على لبنان اتخاذه وعمله قبل النظر في عودة العلاقات إلى سياقها الطبيعي. وقد لامس هذا البيان النقاط الشائكة في هذه العلاقات، وهي “حصر السلاح بمؤسسات الدولة الشرعية” و”ألا يكون لبنان منطلقًا لأعمال إرهابية أو تجارة المخدرات”، و”احترام سيادة لبنان ووحدته وفقًا لقرارات مجلس الأمن” وهي القرارات التي تنص صراحة على حل جميع الميلشيات اللبنانية ونزع سلاحها.

ترتيبًا على ذلك، وبناء على موازين القوى الأساسية داخل المشهد اللبناني، يمكن القول إن ما تتطلع إليه دول الخليج العربي في لبنان أمر صعب المنال في الأمد المنظور. ولذا، فإن أقصى ما يمكن أن تحققه وساطة الرئيس الفرنسي الحالية هو عودة العلاقات إلى ما قبل 25 أكتوبر -أي قبل إذاعة تصريحات قرداحي بشأن الحرب في اليمن- وتتمثل الخطوات هنا في إمكانية إلغاء قرارات حظر السفر وحظر الواردات اللبنانية وعودة السفراء. فيما تبقى أطر الانخراط الخليجي –وتحديدًا السعودي- في الملف اللبناني بشقيه السياسي والاقتصادي –دون الإغاثي والإنساني- عند حدودها الدنيا، على الأقل حتى إجراء الانتخابات النيابية المقررة (27 مارس 2022).

2 – أزمة الحكومة

ترتبط أزمة تعطيل انعقاد جلسات مجلس الوزراء اللبناني الممتدة منذ (13 أكتوبر) بعدة عوامل داخلية، يأتي في مقدمتها الخلاف حول مسار التحقيق في انفجار مرفأ بيروت ورغبة الثنائي الشيعي (حزب الله-حركة أمل) في تنحية قاضي التحقيق طارق البيطار عن نظر القضية، ثم أُضيفت إلى هذا الخلاف أزمة تصريحات جورج قرداحي وهما الأزمتان اللتان أبرزتا مشكلة تشكيل الحكومة نفسها، وكونها حكومة سياسية بامتياز وليست حكومة اختصاصيين كما رُوّج لها.

تجاوزت الحكومة في الوقت الراهن مأزق استقالة قرداحي والخلاف بين القوى حول حتمية الاستقالة أو كونها مساسًا بسيادة لبنان، إلا أن أزمة التحقيق في انفجار مرفأ بيروت مازالت قائمة، خاصة وأنها انتقلت إلى داخل أروقة القضاء مُحدثة انقسامًا كبيرًا بين القضاة والهيئات القضائية المختلفة. بيد أنه يمكن القول إن استقالة قرداحي المتأخرة لم يكن لها التحقق إلا في إطار مقدمات توافق وتسوية بشأن مجمل مشكلات الحكومة، وأهمها مشكلة القاضي بيطار.

وفي هذا الإطار، تشير أوساط لبنانية إلى مبادرة طرحها رئيس مجلس النواب ورئيس حركة أمل نبيه بري لتسوية هذا الملف القضائي، تنص على أن يتولى مجلس النواب تفعيل ما نصت عليه المادة 80 من الدستور وهو “المجلس الأعلى ومهمته محاكمة الرؤساء والوزراء ويتألف من سبعة نواب ينتخبهم مجلس النواب وثمانية من أعلى القضاة اللبنانيين رتبة، وتصدر قرارات التجريم منه بغالبية عشرة أصوات”.

تحقق هذه المبادرة ما يريده الثنائي الشيعي من تنحية القاضي طارق بيطار عن توجيه الاتهام إلى الوزراء والنواب، ومنهم النواب علي حسن خليل ونهاد المشنوق وغازي وزعيتر، وكذلك رئيس الوزراء السابق حسان دياب، بينما يستمر بيطار في نظر القضية فيما يتعلق ببقية المتهمين من غير الوزراء والنواب. ويحقق هذا الأمر للثنائي الشيعي ضمان عرقلة مسار التحقيق بعض الشيء وما سينتج عن هذه الخطوة من خلاف أكبر بين الهيئات القضائية المختلفة.

وكذا، تمثل هذه المبادرة مخرجًا جيدًا لرئيس الوزراء نجيب ميقاتي الذي أكد أنه لن يتدخل في الملف القضائي، وسبق وأن أشار ميقاتي لهذا الحل في تصريح (3 ديسمبر) قائلًا “لدينا في الدستور المجلس الأعلى وهي محكمة كاملة متكاملة مؤلفة من 8 قضاة من أعلى رتب قضائية إضافة إلى 7 نواب”. إلا أن مسار تفعيل هذه المبادرة ليس معبدًا بالنظر إلى الخلاف وتعارض المصالح القائم بين التيار الوطني الحر وحركة أمل على خلفية أكثر من ملف من بينها ملف الانتخابات، وهو ما يجعل من المحتمل ألا يسهل تمرير هذه الخطوة داخل مجلس النواب. 

إجمالًا، مثّلت استقالة وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي بادرة لتحقيق نجاح مبدئي لوساطة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في حل الأزمة بين بيروت ودول الخليج العربي. إلا أنه من الصعب أن تحقق الاستقالة في حد ذاتها نجاحًا فيما يتعلق بإعادة العلاقات اللبنانية الخليجية إلى ما كانت عليه أو تسهيل انخراط خليجي في حل أزمات لبنان ولا سيّما الاقتصادية. فيما تشير معطيات إلى أن عودة مجلس الوزراء اللبناني إلى الانعقاد باتت ممكنة ولكنها مشروطة بمسار التسويات بين القوى اللبنانية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى