كورونا

ترقب حذر… ملامح التعاطي الدولي مع متحور “أوميكرون” الجديد

لم يكد العالم أن يتحرر من القيود الاحترازية التي فُرضت على مدار أكثر من عام لاحتواء الانتشار واسع النطاق لفيروس كورونا المستجد، وإعادة تدوير العجلة الاقتصادية بكامل طاقتها، ومواصلة الفاعليات الدولية، حتى وجد نفسه أمام متحور جديد أكثر قدرة على التفشي والانتشار “السلالة SARS-CoV-2 B.1.1.529″، المعروف باسم “أوميكرون”.

وهو ما يُرتب أعباءً إضافية على النظم الصحية المنهكة، ويفاقم من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المرتبطة بالوباء. وقد صنفت منظمة الصحة العالمية السلالة “أوميكرون” كمتغير مثير للقلق. وفي حين لم يتم الإبلاغ عن أي وفيات مرتبطة بها حتى الآن، لا يُعرف الكثير على وجه اليقين بشأن ما إذا كان أكثر عدوى، أو أكثر عرضة للتسبب في مرض خطير أو أكثر قدرة على التهرب من اللقاحات.

ما نعرف عن متحور “أوميكرون”؟

أُبلغت منظمة الصحة العالمية عن متحور “أوميكرون” -لأول مرة- من جنوب إفريقيا في 24 نوفمبر 2021 لا سيما في مقاطعة جوتنج التي تضم مدينتي جوهانسبرج وبريتوريا، حيث زادت الحالات الإيجابية في مقاطعة جوتنج من أقل من 1% إلى أكثر من 30% من العينات التي تم جمعها في الأسابيع الثلاثة الماضية.

ويشكل “أوميكرون” الآن 76% من جميع سلاسل SARS-CoV-2 في جنوب أفريقيا، مما يجعله البديل الأكثر انتشارًا في البلاد. وكانت أول عدوى مؤكدة معروفة لأوميكرون من عينة تم جمعها في 9 نوفمبر الماضي، ولا يزال عدد الحالات الناتجة عن هذه السلالة يتزايد في مقاطعات متعددة بالبلاد.  وتم اكتشاف تلك السلالة أيضًا في بوتسوانا في العينات التي تم جمعها يوم 11 نوفمبر. وبدءًا من 28 نوفمبر، تم اكتشاف حالات في العديد من البلدان. 

ويحتوي متحور “أوميكرون” على 50 طفرة منها أكثر من 30 على بروتين سبايك، ذلك الجزء المكشوف من الفيروس الذي يرتبط بالخلايا البشرية، بما يجعله أكثر قابلية للانتقال من متحور دلتا السائد حاليًا، وأكثر عرضة للتهرب من الحماية المناعية التي تمنحها لقاحات كورونا.

وبحسب عالم المناعة الحاسوبية ومؤسس شركة العلاج الأمريكية سينتيفاكس، جاكوب جلانفيل، فإن 15 طفرة كانت في منطقة “ربط المستقبلات” المسؤولة عن دخول فيروس SARS-CoV-2 للخلايا البشرية، وهو عدد أكبر من 3 طفرات فقط في تلك المنطقة مرتبطة بسلالة “دلتا”، وهو ما يضعف الاستجابة المناعية للجسم التي تم تحفيزها عبر العدوى السابقة أو اللقاحات المخصصة لمحاربة السلالة الأصلية التي تم اكتشافها للمرة الأولى في مدينة ووهان الصينية.  ووصف جيفري باريت، مدير مبادرة الجينوم في معهد ويلكوم سانجر، المظهر الجيني لأوميكرون بأنه “عينة غير مسبوقة من الطفرات من أربعة متغيرات سابقة مثيرة للقلق هي ألفا وبيتا وجاما ودلتا”.

وتعزز بعض الطفرات قدرة الفيروس على الارتباط بمستقبلات ACE2 على الخلايا البشرية، بما يساعد على الاندماج بالخلية ويسمح للفيروس بالدخول. وتغير بعض الطفرات مظهر بروتين سبايك مما يجعل من الصعب التعرف عليه، ويسمح للفيروس بالتهرب من الأجسام المضادة. 

ومن بين الطفرات العديدة أيضًا، فإن فقدان الأحماض الأمينية في الموضعين 69 و70 يجعل الفيروس معديًا مرتين مثل الفيروس الأصلي، ونظرًا لغياب هاتين الطفرتين في سلالة “دلتا” فإنه من السهل اكتشاف “أوميكرون” عبر اختبارات PCR. ويُعتقد أن مجموعة أخرى من الطفرات في “أوميكرون” في المواضع 655 و679 و681 من البروتين الشائك تساعد الفيروس على إصابة الخلايا البشرية بسهولة أكبر.

ويُثير المتحور الجديد تساؤلات بشأن فاعلية اللقاحات، إذ يقول جميع العلماء وصانعي اللقاحات إن الأمر قد يستغرق أسبوعين قبل أن يكون لديهم فكرة أفضل عن مدى فاعلية لقاحات جونسون وموديرنا وفايزر في الحماية من متحور “أوميكرون”، ومدى سهولة تهربه من الحماية.

لكن البيانات المبكرة القادمة من جنوب إفريقيا تُظهر أن المتغير الجديد يتسبب في ارتفاع معدل الإصابة بالعدوى بين الأشخاص الذين تلقوا دورة كاملة من مختلف لقاحات كورونا. ومن جهتها، أعلنت شركتا موديرنا وفايزر الأمريكيتان لصناعة الأدوية، والشركة الروسية المنتجة للقاح “سبوتنيك-V” أنها تعمل على لقاح خاص بأوميكرون.

خرائط الانتشار وآليات المواجهة

تم اكتشاف “أوميكرون” في 19 دولة على الأقل بما في ذلك أستراليا وبلجيكا وبوتسوانا وكندا وجمهورية التشيك والدنمارك وألمانيا وهونج كونج وإسرائيل وإيطاليا وهولندا والمملكة المتحدة والسويد والسعودية. وقد وجدت نتائج توصل إليها المعهد الصحي الهولندي RIVM السلالة “أوميكرون” في عينات يرجع تاريخها إلى 19 و23 نوفمبر. وبشكل عام، يوجد في جنوب إفريقيا العدد الأكبر من الحالات المؤكدة، بحوالي 100 حالة حتى الآن، واكتشفت بوتسوانا أربع حالات بما في ذلك واحدة من أولى الحالات المعروفة. 

فيما أكدت إسبانيا أول حالة إصابة لها يوم الاثنين لمسافر وصل من جنوب إفريقيا. وأبلغت بريطانيا عن 22 حالة من بينها ست حالات في إسكتلندا لم يتم ربطها بالسفر من جنوب إفريقيا وهو مؤشر على انتشار الفيروس في المجتمع. واكتشفت كندا ما لا يقل عن سبع حالات، وحددت البرتغال 13 إصابة، وارتفع عدد الإصابات في هولندا إلى 14 حالة جميعهم ​​من بين 61 راكبًا ثبتت إصابتهم بفيروس كورونا من بين 621 راكبًا على متن رحلتين وصلتا أمستردام من جنوب إفريقيا. وأعلنت السعودية رصد أول إصابة.

ولمواجهة التفشي المحتمل للمتحور الجديد، تبنت الدول مجموعة من الإجراءات الاحترازية، حيث حظرت مجموعة من الدول حول العالم الرحلات الجوية من جنوب إفريقيا، بما في ذلك مصر والسعودية وكندا والولايات المتحدة وأستراليا وتايلاند والبرازيل والعديد من الدول الأوروبية. وتشمل البلدان الرئيسة المستهدفة بالإغلاق جنوب إفريقيا وبوتسوانا وإسواتيني وليسوتو وناميبيا وزامبيا وموزمبيق ومالاوي وزيمبابوي، بينما حظرت اليابان وإسرائيل جميع الزوار الأجانب. 

وقالت أستراليا إنها ستؤخر إعادة فتح حدودها الدولية لمدة أسبوعين بعد الإبلاغ عن حالاتها الأولى بـ “أوميكرون”. بينما قررت بريطانيا إجراء اختبار PCR للأشخاص القادمين من الدول العشر المدرجة على قائمة السفر الحمراء -أنجولا وموزمبيق ومالاوي وزامبيا وجنوب إفريقيا وبوتسوانا وليسوتو وإسواتيني وزيمبابوي وناميبيا– خلال الأيام العشرة الماضية، مع عزلهم إجباريًا. 

وقررت فرنسا استئناف الرحلات الجوية مع دول أفريقيا الجنوبية اعتبارًا من السبت القادم، مع فرض قيود تسمح فقط بقدوم المواطنين الفرنسيين ومواطني الاتحاد الأوروبي ودبلوماسيين وطواقم الجو، على أن يخضعوا لفحص إلزامي لدى وصولهم والإبقاء في الحجر الصحي 7 أيام في حالة النتيجة السلبية و10 أيام في حالة النتيجة الإيجابية.

ومن ناحيتها، فرضت الهند إجراء اختبار إلزامي عند الوصول للمسافرين من عشرات الدول بما في ذلك جنوب إفريقيا وبريطانيا. وأفادت بولندا أنها ستحظر الرحلات الجوية إلى سبع دول أفريقية، وتمدد الحجر الصحي لبعض المسافرين، وتزيد من الحد من الأعداد المسموح بها في الأماكن المُغلقة مثل المطاعم. فيما قررت نيوزيلندا تقييد السفر من تسع دول في أفريقيا الجنوبية، وأصرت على أنها ستمضي قدمًا في خطط إعادة الفتح داخليًا بعد أشهر من الإغلاق. وأعلنت إسرائيل منع دخول جميع الزوار الأجانب، وحظر المغرب جميع الرحلات الجوية القادمة، وطلبت اليابان من شركات الطيران التوقف عن قبول الحجوزات الجديدة لمدة شهر.

وحذرت الصين من أن متحور “أوميكرون” من شأنه أن يسبب تحديات في استضافة دورة الألعاب الأولمبية الشتوية في فبراير المقبل في بكين، مع وصول الآلاف من الرياضيين ووسائل الإعلام والمشاركين من الخارج. بينما دعا وزراء الصحة في مجموعة السبع إلى “اتخاذ إجراءات عاجلة” للمكافحة.

وعلى صعيد المواجهة الصحية، شددت بعض الدول استراتيجية التلقيح الخاصة بها؛ فقد قالت اليونان إن اللقاحات ستكون إلزامية للأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 60 عامًا. وذلك بعد يوم من إعلان بريطانيا أن جميع البالغين سيكونون مؤهلين الآن للحصول على جرعة ثالثة من اللقاح، وأفادت النرويج أنها ستقدم جرعة معززة لجميع البالغين، فيما فتحت فرنسا برنامج التطعيم لكل من تزيد أعمارهم عن 18 عامًا. وفي المقابل، تسود تخوفات بشأن الانتشار السريع للسلالة في أفريقيا حيث انخفاض معدلات التطعيم، فقد حصل 7% فقط من الأفارقة على اللقاح بشكل كامل، وتم تطعيم 24% فقط من السكان في جنوب إفريقيا.

ختامًا، أصابت حالة اللا يقين المرتبطة بمتحور “أوميكرون” حالة من الارتباك بين دول العالم، فبينما قرر البعض الإسراع باتخاذ إجراءات احترازية مشددة بناء على الخبرات المكتسبة خلال موجات الانتشار السابقة، فضَّل البعض الآخر ترقب التقييمات العلمية المتوقع خروجها إلى النور خلال الفترة المقبلة. وعلى كل الأحوال فإن المتحور الجديد سيفاقم الأعباء التي أصابت القطاعات الاقتصادية كالطاقة والصناعة والبنية التحتية والسياحة، وسيكون الحل الأكثر فاعلية هو التكاتف العالمي من أجل مواصلة حملات التلقيح، خاصة في الدول النامية التي لا يزال معدل التلقيح لديها منخفضًا للغاية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى