مقالات رأي

الحدث الإثيوبي.. ومصير السد

بعدما أصبحت قوات المعارضة على مشارف العاصمة أديس أبابا، اعترف رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، بأن بلاده تمر بلحظاتها الأخيرة، داعيًا المواطنين إلى حمل السلاح وإنقاذها من الانهيار. على مدى عقود، قلّما حظيت إثيوبيا بالسلام الداخلي، وهو الآن أبعد منالًا، فمستقبلها على المحك، في غياب رؤية تجمع مكوناتها المتصارعة، وتتغلب قوى الطرد والفرقة على قوى الجذب والوحدة بين عرقياتها، وتبرز خلافات حادة في السياسات واللغات والعقائد والانتماءات العرقية، وباتت رعونة واستبداد رئيس الوزراء أكبر تهديد لوجود الدولة الإثيوبية.

أعطب آبي أحمد الفيدرالية الإثنية الوعاء الجامع للهويات المشكلة للحمة الدولة، دون ابتكار صيغة بديلة تكفل لها البقاء، بحيث صار هو أو أي من خلفائه عاجزًا عن دفع الصراعات العنيفة التي أراقت دماء عشرات الآلاف وألقت عشرة ملايين إثيوبي في فم المجاعة. 

الوضع بالغ التعقيد إذًا؛ لا يستطيع أي طرف حسم الصراع وتحديد قواعد اللعبة الجديدة؛ السيناريوهات كثيرة، وسواء تطورت الأحداث باتجاه سلام مؤقت لفترة محدودة بضغوط خارجية، غربية بالأساس، أو دخلت قوات المعارضة أديس أبابا– الزهرة الجديدة باللغة الأمهرية- وأزاحت آبي أحمد وحكومته، فإن شبح التشظي الإثيوبي يلوح في الأفق؛ حتى بافتراض تشكيل حكومة انتقالية من جبهتي تيجراي والأورومو، فإنهما لن تلبثا أن تتعاركا فيما بينهما أو مع الأمهرا أو غيرها من العرقيات. تحالفات هشة تهدد فيدرالية الدولة، وربما لا مخرج إلا الكونفيدرالية أو انفصال الأقاليم، فتكون دويلات متحاربة، تزيد الطين بلّة في القرن الإفريقي وحوض النيل.

يتحمل المجتمع الدولي جانبًا من مسؤولية ما يجري، إذ شجع تخاذله في قضية سد النهضة، أمام رئيس الوزراء الإثيوبي على أن يخوض في دماء شعبه بعد ذلك، ويزعزع استقرار المنطقة. وقد استفاق الغرب على الحقيقة المأساوية متأخرًا جدًا، وفشل الأمريكيون والأوروبيون، إلى اليوم، في تنفيذ مبادرة لوقف إطلاق النار وإيصال المساعدات الإنسانية ودفع أطراف النزاع إلى طاولة المفاوضات، في المقابل تسارع دول إقليمية لإنقاذ آبي أحمد وإمداده بالأموال والأسلحة، لاسيما الطائرات المسيرة، إذ تشير وسائل الإعلام الدولية إلى وصول 100 رحلة جوية لإثيوبيا لهذا الغرض.

بالطبع تؤثر مآلات الحدث الإثيوبي في استقرار القرن الإفريقي والمصالح الاستراتيجية لمصر، أغضب آبي أحمد المصريين بتعنته غير المبرر في قضية السد، ولا شك أنهم لن يحزنوا لغيابه عن المشهد، وبافتراض أنه أفلت من السقوط، تظل القلاقل السياسية والحرب الأهلية عاملًا جوهريًا في إضعاف موقفه بأزمة السد، وقدرة بلاده على إكمال المشروع في التوقيت المحدد.

أما لو نجحت المعارضة في إزاحته فإن الأمر يخضع لاحتمالين: الأول هو مواصلة التعنت في المفاوضات حتى لا تُتهم السلطة الجديدة بالخيانة أو التساهل مع القاهرة، وهو الأرجح، الثاني هو أن يدفع اختمار الظروف الداخلية والإقليمية والدولية حكام أديس أبابا الجدد إلى اتفاق ملزم للإدارة المشتركة للسد، يراعي شواغل مصر والسودان. 

أما السيناريو الأخير فهو استمرار الوضع الحالي بين الفرقاء الإثيوبيين، لا غالب ولا مغلوب، لتتجمد مفاوضات السد، بينما تتواصل أعمال البناء به، وفي كل الأحوال يظل سد الخراب ورقة سياسية بأيدي المجموعات العرقية، بوصفه مشروعًا يوِّحد الفسيفساء العرقية، ما قد يعني مزيدًا من التشدد.

ولابد من الاعتراف هنا بأن الدعاية المضادة لمصر من جانب حكام إثيوبيا، بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية، تصور القاهرة مصدرًا لمتاعب مزمنة لأديس أبابا، وأنها تريد الهيمنة على النيل بحصة 55 مليار متر- تهطل على الحبشة نحو 1000 مليار متر سنويًا- وبرغم كل ما سلف فإن الصورة ليست قاتمة، ذلك أن تردي الأوضاع في إثيوبيا، لابد أن يتردد صداه بقوة في قضية السد، ما قد يعطي فرصة حقيقية لمصر، لإعادة ترتيب أوراقها، والتحرك في مسارات بديلة تصب في مصلحتها، وتجعل الجميع في الداخل الإثيوبي والجوار الإقليمي يدركون الثمن الفادح لمحاولة تجاوز خطوطها الحمراء.

أدرك أن الأمر ليس سهلًا أو هينًا؛ لكن المؤكد أنه في الظروف الراهنة لن نعدم طرفًا بصيرًا أو أطرافًا في النخب الإثيوبية، يريد فتح صفحة جديدة مع القاهرة والخرطوم، خاصة لو تم التواصل معه من وراء حجاب؛ لضمان الحق في التنمية لإثيوبيا أو ما تبقى منها، والحق في الحياة لمصر والسودان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى