الصحافة الدولية

هل يتخلى بوتين عن شبه جزيرة القرم.. لأجل الـ G7.. نظرة على تشابكات الصراع في الجزيرة

روسيا وقمة الـدول الصناعة الكبرى.. ما بين استبعاد إجباري واحتمالات عودة، تتقاذف أنباءها وكالات الصحافة العالمية كل يوم وسط آراء متباينة من قادة دول المجموعة حول هذه الخطوة.

 تارة يمهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لاستعادة روسيا إلى القمة حتى لا تنصرف نحو الصين بدلاً عن المعسكر الغربي، وتارة أخرى يُعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن عودة روسيا إلى القمة مجددا تعتبر بمثابة أمرا إيجابيا، ثم سُرعان ما يجتمع قادة المجموعة ويعلنوا للعالم أنه لايزال من المبكر عودة الدب الروسي إلى طاولة الـ G7.

بينما تصر أوكرانيا على أن عودة روسيا إلى المجموعة لا يمكن أن تتم إلا في حال تخليها عن القرم وإعادة رفع العلم الأوكراني على شبه جزيرة القرم وإنهاء النزاع في دونباس، والإفراج عن مواطني أوكرانيا المحتجزون لديها.وهكذا يبدو أن المعسكر الغربي جنبًا إلى جنب يتمسك باستعادة شبه جزيرة القرم إلى الصفوف الأوكرانية مجددًا. بينما لا تُظهر روسيا أي بوادر توحي بإمكانية تنفيذ هذا المطلب، ولكن ما هو السبب الذي يدفع دولة مثل روسيا يبلغ إجمالي مساحتها 17.098.242 كم2 إلى التمسك بهذه البقعة؟

                       أهمية شبه جزيرة القرم بالنسبة لروسيا

من الجانب العسكري والاستراتيجي، تقع شبه جزيرة القرم في موقع فريد وسط البحر الأسود، أي أن من يفرض سيطرته على هذه الأرض يتمتع بميزات استراتيجية لا يمكن انكارها على مساحة ممتدة في المنطقة بأكملها. وبحكم الطبيعة الجغرافية، فإن خلجان القرم تعتبر هي الأكثر ملائمة على ساحل البحر الأسود بأكمله. ويعتبر الخليجان “سيفاستابول وبالاكالافسكي” بمثابة خلجان مؤمنة بشكل طبيعي بسبب مجاري المياه الضيقة، التي من الممكن أن يتم اغلاقها بالكامل باستخدام قوات عسكرية محدودة العدد. ويستقر الأسطول البحري الروسي بشكل رئيسي في خليج سيفاستابول، هذا بالإضافة إلى الأرصفة البحرية المجهزة والمُعدة بشكل فريد من نوعه، بالفعل منذ زمن الاتحاد السوفيتي. كما أن المنطقة تتميز بمرتفعات يمكن استخدامها بمثابة نقاط دفاعية موثوقة للقاعدة العسكرية الروسية هناك.

فيما يتعلق بتجهيزات خليج بالاكالافسكي، فإنه مزود بقاعدة عسكرية “تحت الماء” من طراز” 825 جي.تي.سي”، وكانت هذه الوحدة مصممة لأجل إيواء وإصلاح وصيانة الغواصات، بالإضافة إلى قدرتها الاستيعابية على تخزين الذخيرة والوقود اللازم لهذه الغواصات، والوحدة موجودة على طول 602 مترًا داخل القناة المائية، وتمتلك قدرات دفاعية تؤهلها للصمود أمام ضربة مباشرة بقنبلة ذرية بقوة 100 كيلو متر. ولا يمكن إنكار حقيقة أن هذه المنشأة قد تعرضت للسرقة والنهب في خلال فترة التسعينيات، وأنها كانت بحاجة الى تكاليف باهظة لأجل إصلاحها، ولكن هذه التكاليف لا تقارن مع تكلفة نقل القاعدة العسكرية بأكملها إلى نوفورسيسك وهي التكاليف التي تقدر بشكل أولي بـ 92 مليار روبل.

             كيف انضمت شبه جزيرة القرم إلى روسيا؟

عانت كييف من أزمة سياسية منذ نوفمبر 2013، كان السبب الرئيسي وراء اندلاعها هو قيام الحكومة الأوكرانية بتأجيل التوقيع على وثيقة تُعلن الارتباط بين أوكرانيا والاتحاد الأوروبي. ومن المعروف أن البلاد كانت وقتها تعيش في ظل قيادة الرئيس فيكتور يانوكوفيتش، والمعروف بموالاته للنظام الروسي، الذي كان وبطبيعة الحال لن يقبل أبدًا أن يتم عقد أي ارتباطات مع الغرب من شأنها أن تشكل تماس مع المصالح الروسية في أوكرانيا. والتي تأتي القواعد العسكرية الروسية في شبه جزيرة القرم على رأس هذه المصالح، التي سوف تكون أوكرانيا قد وضعتها قيد التهديد بمجرد انضمامها الى حلف الناتو، الذي يشترط قبيل انضمام أي دولة له أن تخلو أراضيها من أي قواعد عسكرية أجنبية أخرى.

في 2014، اندلعت الاحتجاجات وارتفعت وتيرتها بشكل كبير حتى خرجت عن دوافعها الأصلية وطبيعتها السلمية، وتأجج الوضع وبدأت الاشتباكات تأخذ شكلاً دمويًا، من خلال استخدام قنابل المولوتوف والحجارة والأنابيب المعدنية والأسلحة النارية ضد رجال الشرطة، مما أسفر عنه سقوط ضحايا من الجانبين. وفي 21 فبراير، وقعت السلطات وزعماء المعارضة اتفاقًا شمل العودة إلى دستور 2004 الذي يتضمن بنودًا تعمل على الحد من صلاحيات الرئيس وتشكيل حكومة وحدة وطنية واجراء انتخابات رئاسية بينما تعهدت السلطات والمعارضة بالتوقف عن استخدام القوة.

وفي اليوم التالي، أي بعد مرور يوم واحد فقط من الاتفاق مع المعارضة، رفض مسئولون أوكرانيون قبول الاتفاق، وتلا هذا الرفض استيلاء المتطرفون على مباني البرلمان الأوكراني، والرئاسة، والحكومة، ووزارة الشئون الداخلية. وترتب على ذلك أن تم عزل الرئيس وقيادة البرلمان ووزير الشئون الداخلية الأوكراني. وبمجرد سقوط الرئيس والحكومة الموالين له في أوكرانيا، لم يتردد بوتين أن يتحرك على الفور للدفاع عن مصالح بلاده في منطقة تمثل أهمية استراتيجية بالنسبة له، واتخذ على الفور قرار ضم شبه جزيرة القرم الى روسيا.

هل يتخلى بوتين عن شبه جزيرة القرم لأجل العودة إلى أحضان الـ G7   وانهاء العقوبات؟

في مقارنة بسيطة بين أهمية شبه جزيرة القرم بالنسبة لروسيا وحجم العقوبات الواقعة عليها والربط بين عودتها مرة أخرى إلى الـ G7   مقابل تخليها عن شبه جزيرة القرم، يمكن الجزم بأن كفة الاحتفاظ بالقرم بالتأكيد سوف ترجح لدى بوتين. خاصة في ظل عدم وجود أي مقاومة ضده من قِبَل سُكان شبه جزيرة القرم، الذي يتمتع أغلبهم بهوية روسية صميمة وقناعة راسخة نشأت بداخلهم عبر سنوات بأن القرم في الأساس هي جزء من روسيا. هذا بالإضافة إلىأن خروج روسيا من القرم يعني بالطبع تسليمها الى الناتو في المستقبل القريب جدًا، وهو الأمر الذي سوف تسعى بكل قوتها لمنع حدوثه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى