إيران

جولات عجاف: إلى ماذا ستتوصل الأطراف المجتمعة في فيينا لبحث الملف النووي الإيراني؟

انطلقت اليوم الاثنين الجولة السابعة من مفاوضات فيينا بين طهران و “مجموعة 5+1” الموقعة على خطة العمل الشاملة المشتركة في 2015، وهو الاتفاق الذي كان قد أقر بعض المبادئ منها: تحديد نسبة تخصيب اليورانيوم بالنسبة لإيران، إضافة للسماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالقيام بزيارات تفتيشية للمنشآت النووية الإيرانية. وذلك قبل أن تنسحب الولايات المتحددة من الاتفاقية بقرار أحادي في عام 2018؛ الأمر الذي نجم عنه تخلي إيران بدورها عن الالتزام بالمبادئ المعلنة في الاتفاق ومن هنا قامت برفع مستوى تخصيب اليورانيوم حتى وصلت به إلى 60%، وعرقلت عمل مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية. مما أتاح تفعيل آلية ” سناب باك” والتي كانت متضمنة في الاتفاق وتعطي الحق للدول الأخرى الموقعة بإعادة فرض العقوبات على إيران في حال خرقها للمبادئ المعلنة، حيث يكتفى ببلاغ واحدة من الدول الموقعة على الاتفاقية.

مسوغات ترامب

يلقي البعض باللائمة على انسحاب ترامب من الاتفاق، ويصفون فعلته بأنها كانت المحرك الأساسي الذي دفع طهران للعودة لممارسات نووية محظورة. في حين أن الحقيقة هي أن خطة العمل المشتركة كانت من الأمور التي وفرت لطهران تستمر تحته في ممارساتها بل وتقوم بتطوير قدراتها الصاروخية في الوقت الذي تستفيد فيه من تخفيف العقوبات وعلاقات تجارية جيدة مع مجموعة “5+1”.

ولذلك عدّت الولايات المتحدة نفسها خاسرة، ووصف ترامب الاتفاق بأنه الصفقة الأسوأ التي تتمها الولايات المتحدة في تاريخها. ولذلك طالبت الإدارة الأمريكية في وقتها بمراجعة الاتفاق مع التأكيد على أن البرنامج “الباليستي” الإيراني لا يمكن فصله عن الشأن النووي، وهو الأمر الذي رفضته طهران جملة وتفصيلًا لأنه ليس من السهل أن تتنازل عن مكتسباتها من اتفاق 2015 في الوقت الذي أعلنت فيه باقي الدول الموقعة استمرار التزامها بالاتفاق.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\4c154293-25c4-4b99-9ec2-d63259c370f3_16x9_1200x676.jpg

وكانت المفارقة في أن طهران قامت بإملاء شروطها على القوى الأوروبية في آلية التعاملات المالية مع البنوك، ولوحت بأنه في حال عدم التزام الدول الأوروبية بالأمر فإنها سترفع تخصيب اليورانيوم إلى مستوياته السابقة. ولكن واشنطن منفردة وبدفع من رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق “بنيامين نتنياهو” والذي استعرض وثائق في عام 2018 تؤكد قيام إيران بتطوير تقنية نووية للاستخدام “غير السلمي”- قامت بإعادة فرض العقوبات الاقتصادية على طهران إلى حد تصفير صادراتها من النفط، وإن بقيت الأخيرة على مقدرة بتصديره وإن كان بطرق ” غير شرعية”.

العودة للخروقات

بعد اتخاذ الولايات المتحدة قرارًا أحاديًا بالانسحاب من الاتفاق عادت طهران لممارسة خروقاتها في يوليو 2019، فبدأت برفع مستوى تخصيب اليورانيوم إلى مستويات أعلى من تلك التي استقر عليها في الاتفاق. وفي يناير 2020 أعلنت إيران التخلي عن كل التعهدات الملزمة لها في الاتفاق والمتعلقة بأجهزة الطرد المركزي. وفي ذلك التوقيت وجدت القوى الأوروبية أنها بحاجة لإبداء بعض المرونة، فقامت بتفعيل آلية التبادل التجاري “آنستيكس” لتسليم طهران معدات طبية تؤهلها لمواجهة فيروس كورونا.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\Doc-P-879724-637709399799524280.jpg

ومنذ ذلك الوقت، هناك عمليات شد وجذب انتهت بأن أقدمت إيران على منع مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية من الوصول لمنشآتها في يناير 2021، وهو ما حدا بالإدارة الأمريكية في فبراير من العام الجاري برفع الستار عن ثلاث مبادرات تهدف إلى إعادة إحياء الاتفاق النووي. 

وشهدت الأمور بوادر انفراجة عندما وافقت واشنطن على دعوة وجهها لها الاتحاد الأوروبي بالمشاركة في محادثات “غير مباشرة” تكون إيران طرفًا فيها لإعادة إحياء الاتفاق النووي. وبالفعل انطلقت الجولة الأولى من المفاوضات في أبريل من العام الجاري في مدينة فيينا، ولكن بعد أيام أعلنت طهران أنها سترفع مستوى التخصيب إلى 60%، مما مثل تناقضًا صارخًا مع خيار التفاوض. وهو ما نجم عنه توقف العملية التفاوضية رسميًا في يونيو من العام الجاري دون تحقيق أي اختراق يبنى عليه في ست جولات كاملة. 

عود ” ليس أحمد”

في الفترة من يونيو وحتى أكتوبر من العام الجاري تمكنت إيران من اختراق المزيد من المبادئ المعلنة في خطة العمل المشتركة وبشكل “سريع” أثار القلق حسب تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية. إلى الحد الذي دفع واشنطن إلى الدعوة علنًا للعودة لفيينا في 23 أكتوبر2021. حيث تم الإعلان عن توافق القوى المشاركة في خطة العمل المشتركة للعودة لمائدة المفاوضات في 3 نوفمبر الجاري.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\583a25c9-1164-49dc-91ec-b8a1ab4e7196.jpg

وبالفعل شرع الوفد الإيراني بقيادة كبير المفاوضين على باقري في عقد جولات مكوكية في محاولة لاستمالة الأطراف وتسجيل النقاط قبل الاستئناف الفعلي للمفاوضات في وقت تسود فيه حالة من التشاؤم حول الجولة السابعة؛ على خلفية مطالب غير منطقية وضعتها طهران على المائدة، وكأنما أرادت التأكيد على أن التفاوض بلا جدوى قبل أن يبدأ. 

فليس من المعقول أن القوى الأوروبية حتى بوصفها الطرف الأكثر مرونة ستقبل برفع جميع العقوبات عن إيران في الأثناء الذي تستمر فيه الأخرى بتطوير برنامجها بل وعرقلة عمل مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية. بل أنه يمكن في هذه الحالة أن يفقد الأوروبيون الأمل في إمكانية تحقيق أي تقدم عن طريق الخيار التفاوضي تاركين الخيارات مفتوحة.

اتفاق مؤقت

على صعيد الولايات المتحدة، فقد بدا وكأنما يئست من الخيار التفاوضي حتى قبل بدء الجولة الحالية من المفاوضات اليوم في فيينا؛ إذ قامت بطرح تصور تلخص في إمكانية عقد اتفاق مؤقت مع الإيرانيين بدلًا من إضاعة الوقت.

وفي هذا الإطار، تذهب القوى هذه المرة إلى فيينا وقد تعلمت من أخطائها، فواشنطن التي تسعى لاتفاق مؤقت والذي يتضمن عرضًا بتخفيف العقوبات على طهران مقابل التجميد الجزئي لبعض خروقاتها النووية ربما استمعت إلى الأصوات الإسرائيلية التي نادت بأن العودة إلى فيينا بنفس المعطيات وتوقع نتائج أفضل إنما يمثل خطأ جديدًا يضاف إلى الخطأ الذي وقع في 2015 عند توقيع الاتفاق.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\000_9EU2D2.jpg

فقد اتجه وزير الخارجية الإسرائيلي في زيارة إلى القارة الأوروبية يوم الأحد الماضي عقد خلالها اجتماعات مع البريطانيين والفرنسيين قبيل استئناف المفاوضات؛ إذ أرادت تل أبيب دق ناقوس الخطر وتذكير الأوروبيين بإخفاقاتهم. وفي هذا السياق تبدو إسرائيل الأكثر فهمًا للتحركات الإيرانية؛ لأن المفاوضات في فيينا تم تعليقها بناء على طلب إيراني بررته بعملية انتقال السلطة إلى الرئيس الحالي “إبراهيم رئيسي” وحسب صحيفة الوفاق الإيرانية فقد كان ذلك مجرد ستار موضوعي أما السبب المستتر فهو تحقيق تقدم في الممارسات النووية في إيران لتوظيفه كورقة ضغط في المفاوضات القادمة لأن طهران طالما نظرت للتفاوض بوصفه أداة وظيفية وليس أداة للحل.

ثقة مفقودة

يشير مراقبون إلى المزاج الكئيب الذي يسيطر على المفاوضين بشأن الجولة الحالية للمفاوضات في فيينا، وذلك لأنها تنطلق وسط حالة من تراجع الثقة بل انعدامها بين الأطراف؛ انعكس على الولايات المتحدة عندما ذهبت للحديث عن اتفاق مؤقت، وانعكس على طهران في تقديم مجموعة من المطالبات غير المنطقية، وهي رفع العقوبات والعودة للاتفاق وتوفير ضمانات تؤكد عدم الانسحاب من الاتفاق بشكل أحادي مرة أخرى. إذ تبدو هذه الحالة من غياب الثقة مفهومة بين دولتين انقطعت بينهما العلاقات الدبلوماسية على مدار أربعة عقود، وحتى المفاوضات الحالية فهي تجري بحضور الطرفين ولكن دون مباشرة في الحديث.

C:\Users\Nermeen.Saeed.ecss\Desktop\البحر الأحمر\EPfx8hKUwAABLw4.jpg

على جانب آخر فإن هناك العديد من الأطراف المعارضة للعودة لخطة العمل المشتركة، من ضمنها أصوات من داخل إيران والولايات المتحدة إضافة إلى الرفض الإقليمي للأمر بتزعم من السعودية التي انعكس قلقها في الذهاب إلى محادثات مع إيران لم تستقر بشأنها الأمور حتى الآن، وإن عُد ذلك تحولًا في السياسة الخارجية للمملكة وإيران في آن واحد.  

ولكن في الوقت الذي أصبحت فيه الأطراف الإقليمية أكثر انفتاحًا على خيارات مختلفة، ظهر التعنت وسط الأطراف المجتمعة في فيينا؛ ربما لأن الجميع هناك ينطلق من نفس النقطة التي تقر أخطاء الماضي والتي كان على رأسها “المرونة” والتحول لصالح حلول أكثر جذرية تحميها ضمانات تقر بمصالح جميع الأطراف وإلا فإن الخيار العسكري ربما يكون الضامن الوحيد لعدم تحول إيران لقوة نووية وهو ما صرح به  قائد القيادة المركزية الأمريكية، كينيث ماكينزي، حينما أدلى لمجلة “التايم” الأمريكية بتصريح جاء فيه “إن إيران باتت قريبة جدًا من صنع سلاح نووي، مضيفًا أن قواته مستعدة لخيار عسكري محتمل في حال فشل المحادثات بين القوى العالمية وإيران”. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى