أفريقيا

تبعات خطرة.. كيف يدفع “آبي أحمد” القرن الأفريقي إلى الهاوية؟

وصلت ديناميكيات الحرب الأهلية في إثيوبيا إلى مرحلة حرجة في الأسابيع الأخيرة، حيث واصلت الوحدات المشتركة لجبهة تحرير شعب تيجراي وجيش تحرير أورومو؛ تقدمها باتجاه العاصمة الإثيوبية أديس أبابا من أربعة محاور رئيسية. شكّلت هذه المحاور ما يشبه “الطوق” حول العاصمة، والذي يضيق بمرور الوقت واضعًا القوات الفيدرالية الإثيوبية أمام موقف ميداني سيئ، لا يُمكنها من الدفاع عن أديس أبابا وتباعًا يهدد بسقوطها خلال الأسابيع القادمة، فيما لو استمرت وتيرة الميدان بالتغير لصالح جبهة تحرير شعب تيجراي وجيش تحرير أورومو. 

نقطة التحول.. (ديسي – كومبولشا)

على الرغم من العودة الميدانية السريعة لوحدات جبهة تحرير شعب تيجراي منذ من يونيو الماضي، حيث نجحت في تدمير فرقتين للقوات الفيدرالية الإثيوبية أثناء سيطرتها على عاصمة إقليم تيجراي “ميكللي”؛ إلا أن الحرب الأهلية في إثيوبيا قد اخذت منعطفًا حرجًا بسيطرة قوات جبهة تيجراي وجيش تحرير أورومو على مدينتي (ديسي – كومبولشا) في عملية مشتركة نهاية أكتوبر الماضي.

فبعد السيطرة على هاتين المدينتين، بات الطريق إلى أديس أبابا ممهدًا، حيث بلغت المسافة التي تفصل مقاتلي جبهة تحرير تيجراي وجيش تحرير أورومو، عن العاصمة أديس أبابا لا تقل عن 250 كم ممثلة في أربعة مدن متبقية.

وعليه، تحولت مدينتي “ديسي – كومبولشا” لقاعدة انطلاق جديدة للمجهود الحربي المناوئ لقوات آبي أحمد، وطوّرت الوحدات المشتركة لجبهة تيجراي وجيش تحرير أورومو هجومًا جديدًا انطلق في ثلاثة محاور رئيسية، المحور الأول ينطلق إلى بلدة “باتي”، والثاني باتجاه بلدة “جاما”، والثالث صوب بلدتي “ديربي سينا”، و “ديربي برهان” قبالة العاصمة أديس أبابا.

كان هذا التطور الميداني الأبرز الذي وضع المشهد الإثيوبي في صدارة المستجدات الإقليمية، حيث:

  • بدأت البعثات الديبلوماسية في إجلاء موظفيها ورعاياها: إذ أعلنت الأمم المتحدة بدء إجلاء عائلات موظفيها 25 نوفمبر، فيما دعت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا رعاياها إلى مغادرة إثيوبيا فورًا وحتى على متن الرحلات التجارية.
  • لجوء آبي احمد للشرق في “عفر”: حيث أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي أنه يتوجه إلى “جبهة القتال” في “عفر” لقيادة قواته. وتتميز هذه الجبهة بتحقيق سمة “العمق” الاستراتيجي في المعارك الدائرة، إذا ما قورنت بجبهة العاصمة أديس أبابا التي باتت في مرمى أهداف جبهة التيجراي وجيش تحرير أورومو. كما لدى جبهة “عفر” قاعدة سمّرا الجوية مقر “الدرونز” العاملة ضمن قوات آبي أحمد وبها أغلب المروحيات القتالية المتبقية. 

تتسارع التطورات الميدانية، بشكل دفع الأجهزة الأمنية لدى الأمم المتحدة والقوى الدولية إلى البدء الفعلي في الاستعداد لسيناريوهات انهيار النظام الفيدرالي الإثيوبي الحالي، على صعيد العسكرية والعقد الاجتماعي الجامع لأكثر من 80 قومية إثيوبية، ما يلقي بظلاله على واحدة من أهم المناطق الاستراتيجية في القارة الأفريقية وهي منطقة القرن الأفريقي، إذ يمثل مناخ الاستقرار فيها قضية مفصلية في الاستراتيجية العسكرية الإقليمية لمجموعة من القوى المتوسطة والصاعدة في النظام الدولي، وفي الاستراتيجية العسكرية الأمريكية للانتشار عبر العالم على وجه الخصوص.

فالقرن الأفريقي يمثل موقعًا استراتيجيًا لعقيدة الانتشار العسكري الأمريكي الديناميكي، بنمط “تأمين رؤوس الجسور”، وذلك لتأمين الممرات والمضائق البحرية الهامة، بتشكيلات وأصول بحرية وجوية ثابتة، علاوة على غنى القرن الأفريقي بالصراعات والعرقية المتداخلة، والتي تعبر حدود الجغرافيا الوطنية لتستقر في بيئات تعتنق “القبلية” و “العرقية” كإطار قومي جامع لمصالحها وقضاياها. مما يضع المنطقة في القلب من المصالح الأمريكية في القارة الأفريقية وخطوط الملاحة الدولية.

فضلًا عن وجود امتدادات قبلية وعرقية تتخطى الداخل الإثيوبي لتصل إلى مستوى من “الخطاب والمزاج الانفصالي”، قد يجعل من الحدود السياسية الحالية لبعض دول القرن الأفريقي أمام تحدِ تاريخي، وعليه يمكن تحديد تداعيات انفلات الحرب الأهلية الإثيوبية على منطقة القرن الأفريقي في النقاط التالية:

  • موجات نزوح مليونية: تعد إثيوبيا ثاني أكبر دولة إفريقية سكانًا، والمرتبة الأولى في دول شرق إفريقيا بإجمالي 118 مليون نسمة. وقد أدت الحرب الاهلية حتى الآن إلى حدوث موجات نزوح جماعية في شمال إثيوبيا باتجاه السودان. 

وبحسب بيانات المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، نزح أكثر من مليون شخص بسبب الصراع في شمال البلاد. حيث أفاد البيان الصادر من المنظمة الأممية، أن أكثر من مليون شخص نزحوا عبر 178 موقعًا يمكن الوصول إليها في منطقة تيجراي الإثيوبية وعفر وأمهرة المجاورتين، وفقًا لبيانات مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة. وتجدر الإشارة أن هذه الإحصائية تأتي في ظل وجود العديد من المناطق في الأجزاء الشمالية الغربية والوسطى والشرقية والجنوبية في منطقة تيجراي بعيدة عن متناول الشركاء الإنسانيين بسبب استمرار انعدام الأمن. ومع توسع جبهة القتال لتضم أقاليم عفر وأمهرا وأوروميا تحديدًا، تتصاعد احتمالات حدوث موجات نزوح أخرى تجاه كينيا وجنوب السودان والصومال. 

  • استغلال الجماعات الإرهابية لحالة السيولة الأمنية: بدا لافتًا تصاعد قدرة الجماعات الإرهابية في منطقة شرق إفريقيا ليس فقط على إعادة التموضع والانتشار في المناطق الرخوة، ولكن على تنفيذ العمليات الإرهابية النوعية. حيث نفذت حركة شباب المجاهدين الصومالية هجومين نوعيين، الأول كان في إبريل الماضي، وفيه تم الهجوم على قاعدتين عسكريتين للجيش الصومالي، كما استهدفت الحركة قافلة عسكرية توجهت لدعم القاعدتين عقب الهجوم عليهما، وادعت الحركة سيطرتها على المركز العسكري في بلدة بريري. فيما أعلن الجيش الصومالي مقتل 45 مسلحًا من حركة الشباب. وكان الهجوم النوعي الثاني في يونيو الماضي، حيث لقى نحو 30 شخصًا حتفهم في هجوم شنته حركة الشباب الصومالية على بلدة بولاية جلمدج شبه المستقلة، وفق ما أفاد به مسؤول عسكري. وتجدر الإشارة إلى إسناد الولايات المتحدة وهيئة الأمم المتحدة أدوار قتالية للجيش الإثيوبي في جهود مكافحة الإرهاب وحفظ السلام في شرق إفريقيا، ما يلقي الضوء على ضعف الجهوزية الأممية الحالية لمواجهة سيناريوهات توظيف الجماعات الإرهابية والشبكات الإقليمية الراعية لها، لحالة السيولة الأمنية المحتملة. وهو ما يفسر حركة الطيران العسكري الأمريكي خلال الأسابيع الماضية من وإلى قاعدة ليمونيه في جيبوتي، إذ نفذت القوات الأمريكية عمليات دعم لوجيستي بهدف رفع الاستعداد العسكري للعناصر الأمريكية المنخرطة في تأمين منطقة شرق إفريقيا. 
  • تهديد ضبط التدخلات الإقليمية والصراع على الموانئ: يمثل ساحل شرق إفريقيا هدفًا استراتيجيًا للقوى الإقليمية المتنافسة على الدولة المركز في الإقليم، وبعض الفواعل الدولية الأخرى الباحثة عن تموضع جديد في هذه المنطقة ضمن سياقات التنافس مع الولايات المتحدة، كالصين وروسيا. بيد أن بعض القوى الإقليمية المتنافسة في شرق إفريقيا تشترك في توظيف الفواعل العنيفة من غير الدول ضمن أدوات صراعها، ببُعدها الطائفي والأيديولوجي. فعلى سبيل المثال يُعد وصل ساحل شرق إفريقيا بالصراع السعودي الإيراني تهديدًا للتواجد العسكري الأمريكي في المنطقة برمتها، كما سيدفع ذلك بعض القوى الإقليمية لاستهداف الأصول العسكرية (قواعد + مطارات + موانئ) للقوى الإقليمية الأخرى المناوئة، كما هو مرجح في حالة الصراع الإيراني – الإسرائيلي. 

وعليه، تمثل النقاط الثلاث السابقة محاولة لاستقراء أبعاد التهديد المحتمل لمنطقة القرن الأفريقي الهامة استراتيجيًا، حال انفلت العقد الاجتماعي لإثيوبيا الفيدرالية جراء سياسات آبي أحمد، وحال انفلتت الحرب الأهلية الجارية، لمستوى جديد كليًا من التفكك والانهيار يختلف عما واجهته الميادين السورية والعراقية والليبية خلال عقد من الزمان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى