ليبيا

الأبعاد والتداعيات المحتملة لاستقالة المبعوث الأممي إلى ليبيا

سيقت ملابسات عدة حول استقالة المبعوث الأممي إلى ليبيا يان كوبيش في 23 نوفمبر الجاري، منها تصريحات نُقلت عن دبلوماسيين غربيين تتعلق بعدم رغبته في نقل مقر البعثة إلى طرابلس بدلًا من جنيف. وتم التلميح أيضا إلى أنه يتعرض لضغوط لم يتم الكشف عن طبيعتها. لكن لم تُذكر الدوافع الحقيقية وراء الاستقالة، وأشير نقلًا عنه أنه يحتفظ بها لنفسه. 

وفى واقع الأمر، فإن هذا المشهد يستدعي إلى الأذهان موقف المبعوث السابق غسان سلامة الذي استقال في مارس 2020 لأسباب صحية. وبغض النظر عن مدى صحة هذا الدافع بالنسبة لسلامة الذي ألمح مؤخرًا إلى وجود أخطاء في هندسة عملية الانتقال السياسي الليبي، فإن الفارق في الحالتين هو أن استقالة سلامة جاءت في المرحلة الانتقالية ما بين نهاية حرب طرابلس وبداية العملية السياسية التي انطلقت عمليًا في أعقاب إعلان القاهرة (6 يونيو 2020) واتفاق وقف إطلاق النار (أكتوبر 2020)، وتولت نائبته ستيفاني ويليامز إدارة البعثة، مع تشكيل الملتقى السياسي، وصولًا إلى اختيار حكومة الوحدة الوطنية في جنيف (مارس 2021) أي بعد عام من استقالة سلامة، بينما تأتي استقالة كوبيش في المرحلة التي يفترض أن تشكل الفصل الزمني الأخير في المرحلة الانتقالية بإتمام عملية الانتخابات، وهي لحظة حرجة للغاية. 

وبخلاف مرحلة ما بعد سلامة التي تولتها نائبة البعثة ستيفاني، فإن الأمم المتحدة رشحت مباشرة بالتزامن مع الإعلان عن الاستقالة البريطاني نيكولاس كاي، وهي مؤشرات لافتة سواء ما يتعلق باللحظة الحرجة التي يستقيل فيها كوبيش والخليفة “كاي”. وهو ما ينقل المشهد إلى السيناريو التالي، الذي يرتبط في حقيقية الأمر بتعقيدات المشهد السياسي الليبي، لاسيما المشهد الانتخابي وتحديدًا الانتخابات الرئاسية. وهو مشهد يدل على حجم الضغوط التي تعرض لها كوبيش ودفعته إلى الاستقالة كونه أكثر من يدرك التداعيات المحتملة إذا ما استمر المسار الحالي على ما هو عليه.  

فمن المرجح أن استمرار العمل بالخطة الحالية للانتخابات قد يقود إلى مشهد أكثر تعقيدًا ربما يعيد إنتاج الصراع في المشهد الليبي بشكل أو بآخر، بناء على مؤشر رئيس يرتبط بتنافس مراكز القوى الحالية الموجود على الساحة، والتي تشكلت عبر مسار الأزمة، من الشرق والغرب، من رجال السياسة والمال والأعمال والعسكريين.. إلخ. وكل مركز قوة يعبر عن مشروع مختلف عن الآخر.

وبالتالي هناك مشروعات متصارعة على الفوز بمنصب الرئيس، ومن الأهمية بمكان الإشارة في هذا الصدد إلى المادة 15 من القانون الرئاسي، والتي تمنح الرئيس صلاحيات مركزية في السلطة غير مسبوقة، بالإضافة إلى أن عملية انتخاب الرئيس في ليبيا ستكون هي السابقة الأولى من نوعها، وهو ما يضاعف من صعوبة المسار المقبل وتحدياته. فربما لو كانت الصلاحيات أقل من ذلك، أو لم يتم اعتماد نظام رئاسي كان الأمر قد اختلف كثيرًا. 

فى السياق ذاته، كانت هناك إشارات واضحة من رئيس البرلمان تلتها إشارات مماثلة من العديد من النواب بأن هناك صعوبات في إعادة فتح قانون الانتخابات مرة أخرى، لكن كانت المفوضية العليا للانتخابات لديها وجهة نظر مختلفة في التعقيب على هذه التصريحات بالإشارة إلى أنه لا تزال هناك فرصة، وتحديدًا أشارت إلى إمكانية تعديل المادة 12، وهي المتعلقة بالفترة الزمنية لتقاعد المرشحين ممن يشغلون الوظائف العامة قبل الانتخابات بثلاثة أشهر. 

وأكدت المفوضية أنه لا يزال هناك فرصة لذلك، خاصة وأن المستفيد من تلك المادة هو رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، وقد تقدم بالفعل بأوراق الترشح لدى المفوضية. وألمحت المفوضية إلى احتمالات الطعن على المادة، وأنها سوف تلتزم بكافة الطعون في الموعد المقرر لها، سواء بالنسبة للقوانين أو بالنسبة للمرشحين. 

الأمر الآخر يتعلق بالأدوار الخارجية، لاسيما القوي الدولية المنخرطة في الملف الليبي، والتي يمكنها كبح الانزلاق إلى السيناريو السيئ الذي يرجحه البعض من المراقبين، في ضوء استقالة كوبيش. وقد يكون “كاي ” هو مفتاح الحل للتوصل إلى نقطة توافق دولي، وأيضا نقطة توازن وتوافق داخلي في ليبيا؛ من أجل إنقاذ المشهد من العودة إلى الخلف مرة أخرى، لاسيما وأن دور الأطراف الدولية مهم في هذا السياق في إطار التعاون مع الأمم المتحدة بحكم وقوع ليبيا تحت الفصل السابع.

هذا بالاضافة إلى إقناع القوى الداخلية بأن هناك فرصة أفضل لليبيا في العبور من المرحلة الانتقالية الحالية إلى المرحلة التالية التي تتطلب الاحتكام إلى إجماع وطني على الأقل في الحد الأدنى الممكن، وأن الاحتكام إلى صندوق الانتخابات سيظل هو الحل الأمثل للخروج من المأزق الراهن، وأفضل من الاحتكام إلى صندوق الذخيرة.

السيناريو الآخر للخروج من المأزق الراهن، ربما يتجلى في إجراء الانتخابات، وفق القوانين الحالية، مع إقناع القوى المحلية بالقبول بما ستفرزه النتائج، مع الوضع في الحسبان أن المرحلة المقبلة هي أيضًا مرحلة انتقالية، لكن من خلال سلطة منتخبة عبر الصندوق وليس سلطة توافقية، أو مختارة من جمعية وطنية أو الملتقي السياسي.

فهناك الكثير من الملفات التي سيتم ترحليها إلى ما بعد الانتخابات والتي سيتعين على السلطة المنتخبة التعامل معها، ومنها الملفات الأمنية، وهناك أيضًا الملف القانوني وتحديدًا الدستور، وما سينبثق عنه من قوانين قد يكون فيها مفتاح الحل إذا ما تم وضع سياق قانوني معبر عبر خيارات الشعب الليبي، وبالتالي يؤسس سياسيًا لمستقبل البلاد، ويفكك التعقيدات الراهنة في المشهد الحالي. لكن هذا الخيار يتوقف على عامل التوافق الوطني، وتراجع المشروعات المتصارعة لصالح مشروع وطني حقيقي يخرج البلاد من عشرية الفوضى إلى الاستقرار المطلوب. 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى