الصحافة الدوليةروسيا

رسائل ما بين السطور: قراءة تحليلية في الصحافة الروسية.. أزمة اللاجئين في بيلاروسيا نموذجًا

تقول النظم الغربية إنها تكافح دائمًا من أجل الحرص على تطبيق حرية الصحافة في كل دول العالم. مؤكدةً في الوقت نفسه على حقيقة أنها –بوصفها المورد الرئيس للديموقراطية للعالم- تتمتع بنظم مماثلة. في غضون ذلك، يقول الفيلسوف الشهير “نعوم تشومسكي”، متحدثًا عن حرية الصحافة، “بالنسبة لحرية الصحافة، لا شك في أن التركيز الشديد للسلطة الاقتصادية والسياسية له تأثير ساحق على وسائل الإعلام، تمامًا مثل كل جوانب الحياة الأخرى”. 

ويشرح كذلك أن التفاوت بين السلطة والثروة دائمًا ما يلعب أدوارًا متعددة تؤثر بدورها على اهتمامات وسائل الإعلام وتوجهاتها. نعرف بهذه الطريقة، أنه لا يوجد إعلام حر بنسبة كاملة، ولكن يوجد هناك دائمًا ما يسمى بإعلام له أجندة محددة يرعى بموجبها مصالح الجهة المالكة له، سواء كانت تلك الجهة هي حكومية أو خاصة مملوكة لأشخاص. وليس من الضروري دائمًا أن تبدو تلك الأجندة حرة في عيون الجمهور العالمي، بل أنه من الطبيعي أن تكون ذات توجهات معادية بالنسبة للبعض، وذات توجهات صديقة بالنسبة للبعض الآخر.

والإعلام الروسي، في هذا السياق، قد لا يختلف عن الكثير من وسائل الإعلام الدولية الأخرى، فهو في نهاية المطاف إعلام يمتلك أجندة سياسية محددة. وتظهر تلك الأجندة بوضوح من خلال طريقة تناول صحف ووكالات أنباء روسية مختلفة –من حيث الملكية- لأزمة اللاجئين على الحدود البيلاروسية البولندية. وتعكس الطريقة التي استخدمتها هذه الصحف بشكل كبير ملامح رغبات موسكو غير المنطوقة فيما يتعلق بعلاقاتها بإحدى دول الفضاء ما بعد السوفيتي من جهة، وما تطمح إليه في تعاملاتها مع دول الغرب من جهة أخرى.

في روسيا: تعددت الصحف.. والرسالة واحدة!

تتنوع الصحافة ووكالات الأنباء الروسية –من حيث الملكية- ما بين نوعين، إما حكومية أو مستقلة. وكلمة مستقلة هنا، لا تعني أنها لا تعزف على نفس أوتار سيمفونية الأجندة الإعلامية الوطنية العامة التي يتشارك فيها السواد الأعظم من الإعلام الروسي، لكنها تعني أنها مستقلة أي مملوكة لشخص أو لجهة غير حكومية. ومن المؤكد أن تلك الجهة، أو ذلك الشخص سيكون أحد كبار رجال الأعمال من أصدقاء السلطة، مما يضمن في نهاية المطاف الإبقاء على الرسالة الإعلامية العامة قيد السيطرة.

وتعد مصادر إعلامية مثل (ريا نوفوستي، وتاس، وراسيسكايا جازيتا) من أكبر وأبرز وكالات الانباء الإخبارية المملوكة للدولة، تليها تحت بند الصحافة الخاصة صحيفة “آر.بي.سي” وصحيفة “نوفايا جازيتا”. وبوجه عام، لا تختلف الأجندة الإعلامية الروسية عن مثيلاتها لدى كبريات وسائل الإعلام في دول أخرى، بحيث يسود المشهد الإعلامي في النهاية المبدأ القائم على أساس “عدو عدوي صديقي، وعدو صديقي محتمل أن يكون عدوي، وعدوي أنا وصديقي يصبح هدفًا مشتركًا في مرمى نيران إعلام كلينا“. 

  • مصادر إعلامية حكومية

قدمت وكالة “ريا نوفوستي” تغطية إعلامية واسعة النطاق لأزمة اللاجئين، واتسمت تغطيتها منذ الساعات الأولى لاندلاع الأزمة بالكثافة والتركيز والتفصيل. وإذا كان من الممكن القول إن الإعلام هو المرآة التي تنعكس رؤية سلطة الدولة للأزمة وتنعكس فيها كذلك الرؤية التي ترغب السلطة ذاتها في توصيلها للعالم فمن الأجدر القول إن إجمالي التقارير الإخبارية التي نشرت عبر هذه الوكالة حول الأزمة كانت تهدف في نهاية المطاف إلى ترسيخ صورة عند الجمهور مفادها أن بولندا أولًا ومن ثم الاتحاد الأوروبي أجمع عبارة عن قوى دولية لا تأبه لحقوق الإنسان. والأهم من كل ذلك، أن هذه الوكالة تشير دائمًا إلى معسكر اللاجئين –مركز الأزمة- بوصفه أنه “معسكر لاجئين تلقائي” أو اللفظة التي يمكن ترجمتها بالعربية إلى كلمة “المعسكر العفوي”، للتأكيد في ذهن القارئ على أنه معسكر تشكل عن غير عمد.

ومن أبرز الأمثلة على طريقة عرض تقارير هذه الوكالة، أن نرى عناوين تفصيلية حول إصابة صحفيين روس بجروح على الحدود البولندية، والتي اتسمت بتناول إعلامي -من حيث الصياغة والصور والنقاط التي يركز الخبر عليها- غير حيادي تمامًا يستمر في استطلاع الأضرار التي لحقت باللاجئين، واستهجان وحشية أن يتم رش اللاجئين بالمياه في هذا الطقس شديد البرودة، بالإضافة للأذى الجسدي الذي لحق بالصحفيين. وهو شيء قد تعلم المجتمع الدولي من الغرب أنه من الضروري التركيز عليه لكسب أي معركة إعلامية.

واهتمت الوكالة ذاتها أيضًا باستعراض تصريحات كبار مسؤولي بيلاروسيا، وتسليط الضوء عليهم بوصفهم ضحايا للنظم الغربية الداعمة لبولندا التي يقوم المدعي العام بها بفتح قضية دعاية للحرب ضد المسؤولين البولنديين. وهو النمط نفسه من الأخبار الذي يسلط الضوء بتركيز شديد على كل تصريحات المسؤولين البولنديين العدائية لبيلاروسيا. 

بمعنى، أن هذه الوكالة اعتمدت بوجه عام على نقل كل ما يُدين بولندا، في الوقت نفسه الذي تتعمد فيه التركيز على الجانب العاطفي في تصريحات مسؤولي بيلاروسيا، واستعراض تعاطفهم وتآزرهم مع الوضع الإنساني الكارثي على حدودهم، ورفض أوروبا لاستقبال هؤلاء اللاجئين الذين تسبب الغرب في خراب ديارهم من خلال التغذية الغربية للحروب في الشرق الأوسط على مدار السنوات الماضية.

وتتوالى التقارير التي تحمل بين طياتها لمحات كثيرة تشكل في النهاية مشهدًا عامًا يصل إلى هدفه بأن يتم افتضاح الطريقة التي تتعامل بها أوروبا –في الحقيقة- مع ملف اللاجئين. وهو ما يقود بالتبعية إلى الوصول إلى حقيقة أخرى تؤكد أن الغرب ليسوا حريصين على رعاية ملفات حقوق الإنسان بنفس الطريقة التي يواصلون بها إظهار هذا الأمر والتأكيد عليه في المحافل الدولية وأمام الإعلام وفي كل مكان.

مثال على ذلك ظهر بوضوح من خلال عناوين على غرار “وزارة الدفاع البيلاروسية تقول إن بولندا تغذي أزمة اللاجئين“، و”بيلاروسيا تتهم بولندا باستخدام الأسلحة ضد المهاجرين“. ذلك بالإضافة إلى العمل على وضع صورة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ودوره في الأزمة، داخل إطار الطرف الخارجي الذي يبحث عن حل قويم للأزمة، شأنه في ذلك شأن المستشارة الألمانية “أنجيلا ميركل”. 

وبالنسبة للتغطية الإعلامية التي قدمتها وكالة “تاس“، فتلك من الممكن أن يتم وصفها بأنها كانت أقل كثافة بالمقارنة مع سابقتها. وكانت تغطيتها تتسم بنبرة هجومية أقل ضد الاتحاد الأوروبي، لكن هذا لا يمنع أنها كانت تنشر أخبارًا كُتبت بصياغة لغوية محايدة تقتصر على سرد المعلومات، لكنها في الوقت نفسه كانت تسلط الضوء بتركيز شديد على الجانب الإنساني من الأزمة، وطريقة تعاطي السلطات البولندية مع اللاجئين. 

علاوة على ذلك، لا تغفل الوكالة أبدًا الإشارة إلى ما قدمه الصليب الأحمر الروسي من مساعدات للاجئين، وتعاطف مسؤولي بيلاروسيا مع اللاجئين والجهود التي قدمتها البلاد لدعمهم، واستهجانهم لتعداد القوات العسكرية التي وصلت إلى نحو 20 ألف عسكري أجنبي والتي باتت تتمركز على حدودهم مع بولندا، إلى حد وصلت معه الأمور إلى أن شبه وزير الدفاع البيلاروسي “فيكتور خرينين” الأوضاع على الحدود بأنها مشابهة “لأيام الحرب الوطنية العظمى”.

أما عن صحيفة “راسيسكايا جازيتا“، فتلك قدمت تغطية تقِل من حيث الحجم والكثافة عن سابقتيها، بالشكل الذي يعكس اهتمامًا أقل من هيئة تحرير الجريدة بالأزمة نفسها. لكن اتسمت تغطيتها بأنها كانت –في الغالب- تميل لاستخدام عناوين توحي بأن المحتوى قد يكون معاديًا للدولة البيلاروسية لكن سرعان ما يتضح في المتن العكس تمامًا. 

مثال على ذلك، تقرير منشور تحت عنوان “أجرى لوكاشينكو مقابلة مع بي بي سي دحض من خلالها التزوير التقليدي“، قد يخيل لمن يطالع العنوان للوهلة الأولى أن المتن يحتوي على نص تصريحات الرئيس البيلاروسي، “ألكسندر لوكاشينكو”، أو شيء وجيز عنه خلال اللقاء الذي تميز بأكمله بأنه كان ذا نبرة عدائية للدولة البيلاروسية وكل حلفائها، لكن سيفاجأ المطلع على التقرير أن المحتوى يخفي تمامًا نص المقابلة وتكتفي بالتنويه لأبرز النقاط التي تؤيد “لوكاشينكو” خلال اللقاء. 

وللمرة الثالثة على التوالي، شأنها في ذلك شأن جميع الصحف ووكالات الأنباء الروسية، لا يتم الإتيان على ذكر المخيم إلا من خلال إلحاقه بكلمة “مخيم عفوي للاجئين”، جنبًا إلى جنب، مع التأكيد على تعاطف مينسك مع اللاجئين ودور وجهود الجانب البيلاروسي لدعمهم. و

من جهة أخرى، تركز الصحيفة كذلك على غسل أيادي موسكو من أي دور في الأزمة. مثال على ذلك، تقرير بعنوان “بوتين: أزمات الهجرة هي من صنع الدول الغربية نفسها“، وتضمن التقرير تصريحات من لقاء عقده بوتين مع قناة “24 الروسية” بتاريخ 13 نوفمبر. أوضح من خلاله أن أزمات الهجرة هي من صُنع دول الغرب نفسه، وأنه ينبغي حل هذه الأزمة. 

وفي حديثه عن أسباب الأزمات، أشار “فلاديمير بوتين” إلى أنها سياسية وعسكرية واقتصادية بطبيعتها. وكان يرى من وجهة نظره أن الأسباب الاقتصادية تتمثل في المزايا الاجتماعية العالية التي يتمتع بها المهاجرون في أوروبا. وأشار أيضًا إلى أنه يشعر بالأسف أولًا وقبل كل شيء على أطفال المهاجرين الموجودين على حدود بيلاروسيا وبولندا.  

  • صحف مستقلة: 

يوجد في روسيا العديد من الصحف المستقلة التي تؤول ملكيتها إلى جهات غير حكومية كما ذكرنا آنفًا. وتعد مجموعة “آر.بي.سي“، واحدة من ضمن الأسماء الأبرز في هذا الصدد. وهي مجموعة يمتلك رجل الأعمال الروسي، “جريجوري بيرزكين”، المعروف بعلاقاته الوطيدة بموسكو، السواد الأعظم من أسهمها. وهو نفس الشخص الذي يمتلك صحيفة “كومسومولسكايا برافدا“، الشهيرة بكونها الصحيفة المفضلة لبوتين والمعروفة أيضًا بتأييدها الشديد للدولة الروسية.

ومن جهتها، لم تهتم صحيفة “آر.بي.سي”، بتقديم متابعة مكثفة للأزمة على غرار صحف روسية أخرى. غير أن تقاريرها بالكامل لم تخرج أيضًا عن ذات الإطار السابق ذكره بالنسبة للصحف الحكومية وطريقة تناولها ومتابعتها للأزمة. مثال على ذلك، تقرير تحت عنوان “لوكاشينكو يعترف أن الجيش ساعد المهاجرين في الوصول إلى بولندا“، يسلط الضوء على أن لوكاشينكو اعترف أنه ربما انخرطت بعض العناصر العسكرية البيلاروسية بالفعل في مساعدة اللاجئين على الوصول إلى الحدود البولندية، ولكنهم ما فعلوا ذلك من وازع تعليمات مباشرة من قياداتهم، وفعلوها بدافع من التعاطف لذلك هو لن يقوم حتى بمراجعة الأمر. مؤكدًا على الجانب الإنساني التي تنظر به القيادة البيلاروسية إلى الأمور، بعبارة “نحن سلاف، لدينا قلوب، ويعرف جيشنا أنهم متجهون إلى ألمانيا“. وتقرير آخر، بعنوان “مينسك تعترف أن امرأة روسية كانت ضحية لأعمال حرس الحدود البولنديين“، 

واختلفت عنها صحيفة “كومسوملسكايا برافدا“، التي قدمت تغطية ضئيلة للغاية من حيث الحجم بالمقارنة مع الصحف الأخرى، واتسمت تقاريرها بأنها محددة، تتوزع عبر مسافات زمنية متباعدة، وتحتوي على دعم صريح لآراء ووجهات نظر الكرملين. كان من أبرز عناوينها، في هذا الصدد، تقرير تحت عنوان “الليتوانيون يصابون بالصدمة: واحدة من أفقر دول الاتحاد الأوروبي وتنفق 400 ألف على احتواء تيخانوفيسكايا“، استعرضت من خلاله أن الليتوانيون الذين أيدوا استقبال المرشحة الرئاسية السابقة الهاربة من بيلاروسيا، “سفيتلانا تيخانوفيسكايا” قبل عام، بدأوا يندمون على هذا القرار. ولفتوا إلى أن سبب الاستياء يعود إلى أن وجودها في هذا البلد يكلف الحكومة نحو 400 ألف يورو سنويًا. تأتي ردود الأفعال الغاضبة بعد ظهورها في برنامج تليفزيوني محلي في ليتوانيا قالت من خلاله إنها تحصل على دعم بهذا المبلغ. 

وتقرير آخر، نُشر بتاريخ 15 نوفمبر، أي بعد اندلاع الأزمة وتفاقمها بأيام! تحت عنوان “لاجئون أقاموا مخيمًا جديدًا أمام الحدود البولندية“، يظهر أن اللاجئين حضروا بشكل عفوي إلى بيلاروسيا، وتجمهروا وتجمعوا بشكل تلقائي غير متعمد، محاولين التسلل إلى الأراضي البولندية. وورد بالتقرير أن هؤلاء اللاجئين كانت كل آمالهم تتلخص في أنهم يبحثون عن طريقة يدخلون بها في سلام للأراضي البولندية، لكنهم لم ينجحوا في ذلك. 

نظرة تحليلية على رسائل موسكو إلى العالم

تتصل أزمة المهاجرين على الحدود “البيلاروسية- البولندية” المشتركة في أذهان الكثيرين، إما في بولندا نفسها بوجه خاص أو الغرب بوجه عام، بالعقوبات الغربية المفروضة على بيلاروسيا من قبل الاتحاد الأوروبي، ورغبة مينسك في افتعال تصرفات استفزازية بغرض الانتقام من محاصراتها بعد الأزمة الأخيرة التي كانت البلاد قد شهدتها في أعقاب الانتخابات الرئاسية بـ 2020. ومن المؤكد أن مينسك لديها بالفعل رغبات انتقامية موجهة ضد أوروبا، لكن في الوقت نفسه، هذه الحقيقة ليس من الممكن أن تنفي دورًا روسيًا في الأزمة.

وردًا على السؤال الأهم، حول دوافع موسكو في تحريك وخلق أزمة مهاجرين من هذا النوع، فهذا أمر لا يمكن النظر فيه من دون مراجعة استفزازات حلف الناتو قرابة الحدود الروسية في خلال الأشهر الأخيرة، وهو الشيء الذي لطالما مَثَل الخطر الأمني الأعظم في عيون موسكو، ولم يتوقف بوتين أبدًا عن تكرار وترديد التحذيرات منه، ولم يتوقف كذلك أي مسؤول روسي عن التحذير من هذا الأمر، لاسيما خلال العام الجاري. ففي إبريل، أعلن وزير الدفاع الروسي “سيرجي شويجو” أن الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي تقوم بأنشطة استفزازية في المجال الجوي ومياه البحر الأسود. مضيفًا أن الأوضاع العسكرية هناك ترقى لأن توصف بأنها صعبة.

وفي يوليو، قال المتحدث الرسمي باسم الكرملين، “ديميتري بيسكوف” إن نشاط الناتو بالقرب من الحدود الروسية يقتضي اتخاذ إجراءات لضمان الأمن، وذلك تعليقًا على مناورات “أجايل سبيريت 2021″، والتي انطلقت في جورجيا بمشاركة 12 دولة عضو في الناتو مثل أذربيجان وجورجيا وأوكرانيا. 

وفي نوفمبر الجاري، أعلن “شويجو” خلال حضوره اجتماع المجلس الروسي الفرنسي، أن حلف شمال الأطلسي يواصل زيادة حضوره على حدود الاتحاد الروسي، وتعتقد وزارة الدفاع الروسية أن الولايات المتحدة تنشئ مجموعة مسلحة متعددة الجنسيات بالقرب من حدود روسيا. وأشار وزير الدفاع الروسي في الاجتماع إلى أن الوضع العسكري والسياسي في أوروبا أصبح مهينًا للغاية. لافتًا إلى أن الوجود العسكري لحلف الناتو بالقرب من الحدود الروسية يستمر في الازدياد. 

ونخلص من كل ما سبق، إلى أن موسكو ربما كانت بالفعل تحتاج لافتعال وهندسة أزمة لاجئين على الحدود البيلاروسية مع بولندا بوصفها بوابة عبور تفتح المجال للنفاذ إلى أوروبا. وكل ذلك يحدث لأن هذه الأزمة توفر لها، فرصة خلق نوع من القلق والتوتر على الحدود الأوروبية يضع أوروبا في موقف مماثل لذلك الذي يواصل حلف الناتو دائمًا العمل على وضع روسيا فيه. 

وكذا، لا ننسى أنها أزمة إنسانية في المقام الأول، أو بالأحرى، هي أزمة حقوق إنسان، وهو ذات الملف الذي لا يتوقف الغرب عن توجيه اللوم فيه إلى روسيا أبدًا. وأبرز دليل على ذلك يتمثل في أزمة المعارض الروسي الشهير، “اليكسي نافالني”، التي لم تخفت حدتها بعد في أحاديث الغرب ووسائل إعلامه الموجهة ضد موسكو.

بمعنى، أن ما ترغب موسكو أن تقوله للعالم من خلال افتعال الأزمة في المقام الأول، وعبر ما بثته وسائل إعلامها في المقام الثاني، أن الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”، اختلق هذه الأزمة حتى يثبت لأوروبا أنه الآن بات يجلس أمامها على مقعد “النِدية البحتة”، الذي يخول له التعامل معها من منطلق طرف افتعل لطرف أزمة حدودية والآخر ردها له بالمثل. ومن منطلق طرف دائم توجيه اتهامات للآخر بارتكابه لانتهاكات حقوقية، وهو الآن ردها له بالمثل، وشاهد العالم أجمع كيف تعاملت القوات البولندية بعنف مع اللاجئين الذين تقول وسائل الإعلام الروسية أن موسكو ومينسك تعاملهم برفق وتشعر بالتعاطف إزاءهم.

 وبهذه الطريقة، ما بين موسكو التي ترغب دائمًا في الحفاظ على ماء وجهها وصد الصاع صاعين، والغرب الذي لا يتوقف أبدًا عن التشدق بقيم ومبادئ حقوق الإنسان، لم يُظهر أبدًا أي منهم أي اكتراث حقيقي ودعم لقضايا اللاجئين الذين تم استخدامهم في نهاية المطاف كعملة للمقايضة والمزايدة على بعضهم البعض.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى