مصر

الحدث المنتظر.. “افتتاح طريق الكباش”

طيبة.. أرض الجمال التي تتجسد في أرض الملوك، قدر العالم قيمتها وعدّها قيمة عالمية استثنائية لا مثيل لها، وسُجلت كتراث عالمي بـ “اليونسكو”. وبعد سنوات من العمل الدؤوب، ها هو العالم سيراها من جديد بشكل مبهر وساحر؛ فنحن على بعد خطوات قليلة من الحفل المهيب لمشروع “إحياء طريق الكباش الفرعوني”، المشروع الأثري العملاق الذي ينتظره الجميع بشغف، والذي سيلفت أنظار العالم لمحافظة “الأقصر” قبلة السائحين وأهم مدينة أثرية، في حفل أسطوري يليق بمكانة وتاريخ الحضارة المصرية القديمة يُعرض فيه سحر أرض طيبة للعالم.

طيبة بين الماضي والحاضر

تمثل طيبة نموذجًا للروائع في تكوينها كمدينة للحكم في مصر القديمة، فهي تتكون من عدة مبانٍ على البرين الشرقي والغربي، مبانيها الواقفة شاهدة على معتقدات خاصة بالحياة والموت في عهد المصريين القدماء، فاسم طيبة اقترن بالعديد من الأحداث والمعتقدات المرتبطة بتاريخ المصريين القدماء، فهي عاصمة مصر في الدولة الحديثة من 1570 إلى 1070 قبل الميلاد.

واليوم، تستعد الأقصر لاستضافة الحدث العالمي الذي يشهد افتتاح “طريق الكباش” يوم 25 نوفمبر، وهو الطريق الذي يربط معبد الأقصر جنوبًا مرورًا بمعبد موت الذي يتفرع عنده إلى فرعين كنهر النيل ليحتضن معبد الكرنك شمالًا، وهذا على طول يصل إلى 2700 متر، يتزين بطوله ويصطف على جانبيه 1057 تمثالًا منحوتًا من كتلة واحدة من الحجر الرملي، ذات كورنيش منقوش عليه اسم الملك وألقابه والثناء عليه، فوق قاعدة من الحجر مكونة من أربعة مداميك من الحجر. ولهذه التماثيل هيئتان؛ الأولى: تتخذ شكل جسم أسد ورأس إنسان (أبو الهول) أو رأس كبش بشكل مصغر، والثانية: تتخذ شكل جسم الكبش. وكان الغرض منه تخصيصه للاحتفالات والأعياد الكبرى المقدسة، وقد سماه البعض بـ “طريق المواكب الكبرى”.

سُمّي هذا الطريق تحديدًا بـ “الكباش”، وهي جمع كلمة كَبش، أحد الرموز المقدسة قديمًا لآمون رع، وقد اعتقد البعض أن رمز الكبش كان بغرض حماية المعبد من دخول الأرواح الشريرة، وقديمًا، أطلق المصريون القدماء اسم “وات نثر” على هذا الطريق؛ بمعنى طريق الإله.

أهم المتاحف المفتوحة في العالم

في افتتاح لن يقل إبهارًا عن موكب المومياوات الملكية، وبعد عدة سنوات من العمل الجاد لإعادة البريق إلى تلك المنطقة، على يد رجال الترميم بوزارة السياحة والآثار، سيتم تحويل الأقصر بفضل هذا الطريق إلى أكبر وأهم المتاحف المفتوحة على وجه الأرض. 

وترجع فكرة افتتاح طريق الكباش إلى لعام 2007، عندما بدأت الدولة في جهود تطوير وترميم الطريق الواقع وسط مبانٍ سكنية وأراضٍ زراعية، ومن قبل ذلك كان حلمًا لكل محب للحضارة المصرية القديمة وذلك عندما تم اكتشافه عام 1949 على يد الأثري زكريا غنيم، ثم تبعه بفترة الدكتور محمد عبد القادر.

 وتم استئناف المشروع بشكل عملي عام 2017، بتكلفة تقدر بحوالي 500 مليون جنيه، وبالتعويض عن الأضرار الناتجة من إزالة بعض المنشآت على امتداد الطريق، ومن بينها منشآت قديمة كالكنيسة الأرثوذكسية، ليبصر النور بعد أيام قليلة في حدث عظيم يشهد على عراقة الأقصر وآثارها، ويؤكد على قوة مصر الناعمة.

إن تطوير منطقة الأقصر الحديثة سيتم من خلاله تقديم خدمات على أعلى مستوى للسائحين والزوار، لتسهل عليهم الانتقال بين المواقع التاريخية، بجانب أنه سيدفع سكان الأقصر إلى إقامة مشروعات استغلالًا لهذه التطورات، وبالتالي ستعمل هذه المشاريع على زيادة دخل المحافظة. 

إبراز المقومات السياحية والأثرية

يعود إنشاء طريق الاحتفالات المقدسة إلى حوالي 3500 سنة؛ حيث بدأ العمل على إنشاء طريق الكباش بأمر من الملك أمنحتب الثالث، تاسع ملوك الأسرة الـ 18، الذي أسهم في بناء العديد من المعابد في الكرنك؛ خاصة معبد الإله “مونتو”، ومعبد آخر للإلهة موت، قبل أن يبدأ في تشييد معبد الأقصر، ثم جاء الملك رمسيس الثاني ورممه وأضاف اسمه على الكثير من الكباش.

استمر العمل في طريق الكباش طيلة 1000 عام؛ حتى انتهى منه الملك نختنبو، مؤسس الأسرة الثلاثين “آخر الأسرات المصرية القديمة”، وأضاف إليه الكثير من الملحقات لتعزيزه مثل: الاستراحات المخصصة للزوارق، ومقياس للنيل، ومنطقة تصنيع الفخار، ومَعاصر للنبيذ المستخدم في الاحتفالات الكبرى، والتي كانت تقام على الطريق، وكذا تم إنشاء مجموعة من الحمامات وأحواض الاغتسال، ومخازن لحفظ أواني النبيذ.

وبعد مرور كل هذه السنوات، لا تزال تلك الحضارة تخبرنا أن هناك المزيد والمزيد، وستعود الأقصر ببريقها لتلمع من جديد؛ فهذا الطريق سيبرز جمال الأقصر وما بها من آثار وحضارة تمت إعادة تهيئتها بمجهود لا يقدر بثمن، فقد قاد مرممو الآثار ملحمة لإنجاح عملية الافتتاح، منخرطين في ترميم مئات القطع الأثرية بدقة عالية وسرعة فائقة.

ارتسمت في مختلف أرجاء محافظة الأقصر شرقًا وغربًا ألوان السحر والجمال بالإضاءة المبهجة من قلب معبد الأقصر ومعابد الكرنك ومعبد الملكة حتشبسوت وكورنيش النيل، استعدادًا للحفل العالمي، بالإضافة إلى زراعة أنواع من النخيل والأشجار التي تعكس الفترة الزمنية للاحتفال، لنعود بالزمن لأكثر من 3500 عام.

ومن المقرر أن يتم تقديم موسيقى فرعونية بنفس الآلات الموسيقية القديمة المحفورة والمؤرخة على جدران معابد الكرنك، بقيادة المايسترو العالمي نادر عباسي. وسيضم الموكب 400 شاب وفتاة يرتدون زي الاحتفالات عند المصريين القدماء ويسيرون على موسيقى تصويرية مستوحاة من الأناشيد الفرعونية، وبالتأكيد سيتم تعريف الوعي المصري بأنشودة “آمون”، في إحياء لتقاليد التغني بها في عيد الأوبت.

هذا بجانب أنه سيتم إقامة معرض للصور النادرة من القرن ١٩ في أماكن محددة على طريق المواكب تروي تاريخ معابد الكرنك والأقصر وطريق المواكب الذي يربط بين المعابد، ويروي ويصور أهم الاكتشافات الأثرية، وصور ومناظر للأعياد والاحتفالات التي كانت تقام في العصور القديمة.

ولنستعرض سريعًا أهم المعالم السياحية في أطلال طيبة:

  • معبد الكرنك: مجمع معابد يبلغ عددها 11 معبدًا، لتكون أقدم دور عبادة عرفها التاريخ قبل 4500 عام، وقد بدأ بناء معبد الكرنك من الداخل من قدس الأقداس، ثم إلى الخارج، حيث بهو الأعمدة الأكبر في العالم، والذي يحتوي على 134 عامودًا، ثم مدخل المعبد وهو طريق الكباش الشهير. 
  • معبد الأقصر: من أبرز معابد البر الشرقي، ويقع بالقرب من معبد الكرنك، بُني ليكون بمثابة منزل للإله آمون رع، ويمتاز بمنشآته الضخمة، التي تبدأ ببوابته الكبيرة وتمثالي رمسيس الثاني الجالس على جانبي المدخل، ومسلتين؛ واحدة قابعة في مكانها، والأخرى موجودة في العاصمة الفرنسية باريس منذ عام 1836.
  • معبد الدير البحري “حتشبسوت”:  ويعد جوهرة معابد الأقصر، فهو أكبر وأهم المعابد الجنائزية في عصر الدولة الفرعونية.
  • وادي الملكات: أُقيم بنفس الطراز المعماري لوادي الملوك، ولنفس الهدف، وهو دفن نساء الأسر الملكية والأمراء والأميرات والمقربات منهن من أفراد الطبقة النبيلة، ويقع على مقربة من وادي الملوك، وأشهر المقابر الموجودة في وادي الملكات هي مقبرة الملكة “نفرتاري” الزوجة المحببة لرمسيس الثاني، جميلة الجميلات التي قام زوجها بعمل لها أجمل مقبرة وفاءً لها.
  • وادي الملوك: موقع يضم أهم المقابر الملكية وبعض الأشخاص المهمين من حاشية الأسر الحاكمة لمصر الفرعونية، ويضم وادي الملوك حوالي 64 مقبرة، أهمها مقبرة الملك “توت عنخ آمون”.
  • تمثالا ممنون
  • المعبد الجنائزي لأمنحتب الثالث
  • متحف الأقصر
  • معبد الرامسيوم
  • مدينة هابو
  • متحف التحنيط
  • مقابر النبلاء
  • دير المدينة
  • المعبد الجنائزي سيتي الأول 

إعادة إحياء “عيد الأوبت”

وسط هذا الطريق الذي يربط بين معبدي الأقصر والكرنك، تبدأ الاحتفالات من “قدس الأقداس” بمعبد الكرنك، حيث يوجد تمثال الإله آمون، فيسير الموكب المقدس للملوك والآلهة في احتفالات عيد “الأوبت” من كل عام في موسم فيضان النيل وما يجلبه لمصر القديمة من خير عظيم. وأوبت باللغة الهيروغليفية هي ترجمة لـ “حب نفر أن أوبت” وتعني الأوبت الجميل.

يسير الملك ويتبعه علية القوم من الوزراء وكبار الكهنة ورجال الدولة وخلفهم الزوارق المقدسة التي تحمل التماثيل الخاصة بمعبود ثالوث طيبة، آمون وموت، وكذلك ابنهما خونسو، والذين يكونون فيها متخفيين عن الأنظار قائمين بداخل المراكب المقدسة الخاصة بهم متجهين إلى معبد الأقصر، بينما يصطف أبناء الشعب على جانبي الطريق لمشاهدة هذه المسيرة الخارجة من قلب طيبة ذات المئة باب، وعلى أنغام الترانيم الني تمجد آمون رع.

وتقول كلمات الأنشودة العتيقة: “عندما تكون بالزورق مهيب المقدمة، إنك تبدو جميلًا يا آمون رع. والكل يمجدك، لأن البلاد كلها في عيد ابنك البكر أول من أنجبت يجدف، ويبحر بك قدمًا إلى حيث يوجد أوبت، فياليتك تمنحه الخلود في موقعك ملكًا للأرضين، وأن يكون هو ويبقى للأبد في سلام، وياليتك تنعم عليه بحياة استقرار وسيادة تقره حاكم مصر، وياليتك تكافئه بملايين لا تحصى من الأعياد، فهو ابنك الحبيب الذي أجلسته على العرش”.

هذا الموكب يعد من المواكب الاحتفالية الضخمة في مصر القديمة، والتي كانت تنتقل من معبد آمون بالكرنك وحتى معبد الأقصر عبر طريقين رئيسين، فإما عن طريق نهر النيل، أو طريق الكباش وهي رحلة ممتدة لأكثر من 2 كيلومتر وقتها، وفيه يحدث لقاء مع آمون رع من الكرنك وآمون الأقصر. وتصاحب هذه الاحتفالات مظاهر البهجة؛ من الموسيقى والرقص والغناء، والاحتفالات العسكرية، وعزف الأبواق، وذبح الأضاحي، وتقديم العطور والهدايا، احتفالًا بتجديد تتويج الملك آمون رع، وتأكيدًا على أحقيته بالملك.

 وسوف يتم إعادة هذا الحدث الجلل بعد يومين تواكبًا مع ذكرى الزواج المقدس للمعبود “آمون” مع المعبودة “موت”، في مزج واضح بين الماضي والحاضر لاستعادة مشهد أسطوري يخطف الأفئدة والقلوب.

أهمية طريق الكباش للسياحة في الأقصر

تكمن أهمية طريق الكباش لقطاع السياحة في أنه أحد المشاريع الضخمة التي ستحمي تاريخ مصر التراثي من الاندثار. ويمثل هذا المشروع نقلة أثرية وكذلك حضارية ضخمة ستثري من قطاع السياحة في مصر خلال الفترات القادمة. ومن الممكن أن يستغل هذا الطريق في تنفيذ عدد من المشروعات السياحية الكبيرة على جانبيه، فالقائمون على العمل هناك يعملون على إنارة المعابد واستخدامها في جولات التمشية بالمكان لأوقات أكبر، مما سيثري السياحة في مدينة الأقصر بشكل كبير.

ولعل من أهم المشاريع السياحية التي تمت مناقشة إنشائها في طريق الكباش هو مشروع “الممر السياحي العلوي”، وتم التفكير في جعل هذا الممر مخصصًا فقط للمشاة، مع تصميم أرضيته وأسواره من الزجاج، لإتاحة سهولة الرؤية والتقاط الصور التذكارية بالمكان.

وتلك الفكرة سوف تسهم بشكل كبير في زيادة الإيرادات السياحية في مصر، حيث سيجعل السائحين يطيلون عدد الليالي السياحية في الأقصر لزيارة هذا الممشى والطريق واكتشافهم، وبالتالي زيادة الإنفاق نظير المدة الإضافية التي سيمكثها الزوار هناك، حتى يستمتعوا ويُشبعوا أعينهم وحواسهم بسحر الماضي في طيبة، وبساطة وجمال أهلها.

موكب المومياوات الملكية كان البداية

في أبريل الماضي، شهد العالم نقل ثمانية عشر ملكًا وأربع ملكات بعناية إلى المتحف القومي الحضارة المصرية، وسط عرض فخم يليق بقيمتهم الملكية ووضعهم ككنوز وطنية، ومن خلاله شهد العالم أجمع على هيبة مصر القديمة، وأهمية تاريخها القديم والحديث، في رسالة ذات مردود مهم، وهي أن الدولة المصرية تنهض من جديد باستقرارها وأمنها لتستعيد ما تمتلك من المجد والحضارة، وأنها تستطيع أن تجذب الاستثمارات إليها لإقامة المشروعات وجني العائدات من تنشيط السياحة الأثرية.

وبعد أيام وبأيادٍ مصرية، ستعيد مصر لفت أنظار العالم بأسره إليها وإلى أرض الآثار، لينبهروا بقدرة مصر على التنظيم وكفاءة إمكاناتها الكامنة، وفخر المصريين بحضارتهم العريقة.

مي صلاح

باحثة بالمرصد المصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى