أفريقيامصر

بعد 20 عامًا وفي توقيت عصيب … مصر تتسلم رئاسة الكوميسا

تستضيف مصر القمة 21 لرؤساء دول وحكومات السوق المشتركة لدول شرق وجنوب إفريقيا (الكوميسا) -والتي تنعقد بعد ثلاث سنوات من انعقاد القمة الأخيرة في لوساكا بزامبيا في يوليو 2018- وذلك بالعاصمة الإدارية الجديدة. وشهدت القمة تسلم مصر رئاسة الكوميسا خلال الدورة الحالية بعد 20 عامًا على آخر مرة تولت فيها مصر الرئاسة، عام 2001,

وتأتي رئاسة مصر للكوميسا هذا العام في توقيت يمكن وصفه بأنه شديد الصعوبة؛ نظرًا للظروف الاقتصادية التي يمر بها العالم في مرحلة التعافي من جائحة كورونا. فقد تأثرت حركة التجارة والشحن خلال الفترة الأخيرة، فضلًا عن تأثر أسعار المواد الخام وعجز بعض الدول عن الوفاء بالتزاماتها. الأمر الذي يجعل انعقاد المؤتمر في هذا التوقيت شديد الحساسية، لدعم حركة التجارة البينية بين الدول الأعضاء وتخفيف حدة أثر تفشي الجائحة على الدول الأعضاء. 

انضمام مصر للكوميسا

الكوميسا هي اتفاقية السوق المشتركة لدول الشرق والجنوب الأفريقي، تم إقرارها في قمة أبوجا لعام 1991، بهدف إلغاء كافة القيود التجارية فيما بين دول أعضاء التجمع تمهيدًا لإنشاء وحدة اقتصادية للمنطقة، فتقوم استراتيجيتها على “الازدهار الاقتصادي من خلال التكامل الإقليمي”. وقد تمّ إنشاء الكوميسا في ديسمبر عام 1994 خلفًا لمنطقة التجارة التفضيلية التي بدأت في عام 1981، وتستضيف العاصمة الزامبية لوساكا مقر سكرتارية الكوميسا. 

D:\هبة\مرصد\نوعي\الكوميسا\Capture.PNG

وتضم الكوميسا في عضويتها كلًا من: مصر، والسودان، وإريتريا، وإثيوبيا، وبوروندي، ورواندا، وجزر القمر، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وجيبوتي، وكينيا، ومدغشقر، ومالاوي، وموريشيوس، وأوغندا، وإي سواتيني، وزامبيا، وليبيا، وسيشيل، وزيمبابوى، وتونس، والصومال. ويزيد عدد سكان هذه الدول على 583 مليون نسمة، وتمثل ما يقرب من ثلثي القارة الأفريقية بمساحة 12 مليون كيلو مترًا مربعًا، ويبلغ الناتج المحلي الإجمالي لها 805 مليار دولار، وتجارة عالمية للصادرات والواردات في السلع بقيمة 324 مليار دولار أمريكي.

وقد وقعت الدولة المصرية اتفاقية الكوميسا في 29 يونيو من عام 1998. وتم البدء في تطبيق الإعفاءات الجمركية منذ 17 فبراير 1999 على أساس مبدأ المعاملة بالمثل. وانضمت مصر لمنطقة التجارة الحرة للكوميسا –وكانت تضم 9 دول هم مصر وجيبوتي وكينيا ومدغشقر ومالاوي وموريشيوس والسودان وزامبيا وزيمبابوي- التي أعلن عن إنشائها في قمة لوساكا 2000؛ إيمانًا منها بأهمية إقامة منطقة تجارة حرة بين دول الكوميسا كمقدمة لإنشاء السوق المشتركة. وانضمت للمنطقة الحرة كل من رواندا وبورندي في 2004، ثم ليبيا وجزر القمر في 2006.

وتمنح كل من مصر وكينيا والسودان وموريشيوس وزامبيا وزيمبابوي وجيبوتي وملاوي ومدغشقر وروندا وبوروندي، السلع والمنتجات ذات منشأ الكوميسا إعفاءً تامًا من الرسوم الجمركية والضرائب. فيما تطبق أوغندا وإريتريا وجزر القمر تخفيض 80% على وارداتها من دول الكوميسا. أما إثيوبيا فتطبق تخفيضًا جمركيًا بنسبة 10% من الرسوم الجمركية المقررة على وارداتها من دول الكوميسا. 

وتتمتع كافة السلع المصرية المصدرة إلى الدول الأعضاء بإعفاء تام من كافة الرسوم الجمركية والرسوم والضرائب الأخرى ذات الأثر المماثل وفقًا لنسب التخفيضات التي تقرها كل دولة وعلى أساس المعاملة بالمثل. وتسري الإعفاءات الجمركية على كافة السلع المستوردة من جميع الدول الأعضاء والتي تحقق قيمة مضافة تعادل 45%.

وتتسم الصادرات المصرية إلى دول الكوميسا بالتنوع النسبي مقارنة بوارداتها، ويعد من أهم الصادرات المصرية إلى دول الكوميسا: مواد البناء، المنتجات الكيماوية والدوائية والورقية، والصناعات الغذائية، والمحاصيل المتنوعة. وقد سجلت الصادرات المصرية زيادة هامشية بنسبة 5.1%، لترتفع من 27.8 مليار دولار عام 2018 إلى 29.2 مليار دولار عام 2019. فيما شكّلت قيمة الصادرات المصرية 26٪ من إجمالي سوق الصادرات البينية في الكوميسا في عام 2019.

ولا يقتصر الدور المصري بالكوميسا على العمليات التجارية فقط، فتقوم مصر بدور نشط في تفعيل وتطوير آليات عمل الكوميسا، وتشارك بفاعلية في شتى اجتماعات لكوميسا، وتقوم بإعداد وتقديم كثير من الندوات والدراسات الفنية، والمنح التدريبية لدول الكوميسا، وخاصة في مجالات الطرق، والاتصالات والمواصلات والبنية التحتية والمشتريات الحكومية …. وغيرها. وبالإضافة إلى ذلك، تدعم الدبلوماسية المصرية باستمرار سكرتارية الكوميسا المعنية بالتفاوض حول اتفاقية المشاركة الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي، وذلك من واقع إبرامها لاتفاقية المشاركة المصرية – الأوروبية.

مكتسبات الانضمام للكوميسا

بالانضمام للكوميسا حققت مصر عدة مكتسبات على أكثر من صعيد، أولها أن السلع المصرية المصدرة إلى الدول الأعضاء تتمتع بإعفاء تام من كافة الرسوم الجمركية، ولا يوجد استثناءات سوى مع دولة السودان وكينيا وموريشيوس. هذا إلى جانب أن سوق الدول الأعضاء بالكوميسا سوق رحب ومتنفس للعديد من المنتجات المصرية، لزيادة أعداد سكان الدول الأعضاء والتي تبلغ حوالي 583 مليون نسمة. هذا بخلاف الاستفادة من الإعفاءات المتبادلة، بين 11 دولة منضمة لمنطقة التجارة الحرة التابعة للكوميسا.

وفي سياق متصل، تستفيد مصر من هيكل صادرات الدول الأعضاء والتي تعتمد على تصدير خامات ومواد خام وسلع رئيسة، وتسهم في رفاهية المستهلك المصري. بخلاف الاستفادة من هيكل الواردات للدول الأعضاء والذي تتمتع مصر بمزايا نسبية في توفير وإنتاج كثير منها. 

على الجانب الآخر، تنص المادة 158 من اتفاقية الكوميسا على تشجيع التعاون في مجالات الاستثمار، والتعاون الصناعي والزراعي ومجالات النقل والمواصلات. وتنص المادة 164 على تحرير التجارة في الخدمات مما يتيح الفرصة لمصر لتصدير الخبرات الفنية خاصة مع تفوق مصر في مجال التجارة في الخدمات وبالأخص أعمال المقاولات. 

مصر رئيسًا للقمة الـ 21

وبعد غياب 3 سنوات –منذ انعقاد القمة الأخيرة في لوساكا بزامبيا في يوليو 2018- تستضيف مصر القمة الـ 21 للكوميسا وتسلمت رئاسة الكوميسا بعد 20 عامًا من آخِر مرة تولت فيها الرئاسة في 2001. وتعكس استضافة ورئاسة مصر للقمة إيمانها الراسخ والتزامها بتعزيز العمل الجماعي لزيادة معدلات النمو الاقتصادي، وإزالة جميع العقبات التي تعترض حرية التجارة بين الدول الأعضاء، ومجابهة التحديات التي فرضتها جائحة كورونا. خاصة أن التعاون الإقليمي من خلال التكتلات التجارية، أصبح واحدًا من أهم آليات تحقيق التنمية.

وعلاوة على ذلك، يعكس الأمر عودة مصر إلى العمق الأفريقي ليس فقط لتشجيع التبادل التجاري بين الدول الأعضاء، ولكن أيضًا للعمل على تنمية الدول الأفريقية والاقتصاد الأفريقي من خلال مشروعات تنموية مصرية؛ إذ يعزز المكانة السياسية لمصر افريقيًا، ويعكس جهود الدولة -التي بدأت منذ 2014- لدعم التكامل الإقليمي، وتكللت برئاستها للاتحاد الافريقي، ورعاية اجتماعات الكوميسا على هامش منتدى أفريقيا 2018، على وجه الخصوص. هذا إلى جانب المساهمة في تشجيع التبادل التجاري بين دول افريقيا.

شواهد نجاح رئاسة مصر للكوميسا

رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي: رئاسة السيسي للاتحاد ستدفعه إلى الأمام |  المصري اليوم

التداخل المصري بالشأن الافريقي أخذ منحى جديدًا منذ 2014، فبعد العلاقات التي شابها الفتور بين دول القرن الأفريقي، بدأت القيادة السياسية في إعادة توطيد العلاقات المصرية بأشقائها الأفارقة، هذا بخلاف تصدر ملف الزيارات المتبادلة لزعماء دول إفريقية أجندة زيارات واستقبالات الرئيس السيسي، وتكللت هذه الجهود برئاسة مصر للاتحاد الافريقي 2019، الفترة التي حظيت بإشادة دولية لبذل جهود مضنية لدعم التكامل التجاري والتنمية المستدامة بالقارة الأفريقية.

فقد ساهمت مصر خلال رئاستها للاتحاد الافريقي في رعاية عدة مبادرات تنموية للقارة الأفريقية، أهمها التنمية في أفريقيا بأيدي أفريقية، ومبادرة إسكات البنادق وبدء البناء، ومبادرة علاج مليون مواطن إفريقي تحت مظلة مبادرة 100 مليون صحة، وأصدرت مصر البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب الإفريقي؛ لتدريب 10 دفعات بمجموع 1000 شاب إفريقي بالأكاديمية الوطنية للتدريب.

وعلى الجانب الاقتصادي والتنموي والسياسي، تم إطلاق المرحلة التشغيلية لمنطقة التجارة الحرة الأفريقية حيث وقعت عليها 54 دولة، ودخلت حيز النفاذ في مايو 2019. وقرر الرئيس السيسي، خلال منتدى أفريقيا في ديسمبر 2018 أي قبل تولي مصر رئاسة الاتحاد الافريقي بثلاثة أشهر، إنشاء صندوق ضمان مخاطر الاستثمار في إفريقيا؛ لتشجيع المستثمرين المصرين والأجانب بالتوجه نحو الاستثمار في أفريقيا والمشاركة في تنمية القارة السمراء.

وكذا، استضافت مصر فعاليات منتدى أفريقيا 2019، في نوفمبر 2019، بالعاصمة الإدارية الجديدة، وشارك بالمؤتمر عدد من رؤساء الدول والحكومات الإفريقية، فضلًا عن 200 شخص من رجال الأعمال والمستثمرين الأفارقة ومن جميع أنحاء العالم. وركز المنتدى على دور القطاع الخاص في تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة وتعزيز الفرص الاستثمارية بمجالات البنية التحتية والتحول الرقمي والطاقة المتجددة بالقارة السمراء، وحقق المنتدى نجاحات لهذا العام، تمثلت في توقيع 13 مذكرة تفاهم واتفاقية بقيمة استثمارات تصل لـ 3 مليارات دولار.

هذا إلى جانب استضافة القاهرة نهاية نوفمبر 2019، ورشة عمل “صنع في أفريقيا”، بمشاركة وزراء الصناعة الأفارقة ورؤساء اتحادات صناعات وممثلين عن 25 دولة أفريقية، فضلا عن خبراء من 8 دول أوروبية والصين وعدد من المنظمات الدولية؛ لإنشاء نظام معلوماتي لربط الموارد القارية بسلاسل القيمة الإقليمية؛ لتقليل الاعتماد على الواردات من الخارج، بالإضافة إلى الاتفاق على مواصفات قياسية موحدة لضمان جودة المنتجات المتداولة داخل القارة. وقد أولت مصر أهمية كبيرة لمجال النقل خلال رئاستها للاتحاد الافريقي، ومنها البري مثل طريق “القاهرة-كيب تاون”، فضلًا عن خطط الربط الملاحي “الربط بين بحيرة فكتوريا والبحر المتوسط”.

ويوم الاربعاء 11ديسمبر2019، وقع وزير الخارجية سامح شكري، ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي موسى فكي، اتفاقية استضافة مركز الاتحاد الأفريقي لإعادة الإعمار والتنمية بعد النزاعات، والذي اقترحت مصر إنشاءه في فبراير 2019. وبجانب ذلك، نظمت مصر الدورة الأولى لمنتدى أسوان للسلام والتنمية المستدامين.

إلى ذلك، لم يترك الرئيس عبد الفتاح السيسي محفلًا دوليًا إلا وشارك فيه ممثلا للقارة الأفريقية؛ كون مصر رئيس الاتحاد الافريقي خلال عام 2019. وأبرزها: مؤتمر ميونخ للأمن (15 فبراير 2019)، ومنتدى الحزام والطريق (24 أبريل 2019)، والقمة الصينية الأفريقية (18 يونيو 2019)، وقمة مجموعة العشرين في أوساكا باليابان (28، 29 يونيو 2019)، والقمة الأفريقية بالنيجر (8 يوليو 2019)، وقمة السبع الكبرى (24 أغسطس 2019)، والقمة اليابانية الأفريقية (28 أغسطس 2019)، والقمة الروسية الأفريقية (24 أكتوبر 2019)، والقمة الألمانية الأفريقية (19 نوفمبر 2019).

كل هذه الجهود المصرية في تعزيز الاستثمارات والبنية التحتية وتدعيم التعاون الاقتصادي والتجاري بين الدول الافريقية، لن تختلف كثيرًا عما هو متوقع خلال رئاسة مصر لقمة الكوميسا، فهي ستكون فرصة سانحة لاستكمال مسيرة مصر في تأكيد حضورها بأفريقيا، وعرض الرؤية المصرية كاملة لزيادة معدلات التبادل التجاري ومعدلات النمو الاقتصادي والاستثمارات المشتركة وتقليص معدلات الفقر وجذب الاستثمارات وازالة كافة العقبات التي تعترض التجارة بين دول القارة.

هذا علاوة على توفيق الأوضاع بين الكيانات الاقتصادية الأفريقية لإقامة منطقة تجارة حرة فيما بينها، بل وتعزيز التفاعل بين شعوبها، وأبرزها: تجمع دول الساحل والصحراء CEN-SAD ويضم 28 دولة، والسوق المشتركة لدول شرق وجنوب إفريقيا COMESA ويضم 21 دولة، وتجمع دول وسط افريقيا ECCAS ويضم 11 دولة، وتجمع شرق إفريقيا EAC ويضم 11 دولة، وتجمع التنمية للجنوب الأفريقي SADC ويضم 15 دولة.

ختامًا، اتفاقية الكوميسا حققت الكثير من التقارب التجاري بين الدول الأعضاء، لكن مازال هناك الكثير يعطل من وتيرة التنمية الافريقية، لذا أمام الدولة المصرية الكثير أثناء رئاستها للقمة لمزيد من تفعيل التعاون المشترك بين دول شرق وجنوب افريقيا، خاصة في ظل تفعيل اتفاقية التجارة الحرة –التي عطلها انتشار جائحة كورونا- على رأسها تعزيز وتسريع وتيرة مشروعات النقل والمواصلات والمراكز اللوجيستية داخل وبين الدول الأعضاء، إلى جانب دعم التنسيق بين بنوك الدول الأعضاء، ووضع سياسات تمويلية وإدارية إجرائية مشتركة فعالة لدفع المشروعات التجارية والاستثمارية المشتركة، وقبل ذلك كله إعادة تفعيل أهداف ومخرجات ورشة “صنع في إفريقيا” لإعادة تشكيل هيكل الصناعات والصادرات والواردات الإفريقية، لخلق فرص تصنيعية وتصديرية حقيقية بين الدول الأعضاء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى